الطائفية بين فطرة الدين وانتهازية السياسة

إذا كنا نحمل السياسة والأطماع المسؤولية على واقع الصراع الطائفي، فإننا نحمل العبء الأكبر للعلماء الذين تركوا للمتطرفين المجال للنيل من الآخر.

 

عن صحيفة العرب د. عيسى الغيث [نُشر في 22/01/2014، العدد: 9446،

الاختلاف الطائفي كان على مدى قرون في غالبه بعيداً عن التصعيد والتحارب، ولكن ما إن تدخل السياسة أو المطامع حتى تذكي هذا الاختلاف لمصالح دنيوية، ليكون الجميع هنا وهناك حطب تدفئة لتلك السياسات الماكرة، التي ليست بالضرورة سياسات داخلية أو وطنية أو قومية أو حتى دينية، وإنما هي بدوافع استعمارية خارجية عرفت كيف تفرق من أجل أن تتسيد.

قد تكون السياسة هي المولّدة للطوائف فضلاً عن الطائفية، كما أنها الأقدر على تحجيمها وكذلك تضخيمها، وإن كان العنصر الديني هو الظاهر، إلا أن العنصر السياسي هو الباطن المحرك بدهاء لتلك الطائفيات، ولهذا نرى اليوم كيف يستغل العدو الخارجي قبل الداخلي الإثنيات للاستعمار والابتزاز وإشغال الجميع عن المطامع، وإن كانت السياسة عبر التمييز الطائفي بين المواطنين في بعض البلاد العربية هي المشجعة للصراع، إلا أن الخطاب الديني وتعبئته الطائفية عبر الشحن في نقاط الخلاف والاستحضار الدائم للتاريخ هو الأخطر والأعمق.

إن الاستغلال الطائفي لبعض القوى الإقليمية لاسيما “إيران” لأهداف توسعية ومطامع قومية لا دينية في الحقيقة هو المثير للشفقة من أولئك الهائمين بتلك الجهات التي دللت الوقائع التاريخية وحتى المشهد الحاضر النية الحقيقية لتلك التصرفات، وفي الوقت نفسه نجد تصاعد وتيرة الخطاب الطائفي عبر العنصر الديني بفتاوى تكفيرية وخطب متطرفة تدفع البقية إلى الابتعاد المعنوي وبلا وعي نحو الآخر على حساب اللحمة الوطنية والمصلحة المشتركة.

إن واجبنا الشرعي يكمن في تفكيك المفخخات التي صنعتها جميع الأطراف، وأذكاها متطرفوها بسبب وبدون سبب، حتى بتنا نعيش في ردود الأفعال هنا وهناك، دون مراعاة للسنن الكونية والأحكام الشرعية تجاه هذه الخلافات، ولا يعني هذا الوحدة العقدية لكونها متعذرة وإنما الوحدة الحياتية والتعاون على البر والتقوى، والتقارب في المشتركات ومراعاة الطرف الآخر في المختلفات، والاتحاد ما أمكن على المصالح المشتركة، ولن يتحقق ذلك بيد الجاهل ولا الغلاة من جميع الأطراف، وإنما عبر العقلاء المعتدلين الذين لا يؤثرون سلامتهم الشخصية على حساب المصلحة العامة، ولا يقدمون التناغم مع المشاعر الطائفية العارمة بين وقت وآخر لظروف طارئة عند الغوغاء والداهمة على حساب الحق.

إن المصلحة المشتركة للجميع بأن يتحدوا ولو كانوا مختلفين، وما حصل في أوطاننا العربية خلال هذا العقد من الزمان أكبر دليل على خطورة هذه الشحنات الطائفية على الدين والدنيا والآخرة، ولابد من تعاون الوسطيين المعتدلين في جميع الطوائف على الالتقاء والتقارب ومزيد التعايش، على أن يكون بثقة ونية صادقة، ودون أن يتساوق مع المشاغبين المتطرفين في الطرفين.

هناك الإثنيات القومية والقبلية والإقليمية وحتى دقائق الاختلافات الكونية والواقعية في ميدان الحياة وإلى بلوغ الاختلاف في الذوقيات، وما نعيشه هذه الأيام من منافسات رياضية عالمية يعطينا النموذج الدنيوي كدليل على الاختلافات التي لا يلزم بالضرورة كونها من منشأ ديني، ولهذا نجد المحاولات الخارجية في مزيد إثارة الفتن الطائفية لمصالحها الخاصة على حساب جميع الأطراف، ولكن في الوقت ذاته يجب ألا نبرئ أنفسنا من المشاركة في إنجاح تلك الإثارات، فليس من العقل والحكمة أن نرمي بأخطائنا على غيرنا حتى لا تستمر معاناتنا.

