مناظرة غير مسبوقة أدارها الباحث الفقيد العيادي .. عندما واجه الفقيد محمد جسوس الأمين العام السابق للبيجيدي العثماني رفقة الرميد والريسوني

مناظرة فريدة وغير مسبوقة دارت بين السوسيولوجي الكبير، المرحوم محمد جسوس بصفته أستاذا في علم الاجتماع وعضوا في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي والإسلامي الدكتور سعد الدين العثماني الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية حول «الحركات الإسلامية في المشهد السياسي»، وذلك أمام الملايين من المغاربة عبر برنامج «مناظرات» الذي كانت تبثه القناة الثانية وينشطه الأستاذ الجامعي والباحث في التاريخ الراحل محمد العيادي.
وقد أبان الراحل محمد جسوس، خلال هذه المناظرة، عن علو كعبه ودقة تحليلاته وتدخلاته، وظهر قويا وواضحا وهو يدافع عن قضايا «الحداثة» و«العلمانية»، دون مواربة، إذ اعتبر الحداثة هي العقلانية التي تعني الإيمان بأن التاريخ لا مفر منه ، وسيستمر، وأن الإنسان «في الحداثة» هو مركز الأشياء، وصانع التاريخ والمجتمعات والمعجزات…( فإذا كانت المجتمعات العربية و الإسلامية- على حد تعبيره- لم تراهن على الحداثة بصفة جريئة بسبب الخوف منها ومن التاريخ- وهو الأمر الذي اصطلح عليه باللبس العام- فإن هذا الخوف من التغيير ومن المستقبل ومن الاندماج في العالم هو الأقوى
عند الحركات الإسلامية.

> محمد العيادي: سيداتي سادتي مشاهدينا الكرام, السلام عليكم ومرحبا بكم في برنامج «»مناظرات»« الذي يستضيف اليوم الأستاذ محمد جسوس وهوأستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس، والدكتور سعد الدين العثماني وهو طبيب نفساني وخريج دار الحديث الحسنية.
ضيفا مناظرة اليوم هما كذلك مسؤولان سياسيان في أعلى مستوى داخل أحزابهما. الأستاذ محمد جسوس هو عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والدكتور سعد الدين العثماني هو نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية. وهكذا فإن ضيفينا مؤهلان بامتياز لتحليل موضوع مناظرة اليوم التي نخصصها لـ «»الحركات الإسلامية في المشهد السياسي««.
*الأستاذ جسوس, بروز الحركة الإسلامية في المغرب في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات يشكل حدثا سياسيا مهما, كيف يمكن تفسير ظهور هذه الحركات وتطورها, خاصة من الناحية السياسية والسوسيولوجية؟


> محمدجسوس: هذه الحركات متعددة وتعتمد على مصطلحات كثيرة لوصف نفسها. وقد برزت هذه الحركات في نهاية الستينيات على الخصوص بارتباط مع الأزمة السياسية: أزمة التمثيل والمشاركة السياسية التي كان يعرفها المجتمع المغربي وبارتباط كذلك مع الفشل الذي بدأ يبرز بوضوح فيما يخص نموذج التنمية أو التطور الاقتصادي أو الاجتماعي وما أدى إليه من تهميش للعديد من الفئات في البوادي وفي المدن, أصبح فيه المجتمع يعرف نوعا من التفكك ونوعا من التهميش, برزت حركات تعبر عن احتجاجها على هذا النوع من التطور، وبالتالي على النموذج الحداثي الذي يختفي وراءه وكذلك على بعض المرجعيات التي يعتمد عليها هذا التطور خاصة منها ما يتعلق بالحضارة الغربية الأوربية التي عرفناها عن طريق الاستعمار الفرنسي والاستعمار الإسباني.


> محمد العيادي: الأستاذ العثماني كطرف فاعل في هذه الحركات وكمناضل فيها , عشت تاريخها منذ البداية, هل يمكن أن تعطينا من الداخل كيف عشت نشأة هذه الحركات وما هي الظروف التي تحكمت في بروزها؟


