الاستخفاف بالمشاهدين تعليق على تدخلات وزير «الحكامة» في برنامج: مباشرة معكم

محمد العمري

رغم كل العنف الذي شاب الحياة السياسية والاجتماعية في المغرب خلال سنوات الرصاص، فقد ظل الخطباء السياسيون والدينيون يصونون منطقهم، ويحترمون الحد الأدنى لأدب المخاطبة حتى ولو زيَّفَ بعضهم الحقائق وتعمدَ الإعنات. وقد سُجِّلتْ على الملك الراحل فلتات لفظية في لحظات عصيبة (مثل: أشباه المثقفين والأوباش…) فبقيت في إطار الاستثناء. أما اليوم فقد انحطَّ الخطابُ السياسي إلى الحضيض، وتلوث الخطاب الديني بالبذاءة والفحش والجهل على نحو ما بينا في مقال سابق. ركوب التهريج والمغالطة، والاستيلاء على الكلام، والتشويش على المحاورين، عاهاتٌ معروفة في المشرق العربي، ونتائجها كارثية، ولذلك ينبغي أن نُدين أي انحراف عن التخاطب البناء. وهذا هو الحق الذي سأمارسه في هذا المقال القصير من باب رد التحية بمثلها والعقاب بمثله، وفي القصاص حياة لأولي الألباب.
قال وزيرُ الحكامة السيد محمد الوفا: «أنا الحكومة!» ثم استدرك: «استغفر الله العظيم!» معبرا عن الحرج. يقول المغاربة: «استغفر الله العظيم» عندما يصدر عنهم سوء أدب مع الله أو مع الناس، أو أي كلام لا يناسب المقام. وقد يُردفون مُحملِّين المسؤوليةَ للآخرين: «خرَّجتوا لنا عقولنا»، أي أفقدتمونا صوابنا، أو حِكمتنا. وحين يصل المرْءُ إلى هذه العتبة يضع لسانه خلف عقله ويميل إلى الهدوء. غير أن هذا الاستغفار لم يجعل سيادة وزير الحكامة يحكم لسانه، ويخرج من جبة الحكومة الفضفاضة ويعود إلى حجمه الطبيعي بصورة نهائية، أي أن استغفاره لم يكن توبة نصوحا، بل ظل ينتفخ وينـتـفـشُ حتى يصير بحجم الحكومة، و»ينْـفَـشِشُ» حتى يصير بحجم «بقشيش»، كلاماً وحركاتٍ وملامحَ. بعد كل انتفاش وانتشار عشوائي يتذكرُ أنه وزيرٌ، وأنه تجاوز الحدود وأساء الأدب، فينفشش مقهقها «مغضِّنا» «مكشرا» معتذرا معبرا عن المحبة والأخوة، والشراكة مع كل واحد فيما هو فيه: شريكٌ للأستاذ في الأستاذية، وللنقابي في النقابية، وللاجتماعي في الاجتماعية…الخ
كانت مُهمتهُ تقتضي، فيما يبدو، ألا يترك مخالفا يبسط حجة مقنعة، أو يُبلور فكرة مفيدة: فبمجرد ما تظهر له أشعة الضوء متجهة لكشف جانب لا تريد الحكومة ظهوره إلا ويُسرع لغلق الكوة، كأن به مَسًّا من النور، أو حساسية من الضوء. فما إن شرع الأستاذ المختص في الاقتصاد (محمد رهج) في شرح تركيبة ثمن البترول (الثمنُ الذي يُقتنى به، والثمن الذي يصل به إلى المستهلك، وما يتخلل مسيرته من ضرائب) حتى تصدى له بالنكير رافضا الخوض في أمور الجمارك والضرائب! لماذا؟ ما السر في هذا الانفعال والهجوم على مختص يقوم بما يُمليه عليه اختصاصه؟
هذه الحكاية من الأسرار التي لا تود بعض الدول الممارسة للتضليل أن يصل خبرها إلى الجماهير، فهي تفضل ركوب الغموض مظهرة نفسها ضحية لتقلبات السوق الدولية، فتنقل كلامَها من ثمن الباريل إلى ثمن الليتر. فلا شك أن المواطن حين يعلم أن ثمن الليتر الذي يشتريه بحوالي ثلاثة عشر درهما يخرج من المصفاة
