أزمة أنظمة التقاعد ..وغياب رؤية شمولية للإصلاح

 بقلم رشيد طليمات

منذ أكثر من سنتين والمغاربة يعيشون ويتابعون «مسلسلا هيتشكوكيا»عنوانه إصلاح نظام التقاعد! مخرجة وبطلة هذا المسلسل حكومة في نسختين ،أتى بها ربيع مغربي محتشم محكوم بثوابت وتوازنات عصية , والمفروض طبعاأن يقترن مفهوم الإصلاح عند الناس بالخير والهناءوالكرامة والتنمية والشغل وتحسين ظروف العيش ,غير أنه في الزمن السياسي لحكومة الدستور الجديد أتخذ أبعادا مغايرة تماما حيث أصبح مرادفا للتفقير والتهميش وفرض الأمر الواقع والإجهاز على المكتسبات , من المؤكد أن المواطن المغربي يضع يده على قلبه كلما سمع بوزير يتحدث عن إصلاح قادم، حيث ترسخت لديه قناعة واضحة بأن ذلك الحديث لن يكون سوى مقدمة تمهد لغارة جديدة تستهدف ما تبقى حقوقه.
في إطار هذا النسق «الإصلاحي» تتسارع عقارب الساعة لتفجير قنبلة إصلاح أنظمة التقاعد ، من خلال سيناريو الثالوث المرعب : رفع السن القانوني للإحالة على التقاعد , رفع نسبة الانخراط ، وتقليص لنسبة المعاش… ودون أن ندخل في تفاصيل الحجاج التقني لهذا السيناريو المخيف لابد من إثارة مجموعة من الملاحظات والتي يتقاسمها الآلاف من المعنيين:
أولا: الخطاب الرسمي الحكومي يستعمل لغة واحدة: لغة الأزمة والإفلاس ويستفيض في رسم صورة قاتمة ومرعبة عن جفاف الصناديق والخطر الذي يهدد المنخرطين. هنا نتساءل هل هذه هي البداية الطبيعية والعادلة لخطاب يدعي أصحابه امتلاك الشجاعة والجرأة لاقتحام حقول ألغام عجز عن الاقتراب منها السابقون ؟ ، المواطن المغربي يريد أولا أن يشفي غليله في معرفة ما وقع بالضبط… لماذا وصل الصندوق المغربي للتقاعد إلى ما وصل إليه ؟ من يتحمل المسؤولية ؟ ما مصير الأموال المقتطعة من أجور الموظفين المنخرطين ؟ ما مصير الأموال المقتطعة من أجور المنخرطين ؟ ما حقيقة الاختلالات في التسيير والتدبير والمشاريع المفلسة ؟ أين مسؤولية من دبروا ؟ وما حقيقة ما يروج من حديث تقارير مختلفة عن نهب وتلاعب وفساد ؟ ألم يقل وزير «الحكامة» ، المعروف «بجرأته» بأنه آن الأوان لكي يعرف المغاربة حقائق أوضاعهم وما ينتظرهم من آلام وأوجاع كل إصلاح… فلماذا لا تكون هذه هي البداية : عرض حقيقة الأزمة بكل شفافية ومحاسبة المسؤولين المباشرين ، وهدم سقف «عفا الله عما سلف» !
إن الخطاب الحكومي الرسمي ، يستدعي النتائج ، ويتهرب من الأسباب ، وفي اعتماده على النتائج ، يلجأ إلى أسلوب التهويل والتضخيم من أجل فرض تصور مسبق للإصلاح ، وهذا ما يفسر تضارب الأرقام حتى بين أهل الدار !!
ثانيا: السيناريو الرهيب بأبعاده الثلاثية الحارقة ، يمثل فعلا قمة الظلم ، ويحمل في طياته انعكاسات حتمية سواء على المستوى المادي باعتباره حلقة أخرى من مسلسل القضاء على القدرة الشرائية للمواطن والعمل على تفقيره ، أو على مستوى المردودية العملية حيث سيؤدي بالتأكيد في الكثير من القطاعات إلى أشكال متعددة من الكسل والتراخي ، واللا مبالاة ، كرد فعل طبيعي لصدمة الثالوث الصاعق , فليتخيل المخططون لهذا الإصلاح كيف يمكن أن تكون على سبيل المثال نفسية الآلاف من الموظفين الذين لم تعد تفصلهم عن خط الوصول إلا خطوات ,إنهم يجدون أنفسهم مرغمين على البحث عن نفس جديد ، وبأفق مظلم وشروط مجحفة ؟ !