> سعد الدين العثماني: بسم الله الرحمان الرحيم, أولا عندي ملاحظتان, الأولى أنني أعرف الحركات الإسلامية كالتالي: هي مجموع الجهود الفردية والجماعية الرسمية والشعبية التي تهدف للإصلاح, سواء أكان إصلاحا اجتماعيا أو إصلاحا ثقافيا فكريا أو كان إصلاحا سياسيا من منطلق المرجعية الإسلامية. أما الملاحظة الثانية فهي أن الشعب المغربي ومنذ دخل الإسلام إلى المغرب وجميع الحركات الإصلاحية التي تتعاقب, سواء كانت تهدف إلى إصلاح تربوي اجتماعي أو كانت تهدف إلى إصلاح سياسي أو تطمح إلى اخراج المستعمر، وكذلك عمليات الجهاد المتوالية منذ دخول البرتغال والإسبان الذين استولوا على الشواطئ إلى الاستعمار الفرنسي كانت تنطلق من مرجعية إسلامية. ومن هنا تندرج الكثير من الحركات المتعاقبة. ويمكن أن أقول إنه حتى عبد الكريم الخطابي جزء من حركته هو حركة إصلاحية دينية, على أساس أنه خريج القرويين ومارس القضاء في مليلية وكان قسمه حسب ما أتى به أبو بكر القادري في كتابه «»رجال عرفتهم»أعاهد الله على أن أدافع عن ديني ووطني و شرفي الى الموت وأعاهد الله أن التزم بتنفيذ الأحكام الشرعية التي يأمر بها القرآن و السنة النبوية…«. والحركة الوطنية قبيل الاستعمار هي حركة سلفية انتقلت إلى حركة وطنية، ومن بين العناوين التي استعملها علال الفاسي «»من السلفية الى الوطنية« «وهكذا كتب الكثير من الذين أرخوا للحركة الوطنية فهي كحركة إصلاح دينية سلفية في البداية. بعد الاستقلال كان هناك انفصام بين نخبتين: نخبة تريد بناء المغرب المستقل الجديد على أساس مبادئ الدين ونخبة تتمثل أكثر المبادئ الغربية على حساب المبادئ الدينية, وكان هناك صراع ونوع من الانفصام, فالحركة الإسلامية هي في الحقيقة رد فعل على هذا الانفصام الذي وقع.

> محمد العيادي: لكن ألاحظ أنك تضع ارتباطا بين هذه الحركة والحركات السياسية السابقة, ذكرت عبد الكريم الخطابي والحركة الوطنية السلفية ولم تذكر العلماء الذين كانت لهم بعض المواقف، فسابقا التعبير الديني والعلمي الفقهي كان يتم عن طريق العلماء فرادى, بينما بعد نشأة هذه الحركات أصبح التعبير الديني يأخذ شكل تنظيمات ثم جمعيات أو أحزاب؟.
> محمد جسوس: هذه نقطة مهمة في حد ذاتها, إما أننا نستعمل مفهوم الحركات الإسلامية بمعنى عام، وفي هذه الحالة بشكل قوس قزح يغطي كل أشكال المواقف السياسية والاجتماعية في المغرب، وإما أننا نستعمله بمعنى مضبوط أكثر وهنا يشير فقط إلى بعض أشكال ردود الفعل. أتفق مع الأستاذ سعد الدين في أن الأمر هو رد فعل على التطور المعكوس الذي فشل في حد ذاته في ادماج العديد من الفئات داخل المجتمع، فشل في استكمال تحرير التراب المغربي، فشل في بناء الدولة الوطنية الحديثة الديمقراطية وفشل في تحقيق التعاقد الذي حدث بين الحركة الوطنية وبين المرحوم محمد الخامس رحمه الله. أعتقد أن الحركات الإسلامية هي أحد أشكال التعبير عن هذا الاحتجاج العام حول نموذج أن نمط التطور الذي عرفه المجتع بعد الاستقلال والذي يتسم على الخصوص بالسمة الآتية: إن المغرب – وهذا أقوله دائما – من البلدان القليلة في العالم التي لم تمارس فيها الحركة الوطنية السلطة السياسية بعد الاستقلال.


