{العلم} تفتح ملف المغاربة ضحايا الترحيل التعسفي من “الجزائر” من جديد وتتطرق لمسيرة الدموع أو المسيرة “الكحلة” 

 

يعتبر تاريخ 08 دجنبر سنة 1975 انطلاق تراجيديا المأساة و المعاناة اللاإنسانية الحقيقية، التي تعرض لها مواطنون مغاربة ضحايا الطرد الجماعي التعسفي من الجزائر، و التي لا يمكن بأي حال من الأحوال نسيانها من ذاكرتنا ، و ذلك لجسامة الجرائم و الانتهاكات المرتكبة في حق الكبار رجالا ونساء.
و الصغار الذين عاشوا مرارة هذا الظلم و الاضطهاد و الترحيل التعسفي إلى جانب أسرهم المكلومة ، حيث تم ترحيل جماعي تعسفي للمغاربة من الجزائر، إذ جاء ذلك كرد فعل من الحكومة الجزائرية إزاء المغرب وانتقاما منه على تنظيمه للمسيرة الخضراء المظفرة، عقب نجاحها في استرجاع ربوعنا الجنوبية من المستعمر الإسباني.
مما دفع بالنظام الجزائري آنذاك إلى تنظيم مسيرة سوداء كما جاء على لسان الرئيس الجزائري الراحل الهواري بومدين في خطابه التهكمي الشهير على أمواج الإذاعة و التلفزة الجزائرية أنه سينظم مسيرة كحلة، و كررها بمسيرة الدموع من الجزائر إلى المغرب، حيث قامت السلطات الجزائرية بتنفيذ هذا الفعل الحاقد بمداهمات واعتقالات واقتيادات إلى مخافر الشرطة، رجالا ونساء وأطفالا دون تمييز رغم إقامتهم بصفة شرعية وقانونية منذ عقود من الزمن.
فصادرت عقاراتهم ومزارعهم ومتاجرهم وشركاتهم ومعاشاتهم وأرصدتهم في البنوك وغيرها من الممتلكات التي أصبحت غنائم لهم، فتم تسجيل مجموعة من الانتهاكات اللاأخلاقية التي لا تمت بصلة للتحضر ولا لروح الإسلام بسبب هذا الفعل الحاقد و تعبير الموقف الانتقامي السياسي الجزائري الذي تضمن العنصرية، الشتم، الضرب، الإهانة والاعتقال التعسفي و الاغتصاب بالمخافر و تفريق و تشريد الأسر و العائلات التي فاقت 45000 عائلة مغربية.
وكذا التخويف و التجويع و الترهيب و سلب الحقوق و الممتلكات مما يجعل هذا الطرد جريمة ضد الإنسانية بامتياز ، وتصرفا محرما في القانون الدولي و المواثيق و الأعراف و المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان و بحقوق العمال المهاجرين، وقد حاولت السلطات الجزائرية مساومة المغاربة المطرودين من أجل البقـاء والإقـامة بالجزائر دون أن يمسهم أحد بإغرائهم، شريطة حملهم الجنسية الجزائرية أو اعترافهم بجبهة البوليساريو، أو المساهمة المادية لفائدتها، لكن فَضَّل المغاربة المقيمـون بالجزائر، عدم الرضوخ للإغراءات والإملاءات الجزائرية مع عدم بيع هويتهم الوطنية، و إن كان السبب الرئيسي يكمن في العمق في محاولة فاشلة للنظام الجزائري للمساس بمصالح الدولة المغربية وتأزيم الوضع وإرباكه اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا .
ويعتبر هذا الفعل اللا أخلاقي جريمة ضد الإنسانية ، ووصمة عار على جبين الجزائر اقترفها نظامها في عهد رئيسها الهواري بومدين ووزير خارجيته آنذاك والرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة .
ويعيدنا هذا الملف الى فتح ملف المأساة التي تعرض لها الضحايا المغاربة جراء هذا الترحيل التعسفي القسري الجماعي من تعذيب ومصادرة للممتلكات وتفريق وتشتيت شمل العائلات والأسر، وحتى المرضى لم يسلموا من هذا الترحيل الانتقامي فقد اقتادوهم محملين في ((بطانيات)) ومنهم من أجرى عملية جراحية حديثة لم يشف منها بعد.
