هل الحوار حرام … نحن تلامذة السلفية المتنورة.. وهذه دوافعنا للإصلاح

  بقلم ..محمد المريني

اتسمت ردود الأفعال على الخطاب الذي ألقاه الأخ إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني السابع للنساء الاتحاديات بتاريخ 20/12/2013 التي دعى فيها إلى ضرورة فتح نقاش وطني حول أحكام الإرث والتعدد وتزويج القاصرات والعنف ضد النساء، اتسمت بنوعين من الردود، أولها تكفيري مستعملا لغة الوعيد والإرهاب، وهذا الاتجاه لا يستحق سوى التنديد والمواجهة القانونية، وثانيهما خطاب محافظ، لكنه يستحق معاملته وفق تقاليد الحوار الديمقراطي، ومقارعة الحجة بالحجة، لما فيه من فائدة لتنمية الوعي الوطني العام .
ومن ذلك على سبيل المثال ما جاء في صحيفة وطنية يومية على شكل مقال صحافي على صدر صفحتها الأولى، عنوانه: .
«لشكر يضع يده في عش النحل ويدعو إلى مراجعة أحكام الإرث وتعدد الزوجات» .
ونحن نجيب صاحبة المقال، نعم أيتها الأخت الكريمة، ليكن في علمك أن الإتحاد ومجموع المناضلين التقدميين وضعوا دائما وطوال تاريخنا الحديث يدهم في عش النحل، وليست هذه المرة الأولى التي يتعرضون فيها لهذا النوع من الحملة، وتيقني أنها لن تكون المرة الأخيرة .
إن هذه الأسرة المنبثقة من الحركة الوطنية، هي من تحمل آباؤها، الجيل الأول، تبعات النضال ضد الاستعمار، وهي من قدمت خيرة مناضلي المقاومة وجيش التحرير، ولم تتعرض فقط للسعات النحل، بل كان منها الآلاف من الشهداء والمنفيين، والآلاف ممن تعرضوا لشتى أصناف التنكيل في معتقلات الاستعمار، إلى أن تحقق استقلال المغرب .
وهي الأسرة التي واصلت بعد الاستقلال النضال من أجل مغرب ديمقراطي حداثي متقدم.
وهي التي كابدت من أجل تحقيق ابسط المطالب: من أجل حرية التعبير أو من أجل حق الاحتجاج أو الإضراب، أو من أجل العيش الكريم أو من أجل تعليم للجميع، أو من أجل انتخابات نزيهة، أو من أجل مقاومة العسف والاستبداد والفساد، كابدت شتى أصناف الاعتقالات والمحاكمات والاختطافات والاغتيالات.
وفي تلك المسيرة، التي نسميها اليوم، واليوم فقط، سنوات الرصاص، كنا نواجه بنفس المنطق، انتم تحاربون في المعركة الخطأ، وان الظروف لم تنضج بعد لتحقيق مطالبكم، إلى آخر المعزوفة المعروفة.
لكن الأحداث والتاريخ أنصف من وضعوا أيديهم في عش النحل، كان لهم شرف قيادة أول حكومة للتناوب التوافقي سنة 1998، هذه التجربة التي لم تكن فريدة على صعيد المغرب فقط، بل هي سابقة لم يكن لها مثيل على الصعيد العربي العام، وبفضل هذه التجربة تحققت تحولات كبيرة في الثقافة والعقلية السياسية وتحققت إصلاحات اقتصادية واجتماعية، أهلت المغرب أن يجتاز انتقال العرش بأمان وأن ينعم بالاستقرار في زمن إعصار الربيع العربي .
وأخيرًا، أخيرًا، ألم يكن المؤتمر الوطني العاشر للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وعلى ضوء ما عاينه من اختلالات في التجربة، أن طرح مطلب الملكية البرلمانية كخطوة ضرورية في معركة الانتقال الديمقراطي، وحينها جوبهنا كذلك من طرق جهات متعددة، بمنطق أن المسألة الدستورية لم تعد مطروحة ، وأنه يجب استنفاد أولا تطبيق دستور 1996، وأن المغرب لم ينضج بعد للانتقال لنظام ملكية برلمانية، لكن من سوء حظ هذا المنطق المحافظ أن جاءه الإعصار الكبير للربيع العربي، وفي خضمه انبثقت حركة 20 فبراير، وأصبحت جل المدن المغربية تعج باحتجاج شبابي وازن، ملتفة حول شعار مركزي واحد، يتمثل في مطلب تحقيق ملكية برلمانية، إلى أن حسم الأمر خطاب الملك محمد السادس ليوم 9 مارس 2011، وأقر دستور 2011 الخطوة الأولى على درب تحقيق هذا الشعار.