> محمد العيادي: ألا يمكن في هذه المرحلة الحديث عن التأثيرات الخارجية، ألاحظ مثلا أن حركة الإخوان المسلمين ليس لها وجود في المغرب بالرغم من أن أفراد من هذا التنظيم كانوا في المغرب إما في إطار المدرسين الذين عملوا بالمغرب والذين غادروه بعد حرب الحدود بين المغرب والجزائر في 1963، أو في ما بعد الذين حضروا للتدريس في كليات الآداب في السبعينيات وكانوا ينتمون إلى حركة الإخوان المسلمين. و لكن هذه الحركة وبالرغم من وجودها في الكثير من الدول العربية وحتى غير العربية لم يكن لها وجود في المغرب, بينما نجد تأثيرات أخرى أجنبية من الباكستان وغيرها…
> محمد جسوس: لا، من المؤكد أن هناك تأثيرات. هناك أولا ما يسميه المغاربة بالباكستانيين, والذي تجلى في البداية في سيدي بليوط عن طريق أهل الدعوة والتبليغ، هناك كذلك ارتباطات كانت مهمة مع الحركة السلفية في المشرق، ربما ليس عن طريق الإخوان المسلمين ولكن عن طريق الاسهامات الفكرية التي كانت امتدادات للإخوان المسلمين أو امتدادات لحركات الإصلاح والتجديد الفكري العام مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده…
> محمد العيادي: هذا بالنسبة لعلال الفاسي والحركة الوطنية, لكننا نتكلم الآن عن الحركات الإسلامية، بالنسبة لكم هل كان هناك تأثير؟


> سعد الدين العثماني: أريد أولا أن أعلق على القول بأن الحركة الإسلامية حركة احتجاجية. في رأيي الحركة الإسلامية كان لها دور احتجاجي ولكنها ليست حركة احتجاجية، بمعنى أنه كانت لها أدوار أخرى، فجماعة الدعوة والتبليغ التي ذكرها الأستاذ قبل قليل ليست حركة احتجاجية, بل هي حركة إصلاح دعوي, والعدد الأكبر من الحركات الإسلامية هو حركة إصلاح ثقافي وتربوي ودعوي من طرف اسلامي, والجانب الاحتجاجي موجود في بعضها و الكثير منها. جذور الحركة الإسلامية لابد متأثرة بالفكر الوافد من خارج المغرب، الفكر الإسلامي سواء كان فكر النهضة بما فيه محمد عبده والأفغاني ورشيد رضا بالأساس، أو الفكر السلفي أو فكر الإخوان المسلمين, وهذا ليس غريبا عن المغرب الذي كان طيلة فتراته متأثرا بالفكر المشرقي ولكنني أقول» جذور الحركة الإسلامية المغربية أكثر وأكثر من جذورها المشرقية.


> محمد العيادي: اقترح عليكم هذين الاستجوابين مع مصطفى الرميد وأحمد الريسوني حول الحركات الإسلامية التي هي موضوع حلقة اليوم.


> مصطفى الرميد: الحقيقة أن الحركة الإسلامية في المغرب من حسن حظها أنها حركة منظمة, استفادت من تجارب اسلامية في مناطق متعددة بحكم أنها كنت نسبيا متأخرة في التأسيس بالنسبة لباقي الحركات الإسلامية. بعد التعثر الذي عرفته الشبيبة الإسلامية لعدة أسباب جاءت الحركات الإسلامية التي استفادت من هذا التعثر وحاولت أن تصوغ لنفسها منهجا يمكن أن نقول بدون مجازفة إنه راشد، والرشد في نبذ العنف الذي لطالما جر على حركات اسلامية أخرى مشاكل لا حصر لها.


> أحمد الريسوني: ظهرت في الستينيات عدة جمعيات محلية ,أحيانا في تطوان وشفشاون ووجدة والرباط والدار البيضاء، كما ظهرت جمعية بارزة واشتهرت لارتباطها بعدد من الأحداث وهي جمعية الشبيبة الإسلامية, بعد ذلك ظهر اثر جمعية التبليغ في الستينيات وبداية السبعينيات بالإضافة الى ما عرف آنئذ وإلى اليوم بالحركة السلفية أو الحركة الوهابية. في الثمانينيات والى الآن بدأت تتبلور المجموعات الكبيرة. وهكذا ظهرت أيضا جماعة العدل والإحسان واستقطبت عددا من الشباب من هنا وهناك من من كانوا منتمين أو لم يكونوا منتمين. وظهرت الجماعة الإسلامية التي انبثقت في خطوات تصحيحية، عن جمعية الشبيبة الإسلامية. وظهرت أيضا في التسعينيات رابطة المستقبل الإسلامي التي جمعت عدة جمعيات وفصائل اسلامية. وعن رابطة المستقبل الإسلامي وجمعية الجماعة الإسلامية أو حركة التجديد والإصلاح في ما بعد انبثقت حركة التوحيد والإصلاح التي حملت هذا الإسلام منذ الوحدة الاندماجية بين التنظيمين سنة 1996. هذه الجماعة أو الحركة هي التي تميزت وميزت مسار الحركة الإسلامية في المغرب بدخولها في عمل حزبي وفي عمل سياسي أيضا. وفي سنة 1996 انعقد المؤتمر الاستثنائي لحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية وكان الداعي لهذا المؤتمر الاستثنائي والمميز له هو دخول عدد كبير من أبناء حركة التوحيد والإصلاح في هذا الحزب.


