دُعَاة القَتل، المُلَثمُون وَرَاء الدِين

النقيب عبد الرحيم الجامعي


وصَل المُكفرون للكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وتَهجمُوا من جديد وبِلغة التطَرف، على شَخصِية سياسية تَتقَلد مَسؤولية بعُمقها الدستوري أمام الرأي العَام، وغدا سَيصلون وهُم على متْن قَواربَ مُدججة بالحِقد إلى كل واحد من المواطنين، أو من المثقفين أو المُفَكرين، أو من وزراء في الحكومة، أو حتى من ملك المغرب أو أفراد أسرته، فلا مانع يمنعهم من ذلك، لأن الجميع يتَساوى في عيون المتطرفين التي لا ترى إلا الدم،  ماداموا مُلثمين وراء معتقداتهم التي تتعارض مطلقا مع احترام الرأي الآخر، والقبول بالاختلاف، والاحتكام للحوار، ومع الإيمان بقواعد قانون حقوق الإنسان، ونظام الحياة المدنية التي تتعايشً في ظلها المُعتَقَدات والديانات وكل معاني التسامح الذي تعبر عنه جملة قصيرة والتي تقول «لكم دينكم ولي دين» ، وسوف يستمرون في دعواتهم وسوف يَصِلون لمن أرادت عبقريتهم الدينية أن تُهَودَه أو تُنَصرَه كما تزخر به سجلات تاريخهم من البحر إلى البحر.
لقد استعمل المُكفرون الدِين من المشرق إلى المغرب، كما استعمل المخزن سابقا بالمغرب شعار المؤامرة والخيانة في حق المعارضين، حتى يسْتبـيـحُوا الحق في الحياة والحق في الحرية على مدى عقود، فقتلوا بسلاح التكفير  عمر بنجلون، وقتلوا فرج فودة  بعد أن رموه بالإلحاد، كفروا سعيد لكحل وقبله حكيمة الشاوي وكفروا شِعرها ومَشاعرها وقَلم إبداعها،  تَهجموا على احمد عصيد، أسقطوا عن العلمانيين أردية الإلحاد والزندقة وأشعلوها نارا موقدة لإحراق جَثَـامينهم حَية قبل مَماتها، كفروا حيدر حيدر، ونصر حمد أبو زيد، وصاحب أبناء حارتنا نجيب محفوظ وعَددهم في مِصر كثــير، حاكموا في الكويت ليلى النجار وليلى عثمان بِتـُهَم  الكتابة والابداع، اتهموا لحبيب لخضر من الجزائر، ومارسيل خليفة من لبنان لما غَنى للراحل محمود درويش مرددا بحنجرة اللحن آيات من القرآن… وقتلوا شكري بلعيد ومحمد ابراهمي قبل أشهر في تونس…. ولازالت شهواتهم تلتهم وتقول هل من مزيد.
هذه هي المَلاحم التي خَاضتـها عبقريات التكفيريين الذين فَوضُوا لأهوائهم بدون تفويض من أحد، سُلطة اختيار المُسلِم والكَافر، والمُلحد والمؤمن، والسوِي والمُنحَرف، ومن يدخل الجَنة ومن يُرمَى جَهنم، ومن يُقــتَل ومن يُحرق ومن يُعَصب، وهكذا وصلوا بخطابهم هذا لمَطافِهم الأخير / والأول في مطلع السنة، وهو تَكفير شخصية سياسية وهو الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، حيث تم تجريده من ردائه الإنساني وقناعاته الفكرية، ليدخلوه مُصَفدا دار الكفر، مهددا في حياته ووجوده…..، فهذا وَرَبي هو الإرهاب وهذه هي الفاشية بكل علاماتها.
أيها التكفيريون المُلثمون وراء عَباءات دينية، ثقوا بأن الديمقراطيين والحَداثيين والعِلمانيين ومن ينتسبون لعالم الإنسانية، مُسَالمون ومُتسامحون، إنهم يَعتــرفون ويحترمون حَقكم عَرض آرائكُم حتى إذا كانت لا تؤمن إلا بالظلام وإلا بِجَهالة العَصر، فلكم الحَق في أن تُشككوا إن طاب لكم  في كل شيء، في الديمقراطية  وفي الحريات العامة والفردية، ولكم أن تُـعارضوا لو شِئتُم  ثقافة التعددية السياسية والحزبية، وفي أن لا ترسموا صورا لجمال الطبيعة وجمال الإنسان، و في ألا تُشاهدوا أفلاما، وفي ألا تـَلِجُوا قاعات السينما  ومسارح الفن والرقص، ولكم أن تُعْلنُوا عَداواتكم  للمسَاواة بين الجنسين، ولكم حق الإضراب عن شُربِ وأكْلِ   الشهوات وحضور الموائد والحفلات، ولكم حق قراءة البردة والهمزية والأمداح وزيارة المقابر والأضرحة، ولكم