تلك محطات كبيرة من تاريخ مجيد، صنعه أساسا نضال القوات الشعبية الحية في البلاد ، كان لنا فيه شرف المبادرة والمساهمة النشيطة في تأطيره وقيادته، وتحملنا من أجل ذلك تكلفة عالية جدا من التضحيات والمعاناة والآلام .
وبفضل ذلك، ننعم اليوم بمكتسبات عديدة، في كافة المجالات، وليس هناك ما يمنعنا للتطلع للأحسن بفتح أوراش جديدة لتحقيق الإصلاحات التي تتطلع إليها الأجيال الجديدة للمغرب الديمقراطي الحداثي .
وختاما لهذه الفقرة ألا ترين معي سيدتي الصحافية أننا بقدر ما كنا نضع أيدينا في عش النحل كنا نحقق مع شعبنا وخاصة قواه الحية أفضل النتائج لمغرب التقدم، الذي ينعم اليوم باستقرار مشهود مع مواصلة التغيير والإصلاح.
وفي نفس السياق إنبرى صحافي مقتدر، وهو كاتب افتتاحيات يومية متميزة، إنبرى بكتابة افتتاحية عنونها « الاتحاد في المعركة الخاسرة « معربا عن ثلاث إفكار جوهرية :
الأولى : أن المجتمع المغربي مجتمع محافظ جدا إن لم يكن منغلقا.
الثانية: أن التيار الحداثي خرج منهزما في مشروع سعيد السعدي حول إدماج المرأة في التنمية في عهد حكومة التناوب.
الثالثة : أن معركة اليوم ليست هي فتح أوراش الإصلاح الديني في بيئة فقيرة ماديا وفكريا وسياسيا.

1) حول المجتمع المحافظ

صحيح أن المجتمع المغربي ، مجتمع محافظ كبقية المجتمعات العربية، وصحيح أيضا أن الثرات الفقهي والتقاليد الموروثة لها جذور عميقة في التربية المغربية والعربية .
لكن الوقوف عند هذه الحقيقة الأولية، يشبه كمن يقف أمام عبارة « ويل للمصلين» فلو اتبعنا هذا النهج، لاستنكفنا عن اي محاولة للإصلاح والتحديث ، وهي أمور ليس مرغوبا فيها فقط ، بل هي حاجة ضرورية للبقاء وللنماء وللتطور ، في عالم يتحرك بسرعة جنونية لا تترك لنا مجالا للخيار، بين أن ندخل في مجرى التقدم، أم أن نستكين للتقاليد الموروثة عن 14 قرنا.
كان ثمن الاستكانة للتقاليد الموروثة ولوضع العزلة التي عاشها المغرب طوال قرون، أن تعرضنا لصدمة الاحتلال والاستعمار.
وليس غريبا أن تبدأ الإرهاصات الأولي لقيام النهضة الشعبية الوطنية ولميلاد الحركة الوطنية المغربية، من الحاجة الملحة للخروج من أزمة المغرب الشاملة سوى بإدخال تعديلات عميقة على جميع بنياته السياسية والاقتصادية والإدارية .
ومن هنا، كانت إستراتيجية الحركة الوطنية الأصيلة وبشكل ثابت مرتكزة على الإصلاح الشامل بما يخدم استمرار الدولة المغربية، وتحقيق الديمقراطية، وتذليل العقبات الحائلة دون مسايرتها لركب حضارة العصر بمختلف تحدياتها .
وهل نحن في حاجة اليوم لنعيد التذكير، ان سلاح الإصلاح والتحديث كان الوسيلة الناجحة لتجاوز الاختناقات الكبرى التي حلت بنا.
في بداية السبعينات عاش المغرب ظروفا صعبة اثر انتفاضة مارس وإعلان حالة الاستثناء سنة 1965 واثر المحاولتين الانقلابيتين 1971-1972، إلى مشكل الصحراء.