> محمد العيادي: الأستاذ جسوس ما قلته سابقا عن التنوع في التسميات والمرجعيات والآن هذه الشهادات تبين كذلك التنوع في التنظيمات.


> محمد جسوس: أعتقد أن هذا التنوع يتكاثر بحيث اذ أحصيت التنظيمات التي لها اشعاع جهوي أو وطني تجد العشرات. لكن الأساس في هذه التنظيمات هي العدل والإحسان من جهة، والتوحيد والإصلاح أو حزب العدالة والتنمية من جهة ثانية، ثالثا هناك أهل الدعوة والتبليغ، رابعا نجد هذا التيار الجديد الذي لا نعرف مدى أهميته في المجتمع المغربي والذي يسمى نفسه بالسلفية الجهادية, بالاضافة الى تنظيمات أخرى مثل البديل الحضاري والحركة من أجل الأمة إلخ.. تعدد هذه التنظيمات هو تعدد على عدة مستويات: هو تعدد على صعيد القيادات وتعدد على صعيد بعض المواقف, حيث نلاحظ في بعض الميادين أن هناك تعاونا و تنسيقا وتقاربا بين هذه التنظيمات وفي قضايا أخرى نلاحظ أن هناك اختلافات، واحيانا اختلافات ليست سهلة. يبقى الاشكال مطروحا عندما نتحدث عن الحركات الإسلامية. أعتقد من الأفضل أن نتحدث بصفة الجمع وأن نميز كل تنظيم وكل قضية على حدة, لأن هناك تقاربا بين هذه القضايا ولكن هناك كذلك اختلافات.


* محمد العيادي: ما يعقد المسألة هو أنه بالاضافة إلى التنظيمات والجمعيات, هناك أفراد ورجال دعوة لا تربط بينهم أية رابطة تنظيمية وهذا ما يسمى بالتيار، وهم في الواقع رجال دعوة محليون. الأستاذ العثماني أنت داخل حركة من هذه الحركات ما هي نظرتك الى الحركات الأخرى؟، ما هي أنواعها؟ ما هي العلاقات بينكم؟ في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات عندما نشأت هذه الحركة هل كان هناك تعدد، وبعد ذلك وقع توحيد هذه الحركات؟ أم هل نشأت الحركة ثم تفرعت بعد ذلك الى حركات؟


> سعد الدين العثماني: أولا حركة الإصلاح ليست من فروع الشبيبة الإسلامية، نقطة ثانية الحركة الإسلامية كما قلت منذ قليل هي مجموع الجهود التي تعمل للإصلاح من منطلق المرجعية الإسلامية, والتنوع ليس سلبيا وليس سيئا ولا ننظر إليه كذلك, ولكن هناك نقطة أخرى هي أن هذه الحركات لم تأت من جذع واحد, فأحيانا تنشأ جمعية في مدينة وفي نفس الوقت تنشأ جمعية في مدينة أخرى لنفس الأهداف الدعوية دون أن يلتقي أفرادها ولا يعرف أحد, ومع تطور الأمور يتعارفان, قد يتوحدان, قد ينسقان وقد يبقيان في مسارهم الدعوى.


* محمد العيادي: تكلمت عن الاختلاف ولكن نحن الآن لسنا في باب الاختلاف الفكري والاجتهادات النظرية والكلامية المتعلقة بتأويلات النصوص لكنها اختلافات، أساسا، تنظيمية وسياسية كذلك, هذا هو ما يميز هذه الحركات فيما بينها.