حق ارتداء ما يليق بأذواقهم، ولكم حق قيام الليل والنهار وإقامة الصلوات  وأدائها بطريقة أئِـمتِكم  وتلاوة القرآن وتَرتيل سُوره باللحن أو بالاسترسال،  بالكتمان أو بالصوت العالي ناموا على أي جَنب يُريحكم…… لكن الديمقراطيين والحداثيين والعلمانيين وعامة المواطنين يقولون لكم تبولوا في أي مرحاض تشتهون ولكن لا تدنسوا بفتاويكم أفكار الناس وذكاء الناس، فلا حَق لكم أبـدا في  المس بحريات الآخرين  أو الاعتداء على قناعات الأخرين أو معتقداتهم أو انتماءاتهم أو تصوراتهم أو اجتهاداتهم، وكلهم يرفضون رفضا مُطلقا أن  تُؤدبُــوا وتُجَـرمُوا وتُحَـاكِموا غيركم  بقانونِكم/ قانون القتل، وفي مَحاكِمِكم مَحاكم التفتيش والتكفير.
نعم، يحق لنا كبشر ننتمي للإنسانية ولعصر حقوق الانسان، أن نرفض  حل مشاكل المجتمع بواسطة  خيار الدين  والمعتقد والتطرف، ويحق لنا أن  نرفض  منطق الملثمين وراء الدين، ويحق لنا أن ندافع  عن حياتنا  الخاصة  ضد الخطر الذي يستهدف حقوقنا المدنية والسياسية والفكرية، وأن ندافع عن حياتنا الجماعية حتى  يَعُم التعايش ويسود الأمْن الانساني، وحتى لا يعتدي الإنسان على  أخته  أو أخيه الانسان، فليس هناك مُقدس مَفروض من هذا على الآخر في المجتمعات المتحضرة التي اختارت قَواعِد الديمقراطية والقانون لتنظيم السلوك المجتمعي والعلاقات بين كل أفرداه.
فلا مَكان للباباوات أو القَسَــاوسة أو الأئمــة إلا بالكنائس وبالمسَاجد والزوايا، ولا خَلط بين السياسة والدين فالمَزج مُر وبدون ذَوق، ومن هنا لا غَرابة في ما اختارته العديد من الشعوب لما قررت اعْتبار اللائــكية فَــتْحا مُجتمعيا ومَسارا لتـَـجنب الاقتـِـتال والفِتَـن  وحرب البسوس والغبراء.
إن المغرب لن يكون إلا المغرب، وإننا كمواطنين لا نُريد مَغربا إيرانيا ولا سَعوديا ولا قاعَديا ولا أمريكيا، ولا روسيا ولا صوماليا، لا نريد مغرب آيات الله ولا أمَراء الجِهاد، ولا نريد مغرب المُنتـــقمين والمُكفرين والمتطرفين وحملة الحقد العرقي أو المذهبي أو العقائدي، إننا نريد مغربــا بنكهتــه التعددية، مغربا بكل الألوان يتسع لكل الأطياف، ومجتمعا يسْمو بالاشتراكي وباليسَاري والماركسي واليمــينيً واللامنتمي وباللائكي وبالإسلامي المؤمن بالديمقراطية والحرية، ونريد صِراعا مدنيا، متحضرا واضحا وشفافا بيننا بدون دِماء ولا جُثث ولا قِتال ولا تكفير، نريد  مُنافسة  سلمية  واضحة الوسائل والاهداف والأسلحة  تــعبر عن عبقرية أخرى غير تلك التي يَحلمُ بها التطرف كيفما كانت مدارسه، نريد أن نرى بناتنا ونساءنا يُمارسن قناعتهن  وحُريتهن في الحياة وفي  اللباس وفي المساواة وفي الكرامة، لا يَنعــتُهُن احَد بالقاصرات أو بالمحجورات أو بالناقصات عقل، أو ينعتهن بالعَـــوْرَات الصالحات للفراش والإنجاب وليس إلا، نريد أن يعيش شَبابنا التجارب ويتحمل المسؤوليات بحيوية بثقافة العصر، يستلهم من التجارب الكونية المُتـنـَـورة ومن التراث الإنساني العالمي ما يحقق له الانتقال للمستقبل…
أيها التكفيريون، يا قياصِرة العصر، لا تَختاروا لنا مَصيرنا، لا تختاروا لنا طريق الجَنة والنار، واعلموا أن الإفتاء بالتصفية والقتل بسبب الانتماء والرأي والعقيدة والوظيفة ولأي سبب كان، بضاعة من مَعامل التطرف، وهي بكل بساطة دعوة لارتكاب جرائم ضد الإنسانية، سواء جاءت من إسلاموي أو كاثوليكي أو بُوذي أو صهيون أو لوبِيــــنِي، وافهموا أن في الأرض متسعا للجميع، وفي الأرض مُتسعا للسعادة ونحن هنا ثابتون ،كما يعلمنا الشاعر محمود درويش في قصيدته، خُطب الدكتاتور المَوزونة.

20 يناير 2014.. عن جريدة الاتحاد الاشتراكي