المقاومة الشعبية للإصلاح …!!!

بقلم ..حسناء أبوزيد

تصطدم جل النقاشات ذات الصبغة  القانونية والدستورية بمقاومة شديدة تلقائية، مريرة، تستهدف بالأساس جدية الإشكالات المطروحة، جدواها، أهميتها وغاياتها، ويكاد يُجمِع المختلفون، أن طرح المسألة الدستورية والسياسية بشكل عام لا يعدو أن يكون مضيعة للزمن العمومي وعرقلة غير مسؤولة لأداء الدولة وتجاهل مقصود للأسئلة الحقيقية والمرتبطة أساساً بالحقوق الاقتصادية والإجتماعية من شغل وسكن وتعليم وصحة ومعيش يومي، وتنعكس بشكل أوتوماتيكي على الفاعل، حيث تؤكد كل المؤشرات، أن الشعب بكل فئاته ومن بينها الأكاديميون والمتخصصون والصحفيون وبعض السياسيين أنفسهم يعتبرون أن طرح الفاعل السياسي للمسألة الدستورية وتضخيم الفعل السياسي لن يُشغل أبناء المغاربة، ولن يأمن ولوجهم إلى الخدمات العمومية ؛ لن يحمي نساءهم  من الولادة فوق الأسفلت ؛ ولن يُطور إدارتهم ؛ لن يرفع دخلهم كما أنه لن يحمي أسواقهم من الارتفاعات المحمومة للأسعار وجيوبهم من الاستنزاف ؛وكرامة أبنائهم التي تدهس يومياً في ساحات الاقصاء وتحت مطارق الزبونية وضغط الحاجة وويل الفقر وقسوة الطبيعة  وتغول المجهول؛ فهلا سمعنا ما تقوله حكمة التاريخ ؟
أثبت التاريخ العجوز أن الحلول ليست متعددة في مثل هذه الأوضاع ؛ ووصف بحكمةٍ تجارب الشعوب الطاعنة في الزمن ؛ قال التاريخ إن الشعوب مضت إلى خيارين لا ثالث لهما ؛ لا يخرجان عن الثورة أو الإصلاح ؛ وقال إن الذين ثاروا كتبوا بمجازر الخيار الأول أدبيات وأعراف الخيار الثاني ؛ وخرجوا من داخل  أشلائهم مقتنعين بالإصلاح عبر الفعل السياسي وفي إطار الإصلاحات التي تنتظم داخل الدساتير والأعراف الديمقراطية ؛ ويتداولها السياسيون ؛ وتعتبر قبة البرلمان وتدافع الأحزاب السياسية والأكاديمية ولم لا الشعبية ؛ فضاءاتها المشروعة؛أثبت التاريخ أيضاً أن أخطر أسلحة الإستبداد وأكثرها فتكاً إضافة إلى التفقير وتضخيم غرائز الاستهلاك هي تيئيس الشعب من أداء السياسة وتقليص ممكناتهاوإفهام الشعب أن كلام الدساتير والسياسة مجرد ترف لا يربطه رابط بالمسألة الاجتماعية ؛ وأن الإصلاح السياسي والمؤسساتي لن يقدم للمغاربة كرامة الشغل والسكن والصحة والتعليم ؛ وتستمر آلة السلطوية في تسفيه السياسة بتنخيب سيء فتسكت على فساد الانتخابات وتنخر بالتالي جسد الديمقراطية التمثيلية ويوقن الشعب من استحالة التغيير بالسياسة والسياسيين وأن قدرية الحكم المركزي المُخَلِصِ لاجدال فيها ولا أمل في غيرها ؛ وكل هذا يجتمع ليؤسس لمقاومة شعبية للإصلاح، إذ ينهض الشعب من داخل إحباطاته ليطعن نفسه ويقطع يده ويخنق صوته ويَنْسِف لبنات مؤسسات جنينية عاجزة محدودة مذعورة ؛ ويخدم أوراق الانفراد بالسلطة من خلال عدم استخلاص رسائل الإشكالات الدستورية والسياسية المطروحة؛ ولا يستطيع من فرط ما ابتلع من الظروف والإحباطات ؛ أن يجد صبراً أو روية أو أملا يصطحبه كي يستوعب أن بناء الديمقراطية والعدالة يتشكل بالإجابة الشافية عن أسئلة حدود السلط والصلاحيات؛ وهنا أيضا تتأجج المقاومة الشعبية للإصلاح وتنتشر عروق السلطوية وتتصدع أسس الديمقراطية والعدالة وتفكيك السلطة بين المؤسسات وتُصْلبُ السياسة فوق أعمدة الحاجيات الاجتماعية ويقتنع الشعب أن كلام السياسة والدستور فارغ لا يُأمن الخبز ؛ والحال أن الأصل في السياسة هو تأطير الصراع وتأمين سلمية التنازع وإقرار التوازن بين المؤسسات ؛ وتجسير الهوة بين مالكي السلطة بالتاريخ ومالكيها بالديمقراطية ؛وإدماج العُزّلِ  من السلطة في مسلسل المشاركة أو الإحساس بالمشاركة عبر آليات الديمقراطية التشاركية ؛ والانتصار لمأسسة السلط ضد شخصنتها ؛ وهنا تنكشف الموارد للشعوب ونتكافئ أمام الوطن وخبزه وظله ودفئه وكرامته ؛ متساويين في رخائه كما في شدته.
للتاريخ المغربي أيضاً الكثير من الكلام في هذا الموضوع ؛ حيث يعرف المغاربة أن النقابيين انتزعوا حقوقا مستحيلة ونظموا الترقيات ودفنوا السلالم الدنيا وطوروا علاقات الشغل بالإصرار السلمي وعبر النضال المنظم ؛ كما يتذكر المغاربة أن السجالات السياسية والمذكرات الدستورية والمعارك البرلمانية فتحت أبواب الوطن على الديمقراطية وحرية التعبير وأقفلت أبواب الاختفاء القسري والتعذيب الممنهج والمحاكمات الصورية وبقي الكثير .الكثير..!!!
قد يرى المواطنون أن الفاعل السياسي في الساحة المغربية ضعيف مُحبِط وإن شاءوا لئيم وصولي ؛ مؤذٍ وسيئ ؛ وقد يُعّلِقونَ عليه- ظلماً – كل عثرات وأعطاب الإصلاح والمآسي الاجتماعية ؛ لكن لا يجب أن يكفروا بأدبيات الديمقراطية ؛ وعنواينها وثوابتها ومحدداتها ؛ وأولها الدستور والمؤسسات والبرلمان والقضاء والحق والقانون ولا يجب أن يستكثروا على الساحة السياسية نقاشا صحياً مشروعاً علنياً بين الفاعلين السياسيين ؛ بين الأغلبية والمعارضة وبين الحكومة والبرلمان.

الثلاثاء 27 يناير 2014