> محمد جسوس: هناك فوارق مهمة مثلا بين العدل والإحسان الذي ترفض قيادته الى الآن الاندماج في النظام السياسي الحالي مثل المشاركة في الانتخابات والبرلمان والمشاركة في الحياة المؤسساتية المنظمة بحكم الدستور وبحكم القوانين التي تنظم الحياة السياسية العامة, هناك اختلاف بين العدل والإحسان من جهة و بين حركة الإصلاح والتجديد أو حزب العدالة والتنمية من جهة ثانية، واترك للأستاذ العثماني أن يفسر هذا الختلاف. ولكني أشير إلى أن هناك كذلك تيارات أخرى, فأهل التبليغ يبدوا أنهم يركزون بالأساس على المجال التربوي والمجال الدعوي وربما يهتمون بالبادية أكثر من غيرهم من التنظيمات. كذلك أشير مثلا الى الزاوية البوتشيشية التي هي زاوية, لكن بمثابة حركة, ربما ليست لها إلى الآن أسس سياسية كما لم تكن قبل تأسيس حزب العدالة والتنمية مواقف سياسية واضحة للتنظيمات التي ينتمي إليها الأستاذ العثماني. أعتقد هناك تعدد وتنوع وهذا ليس بجريمةوليس مشكلة, لكن هذا يطرح علينا تحد فيما يخص التحليل فقط, حيث يفرض علينا من باب النزاهة الفكرية أن نحتاط كل الاحتياط لكي لا نعمم أكثر من اللازم وأن لا نختزل الأمور أكثر من اللازم.


> سعد الدين العثماني: الاختلاف الفكري والنظري هو الذي يحدد المواقف، مثلا قضية المشاركة السياسية, هناك التيار الإسلامي أي الحركات الإسلامية، وهناك التيار اليساري الذي توجد بداخله مجموعة من التنظيمات والأطراف التي ترفض المشاركة السياسية. هناك أطراف شكلت احزابا وتقاطع الانتخابات وهناك أطراف تشارك التيار الإسلامي, نفس الأمر فهي جزء من المشهد العام مثل جميع التيارات, لها اجتهادات مختلفة في مقاربة أشكالية الإصلاح السياسي. هناك من يقول أن الإصلاح داخل المؤسسة لن يجدي وهذا اجتهاد ونحن نعتبره كذلك. وهناك من يريد أن يصلح من داخل المؤسسة لكن شروط انجاح الإصلاح غير مكتملة, وهذا ما تميل له جماعة العدل والإحسان. أما نحن فنرى أنه لا يجب انتظار استكمال الشروط بل يجب انضاجها من خلال المشاركة. كنت أتمنى أن تثار قضية أخرى فأغلب التيارات الإسلامية تنبذ العنف, يمكن أن تكون هناك بعض الفصائل التي تتبنى العنف مثلا وهي حركات معزولة ومحدودة داخل صف الحركة الإسلامية ومرفوضة من قبلنا 100%.


> محمد العيادي: هناك اجتهاد فيما يخص الموقف من النظام السياسي ومن المشاركة في الانتخابات وهناك اختلاف على المستوى النظري والفكري، مثلا الموقف من الديمقراطية قبل أن نتطرق لهذه المواضيع اقترح عليكم رأي وليام زلمان وهو من المتخصصين في تاريخ المغرب السياسي.

> وليام زالتمان: إن الإسلاميين المغاربة مثلهم مثل الإسلاميين الآخرين في البلدان الأخرى لهم عدة تيارات في هذا الاتجاه. ويقال إنه ليس هناك شيء ادعى للاختلاف أكثر من الاختلاف حول السعي للوحدة الدينية، إذ عندما نريد أن نشرح الوحدة الدينية يقع الاختلاف على ذلك إلى ما لا نهاية له. إن الدين عندي مهم جدا بالنسبة للإنسان, بالنسبة للأفراد وأعتقد أن الدين بالنسبة للمسلم كما هو الحال بالنسبة لغيره من معتنقي الديانات الأخرى هو عامل إلهام إيجابي جدا, لأنه يمس علاقة الإنسان بالله وعلاقة الإنسان بغيره من البشر. إذن فأنا أعتقد أن للدين دور مهم بالنسبة للبشر شريطة أن يقبلوا بحكم صناديق الاقتراع، وكيفما كان الدين فإنه عندما يدعي حزب ما بأنه يحكم لأن الله هو الذي فوضه لذلك وأن صناديق الاقتراع لا أهمية لها, حين ذلك يمكن القول بأن هناك خطرا على الديمقراطية. لهذا أقول أنه في الامكان أن تكون هناك أحزاب دينية, غير انها يجب أن تخضع لحكم صناديق الاقتراع. فعندما يدعي حزب ما امتلاكه وحده للتفسير الديني للناس ويقول أن المؤمنين الآخرين خاطئون فإن ذلك لا يؤدي إلا إلى التقسيم وإحداث الشقاق في المجتمع, لأنه يفرض نوعا من الاحتكار على الدين الذي هو في الحقيقة عقيدة وطنية مشتركة بين كل المواطنين، كما هو الحال بالنسبة للإسلام في المغرب، لذا فإننا عندما نقبل بوجود حزب سياسي ديني فإننا نتعرض لخطرين كبيرين اثنين، خطر الاستفراد بالشرعية الدينية من جهة، وخطر احتكار الدين من جهة أخرى. فأن ينتظم المسلمون داخل حزب سياسي مثلهم مثل غيرهم لا يطرح أي مشكل بالنسبة للديمقراطية. الخطر في وجود حزب يدعي أنه حزب اسلامي يحتكر الشعور الديني. أن وجود حزب مثل هذا الحزب يتناقض مع الديمقراطية.