وفي بداية التسعينات كذلك اجتزنا ظروفا خطيرة إثر تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة إتباع سياسة التقويم الهيكلي منذ سنة 1983 وتعاظم المديونية والخضوع المطلق لتعليمات صندوق النقد الدولي، ومخلفات حرب الخليج الثانية .
وفي كل الحالات، لم تكن الحركة الوطنية المغربية أو الحركة الاتحادية سواء أثناء فترة الاتحاد الوطني أو فترة الاتحاد الاشتراكي مدفوعة برغبة ممارسة الترف الفكري أو بحب اللعب في المجالات الملغومة، بل برغبة الطموح الصادق لتعميق الإصلاح والتحديث باعتبارهما الوسيلة الوحيدة لمواجهة الأزمات الداخلية، ولمواكبة ركب التغيير الذي جعل العالم قرية كونية واحدة .
هذه الإستراتيجية تسير بخط مواز « للتحولات الاجتماعية والثقافية والقيمية « التي يعرفها المغرب .
هذه الإستراتيجية كانت تسير باتزان وتدرج، مراعية دائما « التحولات الاجتماعية والثقافية والقيمية « التي يعرفها المغرب.
منذ أزيد من نصف قرن لم يبق المجتمع المغربي « مجتمعا محافظا منغلقا «، بل شهد تحولات عميقة على جميع المستويات ، ارتفعت نسبة التمدن إلى أكثر من 60% ، ولم تعد البادية ذلك المجال المغلق، وارتفعت نسب التمدرس في العالمين المدني والقروي ، واحتلت الإناث فيما يخص التعليم العالي نسب إدماج فاقت 50% في بعض التخصصات ، ويتعلق الأمر خصوصا بطب الإنسان حيث تصل نسبة الإناث إلى 74% والتجارة والتدبير 61% وعلوم التربية 59% والطب والصيدلة 57%، وأصبحت المرأة مشاركة ومساهمة في الإنتاج والخدمات بل اخترقت مجالات الطب والقضاء والمحاماة والهندسة والدبلوماسية والإدارة والجيش والدرك والأمن، ولها تمثيلية متنامية في المجلس الأعلى والمجالس المحلية للعلماء وفي المجالس المحلية المنتخبة والبرلمان بغرفتيه وداخل الحكومة .
وعلى المستوى الاجتماعي، ومنذ بداية الستينات عرفت الأسرة المغربية تحولات عميقة، ذلك أن حركية التمدن السريع، وانتشار التمدرس ودور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، والهجرة داخل وخارج المغرب، كلها عوامل أدت إلى تراجع الأسرة التقليدية الممتدة التي كانت تتعايش فيها ثلاث أجيال في بيت واحد، في مقابل تزايد كبير للأسرة الزوجية المتكونة من الزوجين والأطفال.
ولم يكن التغيير فقط على مستوى بنية الأسرة فقط، بل شمل أيضا الوظائف داخل الأسرة، فبعد أن كان الرجل هو الذي يتحمل المسؤولية المادية والمعنوية، أصبحت المرأة بحكم انخراطها في سوق العمل مساهمة في تحسين أوضاع الأسرة ماديا ومعنويا، بل بدأنا نشهد أسرا تكون المرأة هي معيلها الوحيد.
وكان لتقلص الأسرة الممتدة، وانتشار الأسرة الاجتماعية أثر على تغليب النزعة الفردية بدل التضامن العشائري، والاتجاه نحو التقليل من الإنجاب.
وعلى مستوى القيم، كان لابد أمام اتساع وعمق التحولات الداخلية والخارجية التي شهدها المغرب خاصة منذ أواسط الثمانينات أن ينخرط في ثقافة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، في إطار ما يعيشه من انتقال ديمقراطي إثر على البنيات الدستورية والسياسية والمدنية والاجتماعية ، أنتجت توليفة مزجت، بواسطة الحوار والتوافق ، بين الأسس الإسلامية المتنورة والمتفتحة وبين مضامين الاتفاقيات الدولية المتعلقة بموضوع الأسرة وحقوقها ، وخاصة منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية ، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة المتعلقة بالقضاء على العنف ضد المرأة و الرضى بالزواج والحد الأدنى لسن الزواج وحقوق الطفل.
