في الحاجة الى مناهضة الاستبداد …

بقلم مصطفى المتوكل / تارودانت

30 يناير 2014

قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

… تعاني مجتمعاتنا وسياساتنا العمومية في العديد من مستوياتها من اشكالية معقدة يطلق عليها الاستبداد  الذي يعرف بانه  انفراد واحتكار  لسلطة من السلطات كانت   سياسية أو اقتصادية  أو إدارية او دينية  تجعل شخص المستبد او الجماعة المستبدة المنضوية تحت لواء مستبد خاص بها   تستغني عن الاخرين ولو كانوا الغالبية العظمى بعدم اشراكهم لا في التفكير ولا صياغة القرار مع الزامهم كل تبعاته كيفما كانت ولو  تعارضت وتناقضت مع مصالحهم وطموحاتهم بفعل السلطات التي يمتلكها المستبد كانت مادية او معنوية .

يقول تعالى  ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110

.ووصف امة سيدنا محمد بالخيرية التي تخولها مهام نبيلة منها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذين هما عماد الاصلاح والتغيير والتطور على اعتبار ان المعروف هو كل ما تتحقق به العدالة والكرامة والحرية والمساواة والعزة وخير الدارين وعلى اعتبار المنكر هو كل ما يتسبب في الحاق الضرر بالافراد والجماعات والامة تعلق  الامر بالخاص اوالعام اوهما معا ….

ومن تجليات انتفاء الخيرية المشار اليها في الحديث  وجود الاستبداد وما ينجم عنه من مظالم ومناكر ومخالفات لجوهر مقاصد الشريعة واحكامها …

.ونجد في كتب  الاقدمين عندنا ومنهم كتاب المغازي للامام البخاري ان   الاستبداد في الأمة الإسلامية ظهر بشكل جلي  بعد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم  وذلك بعد ان تولى  معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الخلافة والتي جعلها  من بعده لابنه يزيد واخذ على ذلك عهدا من اولي الامر والمشورة واهل الحل والعقد كما يقال ..فقال مخاطبا اياهم : “من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به ومن أبيه”…

ان الحديث عن الاستبداد الذي هو  طغيان سياسي  في العديد من اوجهه تحت عدة مسميات  يثير  جملة  من التساؤلات المنطقية التي تتقصى مسارات واسباب  ظهر الطاغية  او المستبد وهل هناك ضرورة لوجوده وكيف يتمكن من بناء نفسه وسلطته وتسلطه  ؟…..

……. ولهذا عندما نطالع  تاريخ البشرية ومنها  مجتمعاتنا  سنقف على نماذج متنوعة من المستبدين  لاتشترط فيهم  معايير علمية وفنية ومعرفية ليظهروا على الناس … اي انه يمكن ان يكون عالما وفقيها ..كما يمكن ان يكون مثقفا او عسكريا او جاهلا او غير متوازن نفسيا .. الا انهم جميعا يتحلون بصفات التسلط ويتفننون في الاستفراد بالراي والقرار  ..ذلك ان البعض منهم  قد يظهر نفسه  بانه ورع او محب للصالح العام او انه ضد الظلم او انه متنور او ثوري  وهذا لايتحقق الا بان يكون متالقا في المكر والخديعة والتناور والقدرة على قلب الحقائق بما في ذلك الباس الباطل لباس الحق وتحويل الحق الى باطل  …اما ان توفرت لدية القدرات البشرية المطيعة فسيمتد تسلطه الى غيره من خاصته الى اهل وطنه وحتى الى جيرانه من دول وشعوب…

…و بالتمعن في المشهد السياسي لامتنا الاسلامية والعربية وحتى غيرهما من الامم فسنجد ان الاستبداد قد تنتجه صناديق الاقتراع والديموقراطية باية حكومة  او اي حزب او هياة  حيث يحكم ويتحكم  شخص واحد أو مجموعة من الافراد بدعوى انهم منتخبون “ديموقراطيا ”  بكل الطرق بما فيها القمع المباشر وغير المباشر والتهديد الذي يطال الانفس والاموال والارزاق والسكينة.. واذا تاملنا وبحثنا في خلفيات المسالة سنجدها تتمركز حول غرور الزعامة والقيادة والرغبة في الخلود واستدامة الهيمنة ايا كانت النتائج وهذا من اكبر تجليات الانانية الضيقة التي ترتاح لانتاج مستبدين صغار يدينون بالولاء ولو خالف ذلك مصالح الناس كافة  ….فرحمة الله على الامام مالك الذي قال ” كل يؤخذ منه ويرد الا صاحب هذا القبر” واشار الى قبرالنبي  صلى الله عليه وسلم