> محمد جسوس: اعتقد أن هذه من المشاكل الكبرى التي تتطلب حوارا وطنيا واسعا بين كل الغيورين على هذا البلد لأن من حظ المغرب أن فيه وحدة المذهب المالكي وأنه لا توجد عندنا أقلية مسيحية ولا أقليات دينية أخرى ماعدا اليهود الذين كان لهم نظام خاص بهم, وأن هوية المغرب تبدأ وتمتد وتستمر إلى تصل الى ما تصل إليه دائما حول المرجعية الإسلامية. إذن الإسلام هو ما يجمعنا. فالإشكال هو عندما يأتي حزب ما ويعطي لنفسه صفة »»الإسلامية»« وليس هذا فقط ولكنه يتميز عن الأحزاب الأخرى, لأن لديه مواقف خاصة به. نجد أنفسنا أمام خلط بين الإسلام والمسلمين بينما هو مشترك بين كل المسلمين وبين ما هو خاص ببعضهم. إذن الاشكال المطروح هنا هو بالدرجة الأولى أن نحدد ما هي الثوابت بالنسبة للإسلام التي لا نقاش فيها وما هي الأشياء الأخرى التي هي موضع اجتهاد. أعتقد أن الجزء الكبير من المشكل راجع إلى كون المغرب والمجتمع المغربي بصفة عامة كان مجتمعا متشبثا إذا لم أقل متزمتا، خلال مدة طويلة ولم ينتج ما يكفي من الاجتهادات على قدر ما يخص تجديد الفكر الديني وامتداداته على المستوى السياسي والاجتماعي.

> محمد العيادي: الأستاذ العثماني فيما يتعلق بقضية الديمقراطية, هل وجود حزب اسلامي يدعي الاطلاقية في التفكير يتعارض مع الديمقراطية التي هي مبنية على النسبية والتعددية؟

> سعد الدين العثماني: أنا أثمن أولا ملاحظة ذكرها الأستاذ جسوس هي أن أي دعوة إصلاحية في المغرب لا يمكن إلا أن تنبني على مرجعية اسلامية, بحيث أن الإسلام هو المشترك بين جميع المغاربة. فيما يخص زارتمان في تصريحه الذي سمعناه منذ قليل يبدو في الحقيقة أنه متأثر بالفكر الكنسي، لماذا؟ لأنه عندما يتحدث عن الاستفراد في الشرعية الدينية يتحدث عن الحكم بتفويض من الله وهي أمور لا وجود لها في الإسلام، لا يمكن في الإسلام أن يحكم أحد بتفويض من الله…
> محمد العيادي: هناك بعض المجتهدين في الحركات الإسلامية وبعض المنظرين الذين يقولون أن القول بالديمقراطية وبحكم الشعب ليس له أية علاقة بالمرجعية الإسلامية؟

> سعد الدين العثماني: لنناقش نقطة بنقطة. سأعبر عن فكر القطاع العريض من الحركة الإسلامية، ففي كل الحركات والتيارات هناك دائما الأفكار الجانبية أو لنقل »الشاذة« ,بينما الغالبية الكبرى من الحركات الإسلامية تؤمن بالديمقراطية ايمانا راسخا وهذا قد كتب حوله القدامى مثل محمد عبده ورشيد رضا الذي أكد أن الأمة هي مرجع السلطات، وقد أطال في هذا الموضوع كثيرا. هذه الجماعات تؤمن بأن السلطة يجب أن تستمد من الأمة ومن الشعب.