وانطلاقا من هذه التحولات القيمية أصبح الخيار الديمقراطي الحداثي خيارا لا رجعة فيه في التوجه الملكي والحكومي والمجتمعي، يمثل إرادة وطنية شاملة لتحقيق العدالة والتقدم ، لجعل الاسرة المغربية قائمة على أسس التكافل والمساواة .

2) حول مشروع سعيد السعدي

هل يصح القول أن التيار الحداثي خرج منهزما في مشروع سعيد السعدي حول إدماج المرأة في التنمية في عهد حكومة التناوب.
هذه الأطروحة تبخيس للتاريخ ، بل أبعد من ذلك، تنعدم فيها النظرة الموضوعية للأحداث.
حينما صيغت مدونة الأحوال الشخصية سنة 1958 ، جاءت توجهاتها الأساسية تعكس الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك، ذلك أن اللجنة التي أوكل إليها أمر إعداد المشروع كان أعضاؤها من علماء القرويين فقط، ولم تأخذ بآراء واقتراحات المتخصصين في القانون والعلوم الاجتماعية والاقتصادية ولم تستشر فيها بداهة النساء، وكان هاجس هذا الاتجاه الذي هيمن على إعدادها وصياغتها هو ترسيخ نموذج العائلة الأبوية الذي كان سائدا آنذاك في المجتمع.
وطوال 35 سنة أو يزيد ( 1958-1993) ورغم الحاجة الملحة التي اقتضت آنذاك إعادة النظر في بعض بنودها، فإن كل المحاولات لم تفلح لتعديل أي فصل من المدونة، إلى أن تمكنت الحركة النسائية، صاحبة الشأن، من أمساك قضيتها بنفسها ، في ظروف وشروط وطنية ودولية ملائمة .
طوال الحقبة المذكورة باءت كل محاولات تعديل المدونة بالفشل .
كانت هناك محاولة أولى سنة 1961 لتعديل المدونة ، ثم محاولة ثانية سنة 1965 بمناسبة صدور قانون توحيد القضاء ومغربته ، ثم محاولة ثالثة سنة 1981 ، تم محاولة رابعة على شكل اقتراحات قدمت للبرلمان تتعلق برفع سن الزواج وإخضاع التعدد لرقابة القضاء ، وجعل الطلاق غير نافد إلا بواسطة التصريح به أمام القاضي.
كل هذه المحاولات باءت بالفشل رغم أن مسار تطبيق مدونة الأحوال الشخصية خلال الحقبة المذكورة ، ورغام تطور الظروف الاقتصادية والاجتماعية قد بانت عن أوجه قصور عديدة منها خاصة:
– رفض الاستناد للخبرة الطبية في إثبات أو نفى النسب.
– حرمان المرأة من الإرث عن طريق تحبيس الأملاك على الذكور دون الإناث ، أو تفويتها إليهم بعقود صورية .
– رفع سن الزواج .
– رضائية عقد الزواج بالنسبة للمرأة .
– اخضاع التعدد والطلاق لرقابة القضاء .
– مراجعة نظام الحضانة والولاية على الأبناء.
وكان لابد من انتظار نضج الظروف لتحمل المرأة نفسها قضية إصلاح مدونة الأحوال الشخصية، فلا يكتب لأي قضية النجاح إلا إذا ناضل أصحاب الشأن أنفسهم من أجلها .
وهكذا وفي سياق دولي أصبحت فيه الديمقراطية وحقوق الإنسان لحن العصر، وفي سياق وطني اتسم بالمراجعات الكبيرة التي نتج عنها تأسيس وزارة حقوق الإنسان والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وإحداث المحاكم الإدارية وإلغاء قانون كل ما من شأنه، ومصادقة المغرب على مجموعة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية ، هذا المسار الذي توج بدستور 1992، الذي أقر في ديباجته أن المغرب يعترف بمبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، في هذه الشروط ارتفعت أساسا الأصوات النسائية المغربية لتعبر عن أن قضية الديمقراطية والعدل والمساواة ورفع الحيف عن الفئات المحرومة، لا يمكن أن تستقيم إلا بإنصاف نصف المجتمع المتمثل في المرأة وتمكينها من إنسانيتها وكرامتها كانسان كامل، له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات .
