كسر الخاطر

من يأخذ الكتاب بقوة؟

عبد الحميد جماهري

لن نعرف بالضبط كم رقم المعاملات التي ستنجم عن معرض الكتاب الذي افتتح يوم أمس بالدارالبيضاء. لكن الذي سيبقى ولا شك، بعد أن تشتغل آلات الحساب وعقول الصيارفة، هو موقع الكتاب في الحياة الوطنية، على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعات.
والجواب عن سؤال موقع الكتاب مرتبط بمدى حضوره في الحالة الذهنية وانتشاره في الفضاء العمومي واتساع دائرة القراء . وهي كلها عناوين تكشف، في الحالة المغربية عن ضعف القراءة والانسحاب التدريجي للكتاب من تقدير الرأسمال الرمزي المغربي، وانتصار أسئلة القلق المادي الملموس على القلق المعرفي والوجودي الذي يحبل به الكتاب، رواية أو شعرا أو فلسفة أو قصة قصيرة أو قصص الرحلات..
لقد انتبهنا أننا بدأنا ننسحب من دائرة الضوء مع الكتاب تدريجيا، عندما سلمنا في لحظة من لحظات التدحرج الحضاري أن اللجوء إلى العقل الذي يأكل الكتب لا يعلمنا كيف نلجأ إلى الأسنان التي تعرف كيف تأكل الكتف ..
وفي المسافة بين الرأس والكتف، ضاعت الأمة!!
لننتبه، كم من واحد مازال يجد بالفعل لذة في أن يحيل في تفكيره على الكتاب أو على صاحبه؟
كم من أحد في الشخصيات العمومية يمكنه أن يقدم جردا بقطع الخيال التي نماها الكتاب أو لائحة بأسماء القارات الفكرية الجديدة التي زارها عبر الحرف؟
لننتبه كم سياسي مازال قادرا على أن يجعل من الأفق الثقافي إمكانية لتحرير الإنسان ومن الثقافة معركة تستحق أن تخاض، ومن الفكر مياها غير مجهولة يمكن للبلاد أن تسبح فيها..؟
ولننتبه كم أستاذا مازال يؤمن بأن هناك علما جميلا خارج المقررات التي يستظهرها بفعل العادة، وكم إطارا في الدولة أو في المجتمع يعتبر أن القراءة رياضة ذكية في عالم يقوم على المعرفة وعلى تداول المعلومة والعلم؟
لننتبه، أيضا، كم منا يعتقد بأن تربية الضمير، بقيم الكتاب مازالت مجهودا بشريا مطلوبا للرفع من الكينونة وإخراجها من الذكاء البهيمي للصيارفة؟
وفي الإنتاج، كاقتصاد أساسي في دورة المعرفة والعلم، مازالت كل مفاصل الآلة الرافعة للكتاب تعاني، وتضاف إلى ما سبق، معاناته، كمقاولات (وأتحدث أساسا عن الناشرين) مثلها في ذلك المقاولات الأخرى التي تعيش الاختناق الاقتصادي وضعف التسويق وصعوبة التواجد. وهو ما يفسر اليوم غياب ناشرين كثيرين عن المعرض الحالي.. وربما سيزداد الوضع سوءا في المستقبل.
كل الأرقام بخصوص القراءة تعري عن جغرافيا واسعة من الشفوي ومن العابر من القراءة،
وأحيانا عندما تفكر في ما يقرأه الذين تعرفهم في مراكز حساسة في الحياة، تتساءل كيف كانوا قادرين على النطق والعيش في حياتنا..
لقد سقطنا في فخ، عندما انسحبنا من الكتب الإنسانية، فأصبحت الكتب الغارقة في الإنسان الغابر وحدها التي تشكل إحالة في محاكاة اليومي..
نعم، عندما نفقد القدرة على القراءة الحديثة لا نفعل سوى محاكاة اليومي..!
لقد سكتت الكتب وتحدثت الألسن بالجهل،
وسكتت الكتب وسارعنا جميعا إلى مقبرة واسعة اسمها الماضي..!
كل كتاب يظل مغلقا لا يقرأ يعني أن موتى ما مازالت أمامهم حياة طويلة..!

عن جريدة ا.ش..2/14/2014