التونسيون يوقفون زحف الدكتاتورية الدينية بلا دماء

إقرار الدستور المدني وتشكيل الحكومة غير المتحزبة يسهّلان على تونس مقاومة اي محاولة لمواصلة المشروع النهضاوي نحو أسلمة الدولة.

 عن ميدل ايست أونلاين

27 يناير 2014.

تونس – بعد مصادقة المجلس التأسيسي على الدستور الجديد بأغلبية كاسحة وإعلان مهدي جمعة عن حكومة كفاءات غير متحزبة ستحل محل حكومة القيادي في حركة النهضة علي العريض يكون التونسيون قد نجحوا في القطع مع حكم الإسلاميين لينأوا ببلادهم عن ديكتاتورية دينية زاحفة قادت البلاد إلى أزمة خانقة كادت تهدد أسس الدولة في مجتمع يعتبر من أبرز المجتمعات العربية انفتاحا وليبرالية.

وتقول المعارضة العلمانية إن حركة النهضة تبدو اليوم “مهزومة” و”ذليلة” أكثر من أي وقت على الرغم من تصريحات قيادييها التي تحمل “نوعا من المكابرة” وتكرر خلالها أن الحركة “خرجت منتصرة” بعد أن “قدمت مصلحة البلاد” على مصلحتها الحزبية.

وترى المعارضة أنها خاضت “معارك شرسة” مع الحركة الإسلامية “العنيدة” وأنها نجحت في نهاية المطاف في “إنهاء حكمها لتونس” بعد أن صادق المجلس التأسيسي على الدستور الجديد وبعد أن غادرت الحركة الحكومة لتحل محلها حكومة كفاءات غير متحزبة وفق خارطة الطريق التي ترعاها أربع منظمات مدنية في مقدمتها الإتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية القوية.

وعلى الرغم من عنادها والضغوط التي مارستها النهضة داخل المجلس التأسيسي باعتبارها صاحبة الأغلبية إلا أنها فشلت في الدفع باتجاه دستور ديني يؤسس لدولة خلافة تنشدها شأنها شأن مختلف جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسهم الإخوان.

ونص الدستور الجديد في بنوده على “مدنية الدولة” و”حرية الضمير” و”تحجير التكفير” و”المساواة بين الجنسين” و”تحييد المساجد” وبالمقابل خلا من التنصيص على الشريعة كمصدر أساسي للتشريع وهي بنود أثارت غضب حركة النهضة وطالبت أكثر من مرة بمراجعتها.

لكن الكتل النيابية للمعارضة تمسكت بتلك البنود باعتبارها ركائز أساسية للدولة المدنية تقطع مع مفهوم الدولة الدينية مشددة على أن أي مساس بتلك البنود أو التراجع عنها يعكس سعي النهضة إلى دكتاتورية جديدة ستعيد التونسيين إلى القرون الوسطى.

وأمام انتفاض صقور النهضة الذين لا يترددون في القول إن الدستور الجديد تمت صياغته تحت “ابتزاز” المعارضة حتى أن الرئيس السابق للحركة الصادق شورو اعتبر أن الدستور “ولد ميتا”، اضطر راشد الغنوشي إلى التدخل ليلقي بثقله محاولا تهدئة القيادات التي ترى أن النهضة “خرجت مهزومة” وقدمت الكثير من التنازلات على حساب “مبادئها”.

وسربت مصادر مقربة من النهضة أن الغنوشي عقد خلال الأسبوع الماضي سلسلة من الاجتماعات وصفت بالماراثونية مع العديد من القيادات وحاول إقناعها بأن دقة المرحلة التي تمر بها الحركة “تفرض عليها تنازلات مرة” من أجل إنقاذها من الأزمة التي تتخبط فيها.

وقالت المصادر أن الغنوشي اعترف بأن اعتراضات الصقور على عدد من بنود الدستور وخاصة المتعلقة منها بمدنية الدولة هي “اعتراضات وجيهة من الناحية الشرعية ولا تنسجم مع الخلفية العقائدية للنهضة” غير أنه لفت إلى أن المصلحة الآنية تفترض تجاوز تلك الاعتراضات تقديرا للوضع العام بالبلاد وموقع النهضة من المشهد السياسي.

وشدد الغنوشي على أن قبول النهضة بالدستور الجديد الذي يتسم بمسحة “علمانية” فرضته “هشاشة” موقع الحركة التي فقدت الكثير من صدقيتها ومن شعبيتها حتى أن مقراتها أصبحت عرضة للحرق من قبل التونسيين المحتجين على سياسات الحكومة.