وإذا كان وراء كل استعمار شعب قابل للاستعمار، ووراء كل استعباد مجتمع قابل للاستعباد، ووراء كل استبداد بيئة قابلة للاستبداد، فإن وراء كل صراع طائفي طوائف قابلة للصراع عبر ما يغذيه البعض هنا وهناك في الطرفين من تعبئة قابلة للانفجار في أي لحظة، مع أنه لا ديننا الحقيقي يقبل بذلك ولا دنيانا الواقعية تسمح به، ولكننا نخطئ حتى درجة الخطيئة حينما نترك للمتطرفين في الطرفين تصدر القيادة والتغذية الروحية والشحن العاطفي ضد الجميع.

ومما لاحظته، كان التبرير لكثير من الأخطاء بأخطاء أخرى أكبر منها، فتسمع من هذا الطرف أن الآخر ولاؤه لآخر، مخوّناً له ودافعا للكثيرين إلى مزيد من الاحتضان الوجداني قبل الفعلي للآخر ليفرح به عبر فرحه بتلك التخوينات التي تقرب الأول له وتبعده عن أخيه بمثل هذه التصريحات الهوجاء والتصرفات الحمقاء، في حين نجد أن الآخر يبرر لشحنه اليوم عبر ما يستحضره من تراثيات غابرة لا تسمن ولا تغني من جوع، ويغذيها وبشكل مستمر عبر المواسم المتوالية التي تبعد الآخر عن الأول وتحمله أوهاماً لا حقيقة لها وحتى لو كانت ثابتة فلا تزر وازرة وزر أخرى، وأخطر منها في نظري تحميل الشعوب خطايا السياسات، وبالتالي يوقع في أشد مما اشتكي منه.

إن الانسداد السياسي لا يتحمله سوى السياسي، ولا يجوز تحميل الأفراد فضلاً عن المجتمع بأسره تلك التصرفات، ومن ذلك مثلا عدم جواز تحميل طائفة تصرفات أحد أفرادها حينما يكون في قمة الهرم السياسي، وإلا فلن يستقيم لنا عدل ولا يتساوى بيننا ميزان، وها هو العراق أكبر شاهد على هذه الأفعال وردودها التي لم ولن تنتهي قريبا للأسف. إنه من المتناقضات أن نجيز لأنفسنا التعامل مع كل مختلف وحتى مخالف لنا، سواء في الدين أو السياسة أو غيرهما، ثم لا نجد من يقيسه في سبيل التعايش الدنيوي إن لم يجد بزعمه أي باب للتعايش الديني بين جميع الأطراف. إن السياسة والمطامع الدنيوية هي السبب الرئيسي الذي شارك في التلقيح وبارك الولادة ورعى الحضانة ووظف الفتى الطائفي لمصالحه القومية والمادية على حساب الدماء والأفئدة، وإن كان الآخر عنا جميعاً لا يريد بنا أي خير، فليس من الدين ولا السياسة ولا العقل أن نعطيه طلبه على طبق من ذهب.

إن الوطنية والمواطنة وحب الوطن جبلة بشرية وفطرة إنسانية أصلها ثابت وفرعها في السماء يطول وينمو بقدر ما يناله من حقوقه، ولكنه في الوقت نفسه لا يجوز أن يقصر في الواجبات بدعوى انتقاص الحقوق، وليس من المصلحة ولا الوطنية وحتى الدين أن تعبأ الجموع على خلاف ذلك ويصبح العقل اللاواعي هو الذي يقود الأبصار والبصائر نحو مزيد التفرقة والتباعد.

إن النية الطيبة والقصد الكريم والهدف السامي والممارسة الحسنة هم الذين يكفلون التعايش بين الأخ وأخيه في ظل وطن واحد، ولو اختلفا فيما يعتقدانه، فالدنيا حق مشترك وفي الآخرة لن يظلم أحد عند رب العالمين.

إذا كنا نحمل السياسة والأطماع المسؤولية على واقع الصراع الطائفي في كثير من البلاد العربية، فإننا نحمل العبء الأكبر لمن لم يريدوا الدنيا من العلماء في الجانبين، والذين تركوا للمتطرفين المجال للنيل من الآخر بدينه ودنياه وحتى حقوقه الإنسانية، ومع جميع ذلك فإننا نتفاءل خيراً بمستقبل جميل تملؤه الأخوة والمواطنة، ولو حصل الاختلاف الذي يجب ألا يكون خلافاً تحت أي ظرف من الظروف، وتحياتي الخالصة لكل المعتدلين في جميع الطوائف.