وقد تزامنت فترة الطرد الجماعي التعسفي من الجزائر سنة 1975 و هذه الانتهاكات اللاإنسانية مع ذكرى تخليد العالم لليوم العالمي لحقوق الإنسان في نسخته العشرين و مع مناسبة غالية و مقدسة عند كافة المسلمين و هي عيد الأضحى المبارك ، فترتبت عن هذه الانتهاكات الهمجية تصدع في نفسية المطرودين مع تذمر معنوياتهم، مما أثر سلبا على صحتهم، ومنهم من طلق من زوجته الجزائرية، وانتزع منه أطفاله والنساء المغربيات طلقن من الأزواج الجزائريين وتم حرمانهن من أبنائهن , ومنهم من تعرض للاغتصاب ولكل الانتهاكات المحرمة دوليا دون وجه حق وهوما اعتبر ه الخبراء الدوليون في مجال القانون الدولي العام و القانون الدولي الإنساني جريمة حرب و جريمة ضد الإنسانية عرفها القرن العشرون.
وكشفت هذه الممارسات اللا إنسانية للنظام الجزائري اتجاه المغاربة المقيمين بصفة قانونية بالتراب الجزائري بعد مساعدتها على انتزاع استقلالها من المستعمر الفرنسي , وإسهامهم بقسط وافر في تنمية الجزائر اقتصاديا , بل منهم من استشهد في سبيل تحرير واستقلال الجزائر , ليس نكرانا للجميل فقط وإنما أزمة حضارية تتعارض وطبيعة الانتماء الحضاري الواحد، ويسيء إلى القيم الإنسانية والتاريخية والاجتماعية للشعبين الشقيقين الجزائري والمغربي.
ورغم ان هذه القضية الإنسانية طبعها التعتيم الاعلامي في السابق ولم تتجرأ أية مؤسسة أو منظمة وطنية أو دولية رسمية أو غير رسمية التطرق إليه أو طرحه بجدية أمام المنابر الدولية الأممية الخاصة بمجال صيانة كرامة حقوق الإنسان أو التهجير القسري لأجل إنصاف هذه الفئة من الضحايا المغاربة، و ذلك لرد الاعتبار لهم و استرجاع حقوقهم و ممتلكاتهم المصادرة من طرف الدولة الجزائرية و جبر ضررهم، ، فإنه تم تجاهله دون إعطاء أية جهة مسؤولة مبررات و توضيحات كافية حول أسباب عدم تناوله و تطرقه بل محاولة نسيانه و طيه طيلة أزيد من ثلاثة عقود من الزمن.
فقد أخذت منحى آخر بتداولها الان بشكل جدي وبتحديات كبيرة من قبل المجتمع المدني المهتم بهذا المجال، رغم إمكانياته المحدودة ، فقد كسبت تعاطفا وتضامنا مع مؤسسات ومنظمات حقوقية من دعم ومساندة جهود عمل الجمعيات في إطار الدبلوماسية الموازية التي تتهجها هذه الأخيرة ، كما أنها تسعى بكل جهودها إلى اعتبار قضية المغاربة ضحايا الترحيل التعسفي من الجزائر على المستوى الوطني قضية وطنية ومسؤولية الجميع .وذلك لرد الاعتبار لكرامتهم واسترجاع حقوقهم وممتلكاتهم المصادرة من طرف الدولة الجزائرية وجبر ضررهم.
إلى جانب مطالبة الدولة الجزائرية بالتزام تفعيل التوصيات الصادرة بتاريخ 10 ماي 2010 من قبل اللجنة الدولية لحماية جميع حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم التابعة لهيئة الأمم المتحدة الداعية إلى استرجاع حقوقهم وممتلكاتهم وتعويضهم بشكل عادل ومناسب ، وجمع شمل الأسر والعائلات المغربية بذويها الباقين في الجزائر وعدم تطبيق قانون ماليتها لسنة 2010 والداعي إلى تأميم ممتلكات المغاربة المهاجرين لسنة 1975 . بدعوى أن هؤلاء العمال المغاربة المهاجرين بالجزائر لم يتم التخلي عن حقوقهم وممتلكاتهم وإنما تم طردهم بشكل جماعي وتعسفي وبدون وجه حق إلى جانب كونه عقابا جماعيا ينطلق من خلفيات سياسية وعنصرية ليس لضحايا فيها أي دخل .