وفي محاولة لكسب تعاطف التونسيين اعتبر الغنوشي أن الدستور الجديد هو من أعظم الدساتير في العالم وأعظم دستور عرفه التاريخ في خطوة اعتبرتها المعارضة “نوعا من التقية” التي يمارسها الشيخ.

ويقول المراقبون إن هزيمة النهضة هي هزيمة مضاعفة بعد نجاح جمعة في تشكيل حكومة كفاءات مستقلة يفترض أن تحل محل حكومة العريض التي تحملها المعارضة مسؤولية الأزمة التي تتخبط فيها البلاد منذ أشهر.

غير أنهم يلاحظون أن النهضة نجحت في ممارسة ضغوط على جمعة من أجل أن تكون تركيبة الحكومة “قريبة منها” ويؤكدون أن الإبقاء على وزير الداخلي لطفي بن جدو في منصبه يعد مؤشرا على أن الحركة الإسلامية تريد أن تكون حكومة جمعة بواجهة مستقلة وخلفية نهضوية.

ويبدو أن جمعة المحسوب على حركة النهضة باعتباره كان أحد نشطائها في الجامعة أواسط الثمانينات من القرن الماضي سعى إلى “ترضية” النهضة و”كسب ودها” من خلال تطعيم فريقه الحكومي بأسماء رشحتها الحركة.

وعلى الرغم من تأكيد جمعة بأن الإبقاء على بن جدو في منصبه إنما يتنزل في إطار “استمرار العمل الأمني” نظرا لحساسيته وفي إطار “التحسن النسبي للأوضاع الأمنية في البلاد” فإن المعارضة العلمانية تشدد على أن بن جدو “أساء إدارة الملف الأمني وأنه جزء من حكومة العريض الفاشلة”.

وتحمل المعارضة بن جدو مسؤولية إستقواء الجماعات الجهادية وانتشار السلاح واستفحال العنف السياسي وكذلك اغتيال القيادي العلماني محمد البراهمي الذي اغتيل بالرصاص أمام بيته في 25 يوليو/تموز الماضي.

ويبدو أن الضغوط التي مارستها حركة النهضة على المعارضة وعلى مهدي جمعة حول تركيبة الحكومة لم تقدها إلا إلى “هزيمة” مضاعفة تضاف إلى هزيمتها في نجاح التأسيسي في الخروج بدستور يقول الخبراء في القانون الدستوري إنه “دستور مدني جاء بعكس ما كانت تخطط له النهضة”.

ونجح جمعة في استبعاد وزراء العريض، باستثناء بن جدو، وشكل حكومة كفاءات غير متحزبة ستقود البلاد حتى الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها قبل نهاية 2014.

ويعتبر التونسيون أن الحكومة الجديدة قطعت مع “ديكتاتورية” حكومة حركة النهضة التي سعت مند اكتوبر/تشرين الأول 2011 إلى تنفيذ مشروع لأسلمة الدولة والمجتمع وعمدت إلى زرع الآلاف من كوادرها في مختلف المؤسسات الحساسة تمهيدا للانتخابات.

وتطالب خارطة الطريق حكومة جمعة بإشاعة مناخ من الأمن والثقة والاطمئنان لدى المواطنين بما يمكن من إجراء انتخابات شفافة حرة.

كما تنص على حل ما يسمى بروابط حماية الثورة المعروفة بميليشيات حركة النهضة. وتقول المعارضة واتحاد الشغل ان هذه الروابط هي “ميليشيات إجرامية” ارتكبت جرائم في حق خصوم الحركة الإسلامية.

وتطالب الخارطة حكومة جمعة بـ”إيجاد آليات لتحييد الإدارة والمؤسسات التربوية والجامعية والفضاءات الثقافية ودور العبادة والنأي بها عن كل توظيف وعن السجالات السياسية والتجاذبات الحزبية وسن قوانين رادعة تحقق هذه الغايات”.

كما تطالب خارطة الطريق بـ”تشكيل هيئة عليا مهمتها مراجعة كل التعيينات في أجهزة الدولة والإدارة محليا وجهويا ومركزيا وعلى المستوى الدبلوماسي” باعتبارها تعيينات تمت على أساس الولاء للنهضة وليس على أساس الكفاءة والخبرة.

ويعلق التونسيون آمالا واسعة على حكومة جمعة في توفير التنمية للجهات المحرومة والشغل لآلاف العاطلين وكذلك في الاستقرار الأمني ووضع حد لنشاط الجماعات الجهادية.

غير أن المراقبين يشددون على أن حكومة جمعة ورثت تركة ثقيلة من حكومة النهضة وهو ما يجعل مهمتها صعبة مشيرين الى أن نجاحها يبقى رهن أدائها من جهة ورهن قدرتها على اتخاذ نفس المسافة من الفرقاء السياسيين من جهة أخرى.