…ان الاشكالية المرتبطة بالنفس البشرية والتي تجعلها تحمل بذور ثنائية الخير والشر بجميع تمظهراتها تجعل طغيان السلبي منها على الايجابي من مثل الاستبداد والتسلط والتحكم مظهرا من مظاهر الخلل  والانفصام والاضطراب الداخلي الذي يغلف  ويستر بما يموه به عن شخصيته الحقيقية …

فان تتجبر وتقمع وتضيق الخناق على الناس وتزاحمهم حتى في حرياتهم بدعوى انك حاكم منتخب فذلك هو الاستبداد .. اما ان انبريت تبدع وتكفر الافراد والمجموعات وتسفه كلام الناس وتستهزئ بالمفكرين والمصلحين ايا كان انتماؤهم بدعوى انك تمتلك الوصاية على الدين وتتحدث باسمه بل وتمتلك تطاولا مالا يحق لاي مخلوق حتى الانبياء امتلاكه اي شق الصدور والعلم بالنوايا و التشكك في ايمان الناس او اتهامهم بالكفر فذلك منتهى الاستبداد باسم الدين ..اما ان يجتمع استبداد السياسي ويغلفه بالدين ونسبته الى جوهر العقيدة فذلك  قمة الاستبداد  .. واما ان تفرض رايك على غيرك وتجعله هو عين الصواب دائما وتستهزئ باراء وافكار الاخرين وتعتبرها مؤامرات ومشاريع انقلابات فذلك ايضا استبداد وتسلط يتكامل في انساقه مع الاصناف  السابقة بقصد او بدونه ومن هنا قد يتحول الشيئ والموقف  الى نقيضه مابين لحظة واخرى  تحت اي مسمى فكري او فلسفي سياسي او ديني ……

.. ولقد ورد في  طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد  للكواكبي ما نصه ..

“…تظافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، والبعض يقول إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان أبوهما التغلب وأمهما الرياسة، أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان، والمشاكلة بينهما أنهما حاكمان أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب. والفريقان مصيبان في حكمهما بالنظر إلى مغزى أساطير الأولين والقسم التاريخي من التوراة والرسائل المضافة إلى الإنجيل؛ ومخطئون في حق الأقسام التعليمية الأخلاقية فيهما، كما هم مخطئون إذا نظروا إلى أن القرآن جاء مؤيداً للاستبداد السياسي. وليس من العذر في  شيء أن يقولوا: نحن لا ندرك دقائق القرآن نظراً لخفائها علينا في طي بلاغته ووراء العلم بأسباب نزول آياته، وإنما نبني نتيجتنا على مقدمات ما نشاهد عليه المسلمين منذ قرون إلى الآن من استعانة مستبدِّيهم بالدين….”

..ومن جميل ما استخلصه الكواكبي في تعامله مع هذا الموضوع ان تساءل عن عدم قيام الفقهاء  بتفسيق  بعض الحكام وبعض الزعماء وعدم قبول شهادتهم بناء على ظلمهم واستبدادهم وتسلطهم ..وبحث لهم عن عذر اجمله في ان المراد عندهم  من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر  -انه – مجرد فرض كفاية لافرض عين وانهم يقصدون به سيطرة افراد المسلمين بعضهم على بعض لا اقامة  فئة تسيطر على حكامها كما اهتدى الى ذلك امم تتكلم عن الديموقراطية والمجالس المنتخبة من الشعب … واضاف قائلا ..”أليست هذه السيطرة وهذا الاحتساب بأهم من السيطرة على الأفراد؟ ومن يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا، وعدوا كل معارضة لهم بغياً يبيح دماء المعارضين؟! …

..ولقد راى بعض المستبدين بالدين ان كل مخالف لارائهم  واراء الحكام الذين يوالون خروجا عن الملة والدين كان هذا في مشارق الاض او مغاربها في العصور السابقة و حتى في  هذا العصر ..ذلك لان الاستبداد لادين له ولا مذهب ولا فلسفة بل هو يظهر كلما كان الشخص  مهيا ليكون مستبدا وتوفرت مجموعة تبحث وتعمل من اجل صنعه ونصرته ….