(لسمير) بأقل قليلا من سبعة دراهم، سيتساءل عن مصدر الفرق بين الثمنين، وحين يعلم أن الحصة الكبرى من هذه الفرق هي عبارة عن أنواع من الضرائب التي تجبيها الدولة، سيتساءل عن دموع التماسيح، وعن مغزى قول رئيس الحكومة «تنخلص عليكم…»و «قادر نعطيكم..». الحكومة لا تريد أن يعرف المواطن أنه هو الذي يعطيها. الحكومة ترفض كشف الغطاء لأنه سيحرمها من دموع التماسيح، من جهة، ومن اليد العليا التي تمن على المواطنين بها، من جهة ثانية: الحكومة تجني الضرائب وتعيد جزءا منها في شكل دعم. المواطنون في الدول المتقدمة يعرفون هذه الحقائق ويقبلونها لأن الضرائب تعود عليهم بالنفع ولا تتحول إلى ريع للطفيليين والثعابين السامة التي تتبختر في الحرير والديباج.
أذْكُـر أن الملك فهد، رحمه الله، كان قد رَدَّ على بكائيات الدول الغربية التي حاولت تحميل الدول المنتجة للبترول مسؤولية غلاء ثمن الليتر في محطات الوقود، وذلك بالتنبيه إلى أن تلك الدول تفرض على البترول أكثر من سبعين في المائة من الضرائب. كان على السيد الوزير أن يتحلى بالحكامة والوفا وشيءٍ من الشجاعة ويشرح للمستمعين تركيبة سعر المحروقات البترولية، ومنطق هذه التركيبة، وما يمكن أن يتبعها من إجراءات حمائية للفئات الهشة من المستهلكين، وللقطاعات الاستراتيجية أو الاجتماعية التي لا تتحمل ذلك الثمن المثقل بالضرائب، ولكنه لم يرَ المغاربة في مستوى هذا النقاش، فأصر على إسكات الصوت المخالف، واقترح علينا نقاشا من مستوى «أدنى» : اقترح علينا المقارنة بين طبيعة الورقة التي يحملها هو والورقة التي يحملها أستاذ الاقتصاد! الورقة بالمعنى الحقيقي: الورقة التي يحملها هو مرقونة ومختومة من وزارة المالية، يا سلام! والورقة التي يحملها الأستاذ المعارض للوزير منقولة بخط اليد من وثائق وزارة المالية! الأستاذ يقول له: هذه الأرقام من وزارة المالية والجمارك، والوزير يقارعه بنمط الخط. أيها الوزير «الأستاذ الباحث» : المقام ليس مقام المقارنة بين عجين الورق وكيمياء الحبر! المقارنة بين الأرقام! لك أن تصدق الأرقام التي جاء بها الأستاذ ولك أن تكذبها بما لديك من حجج، إن استطعت، وليس لك أن تسخر من عقولنا بالحديث عن المطبوع والمخطوط.. يظهر أن الأستاذ رهج غير متمرس بهذه المماحكات، فامتقع وجهه وتعفف، وقد فعل خيراً، وقد يكون الصمت أبلغَ من الكلام في مثل هذه المقامات.
وحين أنهى سيادة الوزير معركته مع أستاذ الاقتصاد تصدى لصاحب الملف الاجتماعي الأستاذ فاتيحي من الفيدرالية الديمقراطية للشغل، وأصر على منعه من إتمام جملة، أو بلورة فكرة تبين إخلال الدولة لواجباتها في الحوار الاجتماعي، وإنزالها الخطاب السياسي إلى أدنى الدرجات. ورغم الاحتجاج على مسير الجلسة، وطلب الإنصاف في توزيع الوقت، فإن الرجل تحول إلى زنبور عبثَ الأطفالُ بعشه، يلسع كل من صادفه.