وهنا لا يمكن لأي موظف إلا أن يسجل استغرابه العميق ، ويتأمل في مفارقة مثيرة ، حين يشهد الزمن الرديء كيف أن وزير الاقتصاد والمالية الحالي هو الذي كان أحد أبرز المتحمسين والمنفذين للمغادرة الطوعية بكل تداعياتها السلبية الفاشلة حيث تحفيز ، وتشجيع وإغراء الموظف لترك عمله مقابل مبلغ مادي وتقاعد مريح ، هو الآن نفسه , بلغة أخرى ومنطق جاف وبارد يدعو الموظف لترك عمله مقابل مبلغ مادي وتقاعد مريح ،ويدعوه إلى أن يمدد عمله، وأن يرفع من مساهمته ، وأن يخرج في النهاية ?إن بقي على قيد الحياة- بتقاعد معاق !! إنها فعلا مفارقة من مفارقات كثيرة، تبرز أنه حين تحضر المقاربة التقنية الرقمية، وتغيب المعالجة الاجتماعية التي تستحضر الإنسان كمبتدأ وخبر, كغاية لا كوسيلة.
ثالثا : إن تحديد أسباب الأزمة ، والوقوف عند الإختلالات ، ورصد أخطاء التدبير وتشخيص الوضعية الحالية بدون تهويل ، واستحضار علمي لكثير من المتغيرات الموضوعية… هذه العناصر هي المداخل الأولى والضرورية لأية استراتيجية واقعية لإصلاح حقيقي لايكتفي بنقل وتقليد التجارب الجاهزة ، ولا يغرق في دوامة الطرح التقني والمالي الصرف
إن الإصلاح الحقيقي والفعال ينبغي أن يكون في إطار شامل، يستدعي مقاربة تنموية اجتماعية عادلة لقضايا الشغل والنظام الضريبي والأجور ومنظومة التعليم، وغيرها من القضايا التي يصعب الفصل بينها أو تناول الواحدة منها دون الأخرى.
إن إصلاح أنظمة التقاعد، يقتضي مقاربة عقلانية أكثر انفتاحا، وتفاهما وإشراكا، بعيدا عن عقلية التحكم والسيطرة وفرض الرأي الواحد، واللجوء إلى الحوار الشكلي المغشوش.
رابعا : من بين الملاحظات المثيرة على التصور الحكومي لإشكالية إصلاح أنظمة التقاعد هو منطقه التعميمي الذي يوحد بين كل القطاعات وكل الموظفين دون مراعاة الكثير من الخصوصيات والعوائق والإكراهات . فإذا أخذنا على سبيل المثال قطاعا حيويا وحاسما كقطاع التربية والتكوين بمشاكله المزمنة ، وانتظاراته الكبيرة ، هل تلائمه هذه الوصفة «الإصلاحية» ؟ هل تقبل الشغيلة التعليمية , العاملة خاصة في الفصل, أن يمدد سن تقاعدها وهي على أحر من الجمر لإنهاء واجبها المهني الوطني بكل أعبائه التي لايعرف المخططون و القاعدون في المكاتب الفخمة مضاعفاته النفسية والصحية عليها ؟ , كيف يمكن للتعليم, وهو قاطرة التنمية المنشودة , أن يحقق أهدافه , وفي مقدمتها الجودة في التعلمات, بنساء ورجال اخترقت مختلف الامراض أجسادهم ؟ كيف يمكن أن يقبل المدرسون والمدرسات سنوات أخرى تضاف إلى معاناتهم المريرة مع الفصول المكتظة والمقررات الطويلة والفضاءات المدرسية الفقيرة والمقززة ، وسلوكات الطيش والعنف والتردي الأخلاقي وسط التلاميذ , لابد إذن , من تجاوز منطق التعميم الإجباري وذلك داخل القطاع الواحد , ومن هنا ضرورة استبعاد الطابع الإجباري للزيادة في سن التقاعد ،وإقرار الاختيار الطوعي على أساس تحفيزي ماديا ومعنويا .
أخيرا نقول : لا أحد يستطيع أن يقول لا للإصلاح ، ولكنها لاءات كثيرة ترفع ضد عقلية الإصلاح الحكومي : عقلية مثقلة بالهاجس المحاسباتي المصرفي ، وفارغة من الإحساس والشعور بالمواطن المغربي , وبهمومه الحقيقية وتطلعه المشروع في العيش الكريم ، والحفاظ على مكتسباته المشروعة. ومهما جمعت الحكومة من أموال عن طريق الضرائب والزيادة في الأسعار والاقتطاعات اللامشروعة ، فقد تخسرها في لحظات حين ينفد صبر البشر, ويخرج الراكد إلى السطح ، والمجهول إلى المعلوم !
إن مسؤولية إفراغ الصناديق تتحملها الدولة وحدها, وعليها أن تفكر في ملئها من جديد فلا دخل للمنخرطين ولا ذنب لهم فيما آلت إليه, وإذا كانت الروح الوطنية تقتضي منهم التضامن والسعي إلى الإنقاذ، فذلك يتم بالتطوع والاختيار وليس بالإكراه والإجبار.

1/28/2014..عن جريدة الاتحاد الاشتراكي