.. ان الخذاع الذي يمارس باسم  السياسة  او باسم  الدين … في ظل الاستبداد  يدفع  البعض ممن هم محسوبون على الفقه والعلم الشرعي الى  التفنن  في  انتقاء واختيار نصوص من  الشريعة لتطويعها لتلائم  تصرفاتِ  المستبدِّين  كانوا في موقع الحكم او مساندين لهم  فيصبح عندهم  الظلم  والقمع  مصلحة كبرى تدفع بها مفسدة حسب زعمهم لالشيئ الا لانها  تخالف هوى الحاكم ومن معه ولو انها عين الحقيقة   فتصدر الفتاوى “الباطلة” التي تسيئ الى الاسلام وتقدم اسوا  الصور التي  يتسلح بها خصومنا لمحاربتنا بالاستدلال بامثلة من  كل الحقب التي يخرج الاستبداد شاهرا اسلحته المختلفة في مواجهة الناس كافة و  المدمرة لكل ماهو جميل في الفكر البشري والفكر الاسلامي  ..

إنَّ الاستبدادَ لاعلاقة له بالعلم الحق ولا المعرفة الحقة  ذلك لانه ينفي او يتستر او يرفض كل علم يخالفه الراي  ولهذا نجد التاريخ سجل ابادة جماعات وقتل افراد بمن فيهم علماء وائمة بل حتى السادة  عمر وعثمان وعلي و احفاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  رضي الله عنهم اجمعين …تحت نفس المبرر المعلل باطلا باسم الدين والحق …

ان سياسة تعطيل الافكار والارادات والاجتهاد لدى الناس والافراد لفائدة الحاكم او الزعيم  يساهم في تحجيم دور العقل والابداع والقدرات فيوضع المستبد في درجة يتوهم هو من خلالها ان لاراي الا  رايه ولا نجاح الا به وان كل نجاحات الاخرين وهمية وفاشلة.. وان مستقبل الاخرين مرتبط به وعندما يتحكم فيه   الخرف   يتصور  نفسه  اله كما توهم  فرعون نفسه  اويعنقد انه زعيم الزعماء وقاهر الحكام و…فيحكم على من سبقه للحكم والزعامة بانهم على ضلال وانه وحده على الهدى وعلى المحجة التي يتخيل  انها بيضاء ……وقد ذكر الشيخ الغزالي أن “من مقابح الاستبداد: أسلوبَه الشائنَ في إهانة الكفايات، وترجيح الصغار وتكبيرهم، تبعاً لمبدئه العتيد: أهلُ الثقة أَوْلى من أهل الكفاية.”.

… انهم يريدون ان يتحول الناس الى منافقين عليهم ان يظهروا الولاء والطاعة والخضوع ويرفعون اعلام التاييد للحاكم او الزعيم في جميع الحالات والاحوال بل ويؤطر هذا التوجه البعض من علماء الدين والفكر همهم ترويج السلع السياسية الفاسدة وتزيين الامور للمستبدين ومسايرتهم وبدل الجهد لاقناع العامة بالباطل …ولقد حذر  النبي – صلى الله عليه وسلم – من هؤلاء العلماء والمفكررين فجاء في الحديث  الذي  من رواته الصحابي الجليل  كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ –  رضي الله عنه – الذي قال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: “يَا كَعْبُ بن عُجْرَةَ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ“، قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟، قَالَ: “أُمَرَاءُ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَنْ يَرِدَ عَلَى الْحَوْضِ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ، بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ
أخرجه الطبراني ، والترمذي  والنسائى وصححه ابن حبان

..ان المستبد  يضطر لحماية نفسه  ليس فقط الى  ترهيب الناس واخافتهم  بل  يبدل الجهد  لتقسيم الناس   فكريا ودينيا ومذهبيا  ويخلق الصراعات الهامشية بينهم  ويضرب بعضهم ببعض بما في ذلك اثارة الكراهية  والعنصرية  …

.. لهذا لابد  كما امر الشرع والعقل من العمل  من اجل  تفكيك  بنية الاستبداد ومقوماته ومرتكزاته  بالوعي ونشر المعرفة والتربية على الاسلام الوسطي السمح والتربية على المواطنة  المتجذرة الضامنة للحمة الامة وتماسكة بجميع مكوناتها والمحتكمة للعدل واحترام كرامة وقدرات ومؤهلات كل الناس دون تمييز او تبخيس ..

..ونذكر بواقعة في خلافة عمر ذلك  أن الجراح بن عبدالله  والي خراسان كتب إلي عمر بن عبدالعزيز ميلي  «إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم, وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك» فكتب إليه عمر رضي الله عنه  «.. أما بعد, فقد بلغني كتابك تذكر فيه أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم, وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط, فقد كذبت, بل يصلحهم العدل والحق, فابسط ذلك فيهم والسلام».

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة” “3”.  

..ان الاسلام بريئ من الاستبداد براءة تامة وجاء لاستئصاله .. ونختم بحديث شريف  قال فيه الرسول الكريم  صلى الله عليه وسلم : ” إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منها”