ظل الأستاذ فاتيحي حريصا على هيبة الجلسة، عّفَّ اللسان محترما لتدخلات المشاركين، وعندما طفح الكيل عَمِل عَمَلَ الجراح، فنشب مِخلبا واحدا وأصابَ مَقتلا في لمح البصر. كان ذلك المخلب من المَضاء بحيث لم يسل الدمُ إلا بعد حين. قال الأستاذ فاتيحي ما صورته: دَعْني أتحدث، «أنا عندي مرجعيةٌ، وعندي حساب خصني نعطيه»، «أنت إلى كانت الأمور عندك عادية هذا شغلك»! ضربة ٌ سريعة موجعة، أحس بها السيد الوزير أكثر من أي شخص آخر، فَـانْجَحَرَ في الحين. واستطرد الأستاذ فاتيحي إلى «تردي الخطاب السياسي»، وذكر «التبوردة» وأمثلة أخرى، فعمق الجرح.
وعندما أعطيت الكلمة للوزير للتعليق خاطَ خمسين في المائة من الجرح بخيط غير طبي، وترك الباقي ينزف، قال: أنا مرجعيتي مكتوبة في جبهتي، مرجعيتي هي مرجعيتي، ووضع يده على جبينه. وقد خانه التعبير هنا، فيما أرى، والله أعلم، لأن «الجبهة» تعني أكثر من معنى عند المغاربة، فهم يقولون: جبهة واش من جبهة هذا! وكان السياق يرجح هذا المعنى. أما الشق الثاني المتعلق بالجهة المسؤولة عن تدخله، إحسانه وإساءته، فقد تركه مفتوحا كما هو في الواقع، لأنها لم تعد موجودة بعد تفضيله عدم الانضباط للقرار الذي اتخذه الحزب الذي وزَّرَه.
سؤالُ الجهةِ التي تراقب الوزير وتُحاسبُ على مواقفه وإنجازاته وفشله هو السؤال الذي اعتقد المغاربة أنهم حسموه بالدستور الجديد الذي كان من المفترض أن تترتب عنه حكومة سياسية، فإذا بنا أمام «خَلق جديد» ليست له خبرة التكنوقراط وحيادهم وتحفظهم وتكتمهم، ولا انضباط السياسيين ومسؤوليتهم أمام أجهزتهم. ما هو الحزب الذي سنحاكمه غدا بهذا المستوى الذي نزل إليه الوزير الوفا في هذه المناسبة وفي مناسبات أخرى سابقة دَلَعَ فيها لسانه ودلَّعَه؟. حزب الاستقلال تبرأ منه، رئيس الحكومة إنما أعطاه تأشيرة موقتة، وتركه في دار الضيافة لتقدير قدره لا نعلمه. من نحاسب يوم الحساب السياسي؟
الحقيقة أنه «لم يجدها كما أرادها» غير الأستاذ جامع المعتصم: رئيس ديوان الوزير الأول، لقد استراح فلم يزعج أحدا، ولم يزعجه أحدٌ، والمغاربة يقولون: «اللي وكَّلْ ما يْخاصم»! (أي من عين محاميا لا يرافع). كانت تدخلات السيد جامع المعتصم مؤدبة ومعقولة، وقد حاول فعلا أن يدع بعض الضوء يتسرب إلى الموضوع الذي أصر الوزير على حجبه، فتحدث عن كون البترول ملوثا، ولذلك يستحق العقاب.