وفي هذا الإطار فإن أول مطلب لها يتمثل في إصلاح مدونة الأحوال الشخصية .
قاد المبادرة اتحاد العمل النسائي بمناسبة 8 مارس 1991، وبمساندة قطاعات نسائية لأحزاب سياسية وهيئات نقابية تقدمية، في إطار حملة المليون توقيع .
واستندت المبادرة على أساس الحديث الشريف القائل.
« النساء شقائق الرجال في الأحكام «.
وارتكزت على المبادئ التالية:
– إقرار مبدأ المساواة بين الزوج والزوجة.
– إقرار حق المرأة الراشد في إبرام عقد الزواج دون ولي.
– جعل الطلاق بيد القضاء تطلبه الزوجة أو الزوج على قدم المساواة.
– تمكين المرأة من الولاية على الأبناء مثل الرجل.
– منع التعدد.
– التعليم والعمل حق للمرأة لا يحق للزوج سلبه منها.
وكما يقع اليوم، ووجهت هذه العريضة برد فعل عنيف من طرف الإتجاه المحافظ ، بل إن قلة، اعتبرت أن كل موقع عليها « مساهما في جريمة الردة».
لكن المرحوم الملك الحسن الثاني أخد المبادرة وأعلن في خطاب 29 شتنبر 1992، أن قضية المرأة هي قضيته الأولى وسيتولى الدفاع عنها بنفسه، وهكذا أسس لجنة علمية درست الملف المطلبي الذي تقدمت به جمعيات نسائية وأحزاب سياسية، وجاءت أعمالها على شكل تعديلات لبعض الفصول صدرت بمقتضى ظهير ملكي بتاريخ 10 شتنبر 1993.
من المؤكد أن تعديلات 1993 كانت جزئية ، ولم ترض الجمعيات النسائية ، الشيء الذي جعلها تواصل المطالبة بتغيير بنود المدونة لرفع الحيف عن المرأة ولاقرار المساواة في الحقوق مع الرجل .
هذه الآمال في الإنصاف حملتها حكومة التناوب التي تشكلت سنة 1998، والتي نصت في برنامجها على ضرورة « القيام بإصلاح تدريجي للمدونة في نطاق احترام قيم ديننا الإسلامي الحنيف» .
وتنفيذا لذلك قامت كتابة الدولة المكلفة بالرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة بتحضير الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، التي تضمنت اقتراح تغيير بعض بنود مدونة الأحوال الشخصية، حيث تم إعداد الخطة بشراكة مع فعاليات مهتمة بقضايا المرأة والأسرة .
اعتبر مشروع الخطة في الجانب القانوني أن مدونة الأحوال الشخصية الصادرة سنتي 1957 -1958 تعد عائقا يحول دون مشاركة المرأة في التنمية، يكرس الدونية ويعدم مسؤولية المرأة في عقد الزواج، ومن هنا جاءت المقترحات المتعلقة بالولاية والتطليق والحضانة والتعدد وتوزيع الممتلكات بين الزوجين بعد الطلاق.
ومن جديد تحركت آلة التكفير ، وأصبح موضوع الخطة موضوع مواجهة بين الاتجاه المحافظ والاتجاه الحداثي تجسد من خلال تظاهرتين ليوم 12 مارس 2000، تظاهرة الرباط المساندة للخطة ، ومسيرة الدارالبيضاء الرافضة لها.
جمد المشروع لمدة، إلى أن قام الملك محمد السادس يوم 27 أبريل 2001 بتعيين اللجنة الاستشارية الملكية لإصلاح المدونة من مشارب متعددة ضمنت الجانب الفقهي والقضائي والعلمي والنسوي، ورغم التعثرات والخلافات بين مكوناتها ، فإن اللجنة بفضل التوجيه الملكي والظروف التي نشأت إثر أحداث 6 ماي 2003 الإرهابية استطاعت أن تخرج مشروع مدونة الأسرة للوجود.
ولأول مرة في تاريخ المغرب أمر الملك بعرض مشروع مدونة الأسرة على البرلمان ، ليصبح التشريع في هذا المجال يدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية ، بعد أن تمت كل الإصلاحات السابقة للمدونة من طرف الملك بصفته أمير المؤمنين.
ذكرت بكل هذا السياق التاريخي لأصل لثلاث خلاصات أساسية في هذا المجال .