وحيث أن ملف قضية المغاربة ضحايا الترحيل الجمـاعي القسري من الجزائر سنة 1975 هو ملف الدولة المغربية بامتياز بحكم أن الذين تعرضوا للترحيل المجحف وسلب ممتلكاتهم من طرف النظام الجائر، يعتبرون جالية مغربية مقيمة بالديار الجزائرية بشكل قانوني وشرعي , لذلك على الدولة المغربية تفعيل وتنفيذ التوصيات الصادرة عن نفس اللجنة الدولية الأممية وذلك باتخاذ التدابير الضرورية من أجل إدماج هذه الفئة المتضررة من خلال تحسين وضعيتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية طبقا للمادة 67 من الاتفاقية.
كما حثت هذه اللجنة الأممية الدولة المغربية بتقديم معلومات عن هذه المسألة في تقريرها الدوري المقبل سنة 2014 ، فضلا عن الجهود المبذولة لتنفيذ التعاون الدولي بشأن هذه المسألة , وفقا للمادة 64 من الاتفاقية . ومطالبة جميع المنظمات والمؤسسات المعنية بمجال حقوق الإنسان والدولة بتحمل مسؤولياتها إزاء هذا الملف الحقوقي الإنساني وإيجاد حل وتسوية نهائية , لأنه لا يمكن لضحاياه التنازل عن قضيتهم ونسيان معاناتهم جراء الانتهاكات اللا إنسانية الجسيمة التي مورست في حقهم .
وقد التقت {العلم } مع المتضررين القاطنين بالقنيطرة في ظروف يندى لها الجبين حيث أن هذه الفئة من المواطنين المغاربة يعيشون الأمرين، معاناة مع المعيشة والسكن ومعاناة نفسية على ما ضاع منهم بدولة الجزائر، وتقول عائلة اليعقوبي زهرة والتي تعولهم وهي متقاعدة ولها راتب لا يتعدى 1000 درهم شهريا المزدادة سنة 1945 رحلت صحبة عائلتها من مدينة سينيا المجاورة لمدينة وهران المدينة الاقتصادية للجزائر .
زهرة الآن تكتري بيتا مغطى بالقصدير كما تبين الصور بسومة كرائية قدرها 350 درهم وهي في وضعية حرجة مع المكري، حيث سجل ضدها دعوى للإفراغ وتعاني من مرض مزمن ولم تجد ما تسدد به ثمن العلاج والأدوية الباهظة الثمن رغم استفادتها من برنامج الراميد، وقد تركت عند ترحيلها منزلا كبيرا ودكانا كما فقدت والديها بالمغرب وجدتها بالجزائر.
أما قويدر بحمادي المولود بالجزائر سنة 1932 والذي ساهم مع المجاهدين في تحرير الجزائر، و أصيب أثناء الثورة الأولى إصابات بليغة في رجله ويده. وأثناء ترحيله ترك منزلا وقطيعا من الغنم، والان يعاني من قلة ذات اليد خصوصا بعد التقاعد بمعاش لا يتعدى 900 درهم ، لأنه لم يخدم مدة طويلة نظرا إلى سنه المتقدم حيث قضى ما يناهز 15 سنة كخدمة فعلية بناء على توظيفهم من طرف الدولة المغربية مرتبين بالسلم 1 كعون خدمة باجر لا يتعدى 700 درهم ، ويعتبر الآن متشرد حيث يقطن ببيت احد المحسنين بالقنيطرة ويمارس رغم سنه المتقدم ((82 سنة)) حارسا لسيارات .
أما الخضر البيلق من مواليد 1960 بالجزائر الساكن بدور صفيحي ، صحبة والديه وأبنائه حيث يبلغون 12 فردا, ورحلوا من عين تموشنت وهي مدينة فلاحيه وجل سكانها من المغاربة تقع غرب الجزائر، على بعد 73 كلم من وهران و127 كلم من الحدود المغربية حيث كان يملك ضيعة مساحتها 25 هكتار بقطيعها من الأبقار…, بالإضافة إلى الممتلكات العقارية والافرشة كما أسدى والده خدمات للمقاومة الجزائري من مأوى وتغذية ومساهمة مالية وعينية لفائدة المجاهدين ضد المستعمر الفرنسي آنذاك وتوفي والده جراء هذه المعاناة متأثرا بهذه الصدمة سنة 1984 .

وليد الميموني

عن جريدة العلم

18/1/2014