كسر الخاطر

الملك، الوزير واحتجاج القضاة؟؟

حميد جماهري

الوزير الذي لم يتوقف يوما عن إعطاء الدروس الأخلاقية لممارسة المسؤولية، ويتخلى عن واجبه في الدفاع عن تقدم ممارسة الاحتجاج والمناقشات في البلاد.
وعندما يكون وزير العدل، الحارس للأختام الشريفة، هو الذي يسارع إلى إقبار مشروع يقظة مدنية للقضاة، مهما كانت دوافعها السياسية، فإن الأمر يثير الحزن بالفعل.
يمكن لوزير الأختام أن يقرأ الموقف ويقدم تقدير موقف مغاير تماما، لكنه ملزم بفلسفة الإصلاح التي دعا إليها عندما ركز على فصل النيابة العامة وعن سلطة الوزير الوصي، فكيف يقبل بها في توجيه طريقة الاحتجاج من منطلقه؟
القضاة وحماية سمعتهم، هل تمر عبر منعهم من تنظيم أنفسهم وعرض سلوكهم المدني على الرأي العام، والقوى الحية في البلاد والنقابات لكي تقدر موقفهم أم اللجوء إلى وصفة قمعية مغلفة بخطاب أخلاقوي يكاد يكون ساذجا في تبرير منعهم من الغضب؟
ما لا يقبله سلم القيم هو أن يقحم وزير العدل جلالة الملك في سجال يخص تدبيره للقطاع ومدى استقلالية القطاع : ما معنى أن يقول هل يتظاهر القضاة ببذلاتهم ضد الملك ضامن استقلالية السلطة القضائية؟
معناه أن السيد القاضي الذي يقحم الملك في مواجهة القضاة يفعل ذلك بسبب جبن سياسي غير مسبوق في هذه البلاد.
نعرف أن الكلمة قوية، ولكن لا تفسير لهكذا إقحام إلا من باب تغيير المعادلة وتلغيمها وتحويل احتجاجهم على عدم إشراكهم في الحوار حول مهنتهم إلى .. عصيان مدني ضد الملك !
أو بتفكير أكثر خطورة: العودة إلى ما سماه عبد الإله بنكيران ذات سجال بالقنيات!!( القنية باعتبارها الشريان ..) ولا أعتقد أن ذلك يشرف وزيرا أو مسؤولا مغربيا.
يجب أن تبقى المعادلة هي نفسها: القضاة يدافعون ببذلاتهم عن حقهم في رفض السلوك الوزيري في تدبير المهنة.
نقطة إلى السطر.
في فرنسا عندما حاولت وزيرة العدل طوبيرا إزاحة وتنقيل الوكيل العام لباريس فاليتي، تحولت القضية إلى قضية بلد. وأصبحت في مصاف فضيحة دولة.
لأن التنقيل جاء على اعتبار أن السبب كان هو عدم تلاؤم «الحساسية السياسية للوكيل العام مع وزيرة العدل».
وقد أصرت الوزيرة على تبرئة نفسها وأخرجت حججا في قضية وكيل واحد، فما بالك في قضية تهم قطاعا كاملا؟
في أي سياق نضع المواجهة الحالية: هل نضعها، كما يريد الوزير، في سياق توقيف عجلة الإصلاح أم في سياق مخالف، وهو تكريس التوتر ومواجهة القطاع؟
في الواقع، لو كانت هذه أول قضية للسيد الرميد، كان من الممكن أن نحكم بالبراءة لفائدة الشك، ولكن بما أن التوتر يشمل كل مكونات العدل والقضاء، فيصعب، بالفعل، أن يجد المتتبع مبررا للوقوف إلى جانبه.
الأنكى من ذلك، هو أن الوزير يريد أن يغلق بابا فتحته تجربة التناوب والانفراج داخل إدارة كانت مغلقة وقطاع محكم الانغلاق هو العدل .
وقد كانت بادرة فتح التنظيم النقابي والتأطيري عبر النقابة الديموقراطية للعدل، أول خطوة في الطريق الصحيح للبناء المدني للقطاع، والمحاولة اليوم هي عودة إلى زمن التحكم، أيام كان القضاء يعتبر جزيرة غير معنية بتوترات المجتمع والتدبير النقابي فيه.
لا أحد يعتبر بأن القطاع فوق الشبهة، وأن المحتجين كلهم ملائكة، أبدا. لا أحد يستطيع أن يقول ذلك عن أي قطاع من القطاعات في البلاد.. بما في ذلك المساجد (يكفي التذكير بقضايا الاغتصاب والفساد الذي سطع في بعض الفقهاء !)، لكن الذي يرخي بظلال الشك على هجوم الوزير، هو أنه لا يستطيع أن يقول إنه يفعل ذلك حماية لأخلاق القضاة، كما لا يمكنه أن يرافع بأن ذلك من صميم الإصلاح، إنه فقط يحرض على مواجهة القضاء والملك بطريقة لا تنم عن تقدير للمسؤولية!
من المؤسف أن الوزير يحدد الإصلاح في .. قهر مكونات القطاع وإجبارها على قبول وصفاته أو تكميم أفواهها: المحامون يلجأون إلى العالم ليفضحوا تحكمه، القضاة إلى الشارع، النقابيون إلى الاحتجاج والعدول إلى الإضراب، والموثقون إلى .. الغضب.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي ..

الجمعة 7 فبراير 2014