الأولى : اتذكر إبان التحضير لخطة إدماج المرأة في التنمية ، أنني التقيت بالسيد سعيد السعدي في نهاية سنة 1999 واثناء الحديث عن أجواء التحضير ذكرته بخطاب المرحوم الملك الحسن الثاني بتاريخ 29 شتنبر 1992 الذي أكد فيه أن موضوع الأحوال الشخصية هو موضوع يخص الملك .
وما أثارني فيما بعد ، وبعد إقرار مدونة الأسرة ، جواب عبد الكريم الخطيب حينما سئل عن تفسير التناقض مابين معارضة الخطة سنة 2000 ومابين الموافقة على مدونة الأسرة سنة 2004، فكان جوابه أن سبب معارضة الخطة يكمن في وجوب ارجاع ملف الأحوال الشخصية بين يدي الملك .
الثانية : إن من يكفرون السيد سعيد السعدي يجهلون أن هذا المناضل والمثقف اليساري هو إبن للمرحوم محمد السعدي، الذي كان عدلا بالحبوس بالدارالبيضاء وكان فقيها متظلعا في العلوم الدينية وخريجا للقرويين ومحدثا في الجامع المحمدي ومولاي يوسف بالدارالبيضاء ومن إتباع الزواية التيجانية ، وهو داعية إسلامي بعموم إفريقيا الغربية من السنغال وساحل العاج وغانا وغينيا، وعلى يديه تتلمذ السيد سعيد السعدي، حيث تربى وتشبع بهدي الاسلام المتفتح والمتنور وتعلم احترام المرأة ووجوب تعليمها والنهوض بأوضاعها إسوة بالمثال التحرري الذي بادر إليه المرحوم الملك محمد الخامس في تعليم بناته الأميرات وفي إبرازهن في الحياة العامة والرسمية، ليكونوا مثالا للمغرب الجديد.
الثالثة : إن التاريخ سوف لن يذكر مظاهرة 12 مارس 2000 المناهضة للخطة ، بل سيتذكر أساسا مدونة الأسرة لسنة 2004 التي أكدت التوجه الحداثي الديمقراطي للمغرب، استنادا لمقاصد الاسلام السمحة التي تكرس مبادئ تكريم الإنسان والعدل والمساواة، برفع الحيف عن النساء وبوضع مدونة عصرية للأسرة .
كلنا يعلم، كيف أن المغرب بدأ يسوق صورته للخارج، كبلد للانفتاح والتقدم والحداثة من خلال إبراز مضمون التعديلات التي تضمنتها مدونة الأسرة والحقوق الجديدة التي أحرزتها المرأة من خلالها والمتمثلة أساسا في تمتيع المرأة بحق إبرام عقد الزواج دون ولي، إسناد الطلاق للقضاء، تقييد تعدد الزوجات، رفع سن زواج الفتاة إلى 18 سنة،إمكانية اقتسام الثروة المكتسبة خلال الحياة الزوجية.

3) هل يجب فتح أوراش للاصلاح

هل لا يجب اليوم، كما قيل ، فتح أوراش الإصلاح الديني في بيئة فقيرة ماديا وفكريا وسياسيا؟
يتعين في البدء التوضيح أن الاتحاد الاشتراكي لم يفتح نهائيا ورش الإصلاح الديني.
إننا بصدد فتح ملف اجتماعي فقط، يؤرق ملايين الأسر المغربية .
كل من يشتغل في مجال القضاء يعاين أن العائلات المغربية تعاني كثيرا من مقتضيات الإرث ومن النزاعات العديدة الناجمة عنها، والتي نتجت عنها في كثير من الأحيان صراعات حادة ودموية أحيانا.
لازالت النزعة الذكورية والرغبة في إقصاء الإناث من الإرث تهمين على ثقافة العديد من الأسر.
وهناك الخوف الذي تعانيه الأسر التي تنجب الإناث دون الذكور من تدخل العصبة في الإرث، فإن كان لذلك من مبرر إثناء العائلة الممتدة التقليدية السابقة، فإنه اليوم أصبح مشكلا حقيقيا في وضع العائلة الفردية، التي لا تربطها أية علاقة مع العصبة، وهناك العديد الذين يلتجئون لحيل قانونية لمنع تدخل العصبة في الإرث، بل إن المحاكم تعج بنزاعات بسبب ظهور العصبة مطالبين بحقوق يزعمونها على التركة.