لست أدري هل من الإنصاف، أو من الحكمة، أن يجلس ممثلون لأحزاب وجمعيات مُعرَّضة للتقويم والمحاسبة مع أشخاص يفتقدون هذه الصفة، ويتعدون حدود الخبرة والاستشارة التقنية؟ فالوزير الوفا لم يعد له أكثر من هذا الحق بعد أن أضاع قبعته السياسة، تمارسها الأحزاب. لقد كان من الممكن أن يصادف السيد الوفا في تلك الجلسة شخصا من طينته أو أعيارا أكبر من عياره: يرد له الصاع صاعين، ويلقمه بالحجر حجرين، كيف كانت ستنتهي تلك الجلسة؟ عند المشاهدين ما يكفيهم من «فرجة» رمضان.
هذا، على الإجمال، سلوك الرجل في جلسةٍ تَحلَّى باقي المشاركين فيها بالحكمة والرزانة وطيب المنطق، ولذلك كانت تدخلاته نشازا، لم يجد من يُسايره أو يُصاوله ليُغطي عليه. وقد أقال محاوروه عثراته حين غضوا الطرفَ عن كثير من الاختلالات والتجاوزات الخطابية التي يقتنصها عادة المناظرون، في مثل تلك الأجواء المطبوعة بالعدوانية، للسخرية من الخصم وتهزيئه خاصة حين أشهر سلطة الأستاذية. نكتفي بثلاثة نماذج دالة على غيرها:
1 ــ من ذلك قوله: «أنا اللي عارف شحال قادر نعطي…»، كان هذا جوابا لمن عاب على الحكومة عدم مشاركة المعنيين في الحوار حول الزيادة في الأجور. فلو صح هذا المنطق لما كانت هناك حاجة للنقابة ولا للمعارضة، ولا للحوار الاجتماعي، ولا للوساطة والتحكيم اللذين تقوم بهما السلطات المحلية بين العمال وأرباب العمل. هذا منطق القرون الوسطى: منطق العبد والسيد.
2 ــ وشبيه بالعبارة السابقة قوله: «خَدْموهم غيرْ المغاربة»، أي: «إنما هيأ تلك القوانين مَغاربةٌ»، جوابا لمن عاب على الحكومة إعداد قوانين دون الاستماع إلى اقتراحات الأطراف المعنية. فلو صح هذا المنطق لوجب أن نتجرع كل المصائب التي يرتكبها كل من يحمل الحنسية المغربية حتى ولو كان مختلا عقليا. ولا يجوز الاحتجاج هنا بأن الأمر يتعلق بالمزاح والمداعبة، لأنه استعمل لتكسير الحوار والتشويش على المتحاورين، وشغلهم بالتفاهات.
3 ــ وقوله: «ما تخاف والو راه هذا المغرب واقف قبل مني وقبل منك»، «المغرب باقي»!، جوابا لمن حذر من تكرار ما وقع في ظروف سابقة مشابهة لما يقع اليوم. وهذا تشغيب، فلو صح هذا المنطق لبطل التفكير والاعتبار والسعي، ولما حكى الله خبر ما وقع للأمم الغابرة، ولما قال: «فاعتبروا يا أولي الأبصار». ألا يعرف الأستاذ الباحث أن «المثل التاريخي» هو سيد حجج الخطاب السياسي من عصر أرسطو إلى اليوم، وأن السياسي كسائق السيارة وجهه نحو الأمام (المستقبل) وعينه لا تكف عن التردد على مِرآة تعكس ما جرى ويجري في الخلف / الماضي. الأستاذ لا يجهل هذا عمليا، وإن لم يَعِه نظريا، ولكن اللجاجة والسعي لإرباك الخصم والتقليل من شأنه يوقعُ في مثل هذه المزالق التي لا تليق بالمثقفين.
أما بعد، لقد كانت الجلسة مهمة، وكنا حريصين على سماع كلام علمي موضوعي، ولكن السيد الوزير لم يستحضرنا، فأطلق العنان للسانه، فكان من الإنصاف أن نصارحه برأينا ونبثه انطباعنا، بل انزعاجنا. وإذا ما عاد لمشاهدة البرنامج بهدوء فسيعذرنا. والمؤمن مرآة لأخيه: لعله ينظر وجهه من خلالنا.

11/2/2014