“سؤال الهويّة”

 

الأربعاء 22 كانون الثاني (يناير) 2014

 

 

من نحن؟

شرطان لازمان لنجيب عن هذا السؤال. الإعتراف بتعدد هويّاتنا – الفرديّة والجمعيّة على حد سواء. و الفصل بين مستويات الهويّة، و تحديد المجال الذي يدور فيه السؤال والجواب في آن معاً.

يفترض هذا المقال أن الشعوب العربيّة والإسلاميّة لم تحسم بعد هويتها السياسيّة حتى هذه اللحظة، رغم كل الحقب التي مرت بها “الدولة العربيّة”، وكل التجارب التاريخيّة التي عاشتها شعوب المنطقة، التي تبدو فيها الدوّلة – الأمّة الغائب الوحيد.

والملاحَظ هنا أن كل المحاولات التي هدفت للإجابة عن هذا السؤال منذ بداية القرن العشرين – بداية وصول مفهوم الدوّلة بمعناه الحديث إلى المنطقة – ترافق بخلط يبدو حجر العثرة الأساسي في استعصاء الوصول إلى النتيجة المرجوة. الخلط بين الهويّة السياسيّة في ظل الدوّلة أو الدوّلة القوميّة أو الأمّة (Nation) بوصفها الممثل السياسيّ للعقد الإجتماعيّ بين المواطنين، والحاضن للهويّة السياسيّة والوطنيّة للشعب. وبين الهوية الثقافيّة أو الحضاريّة التي تدور في فلكها هذه الدولة أو تلك الجماعة من جهة أخرى.

ولا يقتصر هذا الخلط المزعوم هنا على تيار معين، بل يكاد يكون ذهنية عامة ترفض مقولة الدوّلة الأمّة “دولة الواقع” المؤسسة على مقولات، الشعب، المواطنة، والعقد الإجتماعي المبني على التنوع والأختلاف والآخر. لصالح “دولة الوهم” المؤسسة على مقولات، العرق، أوالدين، أو اللغة، أو الطائفة، أو الأيدولوجية.

فوهم العروبة السياسيّة أجّل قيام الدولة لصالح إستبداد الأنظمة الأمنيّة من جهة، وأحط من العروبة في الوجدان العام من جهة أخرى. وأيضاً، وعلى نفس النهج يسير وهم الدولة الإسلاميّة الناشىء اليوم، الذي سيفتح أبواب الصراعات المذهبيّة والطائفية على مصارعها، وسيقود بالضرورة إلى إما دويلات طائفيّة، أو مجتمعات منقسمة على ذاتها تتصارع خارج عجلة التاريخ والتطور. بحيث تتميز كلا النظريتين بنفس المبدأ المتعالي عن الواقع، الذي لا يميّز بين الهويّة السياسيّة، وفلكها الحضاريّ.

إذا “نحن” السياسيّة تختلف كل الإختلاف عن ال “نحن” الحضاريّة. حيث تمثل الأخيرة تلك الفضاءات العامّة التي يلعب فيها الدين، واللغة، والعرق، وأسلوب الحياة، ونمط التفكير، وغيرها من القضايا أدوراً أساسيّة في رسم ملامحها العامّة. كما يجوز لها أن تحتضن أكثر من شعب ودولة. في حين أن الأولى تتحدد في إطار الدولة الأمّة، التي تحتكر العنف في ظل القانون، و تدير شؤون مواطنيها، وتضبط الأمن.

كما أن الهويّة الحضاريّة – الثقافيّة ليس لها حدود حاسمة، ولا تتميز بحدود جغرافيّة لأنها ليست كياناً سياسياً. فهي لا تحفظ النظام، ولاتقيم العدل، ولاتجمع الضرائب، ولا تخوض الحروب. بينما توكل إلى الدولة – ممثل الهويّة السياسيّة – كل هذه المهمات. والتمييز هنا يمثل الخطوة الأولى لفك الإشتباك المسخ بين هوياتنا، وإجراء مصالحة تاريخيّة مع ماضينا وتراثنا جنباً إلى جنب مع الإنفتاح على المحرز الإنسانيّ في العلم، والفكر، والتجربة الإنسانيّة.

عقبة أخرى نراها لاتقل أهميّة عن حالة عدم التمييز سابقة الذكر، وهي جمود مفهوم الهويّة، والتعامل معها على أنها معطى ثابت، تكوّن في مكان ما، ووقف عند زمان ما، ومهمة الحفاظ عليها تكمن في الإبقاء على ( طهارتها ) من النتاج الفكريّ والعلميّ ،وعدم (تلويثها ) بمنجزات البشر، والتجربة الإنسانيّة. بما ينفي عنها مبدأ التغيير والتحول والتجدد والتطور، التي تمنح الهويّة – كل هويّة- الحياة في السيرورة التاريخيّة كهويّة ولّادة ومتجددة.

هنا لا نفسر كل الحالات والتشعبات التي تحيط بمراحل التحول السياسي التي تمر بها المنطقة، ولا النظر من عين واحدة، بل تسليط الضوء على مسألة الهويّة بكونها قضية مركزية، وخاصة مع رياح الربيع العربي التي فتحت الإمكانات للإنتقال بنا إلى الدوّلة – الأمّة، في ظل نظام ديمقراطيّ يحقق الرفاه الاجتماعي. ونقول إمكانات لأن احتمالات ذلك ستتناسب طرداً مع وعينا للتمييز بين هوياتنا كشرط أولي لرسم هويّة سياسيّة وطنيّة واضحة المعالم، في ظل دولة جميع المواطنين، تكون إطاراً وضامناً للحرية والكرامة المنشودتين.

إن الإجابة عن سؤال ال “من نحن” ستتحول إلى الحد الفاصل بين مرحلة انتقالية منتجة، و أكثر أستقراراً، تقطع مع الإستبداد. أو بين مزيد من الضياع والغياب والعنف، وتأسيساً لحروب اجتماعية طويلة الأمد، متعددة المستويات. وإن أضعنا هذه الفرصة التاريخيّة، سيتحول هذا الربيع – بعد أن مر في صيف دموي في بعض محطاته – إلى شتاء جديد من التخلف والاستبداد.

عن موقع صحيفة الاوان