إن الاتحاد يدعو لحوار جاد حقيقي حول هذه المعضلات التي يتخبط فيها المجتمع، والتي تستدعي ايجاد الحلول الملائمة لحلها بما يحافظ على مصالح الأسرة المغربية وتوازنها وترابطها.
من قال لكم السادة أننا نستبعد دور فقهائنا وعلمائنا الإجلاء لمناقشة هذا الورش الإصلاحي، إننا لا نستبعد أحدا ، وخاصة الجهات الأصيلة في هذا الحوار من فقهاء وعلماء اجتماع واقتصاد ومن ممثلي الهيئات النسائية صاحبة المصلحة الأولى في هذه المعضلات المتعلقة بالإرث والتعدد والعنف وتزويج القاصرات .
هل دافعنا « محاولة جر العدالة والتنمية إلى صراع إيديولوجي « أم الخوض في قضايا تمس مصالح الناس وتستدعي إجراء إصلاحات عاجلة لحل قضايا تشكل عبئا على المجتمع ولا تحقق العدل والإنصاف والمساواة بين مكوناته وخاصة الضعيفة منها المتمثلة في المرأة .
إن الاتحاد الاشتراكي كحزب وقطاعه النسائي، من موقعهما الحداثي الديمقراطي ، وشعورا منهما بما تعانيه المرأة من اضطهاد وغبن ، ولما يمليه عليهما واجبهما في الدفاع عن القضايا العادلة للمجتمع، يضطلعان بدورهما في فتح أوراش الإصلاح الاجتماعي، استلهاما منهما للمقولة التي تربط» دمقرطة الدولة بدمقرطة المجتمع«.
هاجسنا أيها السادة المحترمين ليس ممارسة السياسة السياسوية باصطناع الحروب الإيديولوجية. هاجسنا الأول الذي يحركنا في سلوكنا وخطابنا هو خلق شروط بناء المجتمع الحداثي الديمقراطي، بتثقيف وتكوين وتأطير المواطنة والمواطن الذي يبدأ التغيير من نفسه .
عناصر التخلف التي عانينا منها في الدولة تجد أساسها من تأخر المجتمع ومن الثقافة التي كانت مهيمنة فيه.
وكيف لنا أن نساهم في أصلاح الدولة وتسريع عجلة التقدم الاقتصادي إذا لم نقم بإعداد المواطنين نساء ورجالا المتشبعين بثقافة المساواة ، والمتخلصين من قيود الحيف والغبن.
من هذه الأسس يمكن ان نبني الأسرة العصرية، الخلية الأساس للتقدم والحداثة والديمقراطية.
هذه هي مهامنا الأساسية التي تحركنا، والتي نعتبر ان تحقيقها شاق وطويل، ولا بديل لنا سوى باعتماد الحوار وبالاستناد لصبر أيوب وبكسب تأييد أوسع المواطنين.
ولتعلموا أيها السادة مجددا ، أننا أعلنا جهارا ومراث عديدة ومن طرف قادتنا ومفكرينا أن الإسلام في جوهره تعبير عن العمق الشعبي المناهض والمقاوم لكل مظاهر الظلم والعسف يستهدف الإنصاف في الحياة السياسية وفي المعاملات الاقتصادية وكذا في الظواهر الاجتماعية .
إننا تلامذة المدرسة السلفية المتنورة من محمد عبده إلى علال الفاسي، التي كانت دعوة لإصلاح كل مناحي حياة المسلمين وانحازت لصف التطور والتحرر ضد التحجر والجمود وجاءت استجابة لصدمة الاستعمار وتحديات النهضة الصناعية والعلمية الحديثة .
إن الحكمة ضالة المؤمن يأخذ بها كلما استدعاها تطور الأشياء، فأينما وجدت المصلحة المشروعة للناس فتم شرع لله.
وختاما ادعوا بنزاهة كل الدين ناصبوا العداء لخطاب الأخ إدريس لشكر، أن يعيدوا قراءته، إنه أحسن دفاع عن معاناة المرأة المغربية، إنه دعوة للحوار، فهل الحوار حرام.

1/18/2014