كسر الخاطر

إذا جاءتك شهادتي من … ناقد!!

 

عبد الحميد جماهري

هل يمكن اعتبار تقارير صندوق النقد الدولي، عندما تنوه بسياسة حكومية ما، كشاهد على حسن التدبير؟
إنه سؤال كبير، ويحمل في طياته مغالطات كبرى. فهذه المؤسسة، لم تكن أبدا عنوان الثقة، بقدر ما ارتبط اسمها بكل المعضلات التي عرفتها دول العالم، لا سيما منها السائرة في طريق النمو، وبكل المآسي الاجتماعية التي هزت كيانها..
وهذه ملاحظة أولى..
الملاحظة الثانية هو أن بلادا مثل اليونان كانت قد تلقت إشادات من نفس الصندوق بستة أشهر فقط قبل إفلاسها.
عندما زار وفد الصندوق اليونان في نونبر 2010، أشار بثقة وبتفاؤل إلى أن الخطاطة الاقتصادية التي وضعها الحكومة للبلاد تسير بطريقة جيدة، بل ذهب التقرير الصادر عن الزيارة إلى القول إن «برنامج إصلاح الميزانية العامة يسير بشكل جيد»
ماذا يقول التقرير الذي رفعته الحكومة على ألسنتها بخصوص المغرب « أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ساهمت في حد كبير في الحد من مواطن الضعف في المالية العامة وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود».
إنها نفس الكلمات ونفس الروح.
في نفس السنة 2010،، كانت الحكومة قد شرعت في وصفة التقاعد، والتي تضمنت، بالإساس، ما يريد بنكيران وحكومته القيام به، الرفع من سن التقاعد إلى 65 سنة، والحد من المعاشات.
وقد سبق له أن قال، بوضوح، بأن «المغاربة لا يمكن أن يكون لهم إصلاح فقط بالزيادة في الأجور وفي المعاشات».
الوصفة جاهزة وقد تم تطبيقها منذ أربع سنوات في اليونان.
والنتيجة؟
في أقل من 6 أشهر وصلت البلاد برمتها إلى حافة الإفلاس!
لا يعني ذلك أننا نسير على نفس الطريق، هناك أسباب إضافية وأخرى أعمق بالنسبة لليونان ( تتعلق بعملة اليورو وتتعلق بنظام الاقتراض وبحسابات الأبناك الأوروبية على شاكلة ما وقع في الأرجنتين قبل عشر سنوات )، لكن اللغة التي تعتبرها الحكومة شهادة حسن السيرة، وتعتبرها شهادة على حسن التدبير، لا تختلف في الحالتين، وصندوق النقد الدولي، لا يعبأ، في نهاية سياسته بما هو أخطر: الاضطرابات السياسية…
الملاحظة الثالثة هي المرتبطة، بالفعل، بالتلازم بين التطبيق الحرفي والانصياع لتوصيات الصندوق والزلازل الاجتماعية التي تتعرض لها البلدان «النجيبة».
فالتعريف العالمي لصندوق النقد الدولي- مثله في ذلك مثل البنك الدولي- هو أنه« مؤسسة مالية عالمية تتوخى أهدافا عالمية في استقلال تام عن مصلحة البلاد التي تمولها وفي الغالب على حساب الساكنة».
ويبقى أن الذي يقود سياسة النقد الدولي يكون في موضع التطبيق الحرفي، وتكون النتيجة المباشرة لما يحدث، هو أن السيادة الاقتصادية تتعرض للتعرية، ومن ثم، فإن ما يأتي لا يبشر أبدا بخير.
الاضطرابات التي تعيشها الدول جراء فقدان سيادتها المالية والاقتصادية ليست درسا في كلية العلوم الاقتصادية أو ترفا ساديا، إنها مرتبطة أشد الارتباط بالتوازنات الاجتماعية وبالعيش المشترك وبالسلم الاجتماعي..: الصندوق يقوم بتقييم السياسات بناء على أرقام، مرة يكون مصدرها الحكومات فقط.
والمرة الثانية يكون مع المؤسسات غير الحكومية.
وهنا تلتقي بالمندوبية السامية في شهر أكتوبر..
وفي حالة المغرب، هناك مفارقة حقيقية، فالحكومة تقدم، في المرة الأولى ما يجعل التقرير الصادر عن الصندوق يتماشى وتوقعاتها، وبالتالي فهو يرد لها بضاعتها كما تريد أن تراها.
وفي المرة الثانية، التي لم تحدث بعد، يطلع الصندوق قبل اللقاء بوزارة المالية مع المؤسسات الأخرى.
ويجب أن ننتظر تقريره الآخر، لكي نساير الحكومة في فرحتها المالية.
وختاما، فإن الحكومة تدري قبل غيرها بأن الإشادة من صندوق النقد تتعلق، هنا بالأساسيات وبالدعائم الثابتة les fondamentaux ، وهنا لا يتناطح كبشان…

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي..4/2/2014