> محمد العيادي: في هذه الحال ما هو الفرق النظري بين الحركة الإسلامية والحركة السلفية التي لها امتداد سياسي في المغرب في إطار حزب الاستقلال؟

> سعد الدين العثماني: الفكر الذي تحدث عنه علال الفاسي في العديد من كتبه هو امتداد للسلفية النهضوية المعروفة,وهو فكر نتبناه جملة وتفصيلا. نتبناه من حيث منهجه العام، يمكن أن تكون هناك اختلافات في الجزئيات لأن الأمر يتعلق باجتهاد بشري, لكن كفكر سياسي عام يؤكد أن في الإسلام السلطة هي للأمة التي تعطي السلطة للحاكم وهي التي تنزعها منه من صناديق الاقتراع, يجب أن تبرز الهيئات التشريعية والناس الذين يمارسون الحكم أما بوجود الاختلاف داخل نفس الأمة, فهذا عاشت عليه الأمة الإسلامية. وأقول أن الفكر الغربي طوره وانتهى الى الشكل الديمقراطي الذي يعيشه الان ولا ضير في الأخذ به مادام أن المبادئ العامة مقبولة.

* محمد العيادي: ما أريد أن أقوله هو أن هذا الموقف يعبر عن موقف تيار معين ولا يمكن أن نقول أنه هو الموقف العام بالنسبة للحركات الإسلامية.

> محمد جسوس: هذا هو الإشكال العام والمركزي, فمن يتحدث باسم الحركة الإسلامية اليوم في المغرب؟ فهناك من جهة صوت صارخ وقوي هو صوت لأستاذ عبد السلام ياسين, وهو صوت متميز لا يتلاقى إلا جزئيا مع ما قاله الأستاذ سعد الدين العثماني, فالأستاذ عبد السلام ياسين يطعن في شرعية النظام في حدود معينة ويؤمن بالشورى و يعتبر الديمقراطية وكأنها شيء مستورد. وألاحظ خاصة أن الثقافة السياسية التي بدأت تصاحب انتشار الحركات الإسلامية هي ثقافة سياسية تنبنى على المطلقات وعلى الإطلاقيات, وتنبني في كثير من الأحيان على اعتبار من كان يخالفك كما لو كان خصما لك. هذه النظرة. ليست مجرد آلية، الأمر هنا يتعلق بمنظومة فكرية ومنظومة مجتمعية في أكملها وهو ما اسميه الحداثة. الحداثة بالأساس هي التاريخ الحديث الذي انجز العديد من الأفكار وتجاوز تلك الأفكار ونقد النقد والنقد الذاتي باستمرار وتطور العلوم والتكنولوجيا والمؤسسات والاجتهاد والتغير والاختلاف وحتى الصراع هو القاعدة, لأنه عن طرق الاختلاف والصراع يحدث التقدم والتطور، أعتقد أن الأساسي في نقاشنا هو هذا. يبدو لي أن الثقافة السياسية التي تصاحب الآن انتشار الحركات الإسلامية لم تتحدث ولم تستوعب الأسس الفكرية لمسألة الديمقراطية ولمسألة الحداثة بصفة عامة, وبالتالي نجد أنفسنا في موقف حرج هو التالي: عندما نناقش بعض الأشياء بالنسبة لي الأمر يتعلق بمناقشة فكرية علمية, ولكن بالنسبة للعديد من مخاطبي يعتقدون أن الأمر يتعلق بقضايا اطلاقية ودينية ليس من حق إلا الفقهاء والعلماء التحدث فيها. ومن هنا يأتي الخلط بين الإسلام من جهة والمسلمين من جهة ثانية واجتهاداتهم ومجتمعهم. فالمجتمع الإسلامي شيء والإسلام شيء آخر. هذا النوع من المشاكل يتجلى عندما يتعلق الأمر بمسألة الديمقراطية وكذلك في قضايا أخرى مثل الموقف من مسألة اندماج المرأة داخل المجتمع ومسألة العلوم.

> محمد العيادي: سنعود لهذه المسائل فيما بعد، المسألة التي نناقشها الآن تطرح لنا نقطا أخرى, أولا هناك الاختلاف الواضح الذي يعرفه كل المهتمين بهذا الميدان وهو اختلاف له جانب نظري وجانب سياسي يتعلق بنموذج النظام، فهناك من يريد أن يعود الى ما يسميه بنظام الخلافة بمكوناته واشكاله كما يعرفه. وهناك من يريد أن يندرج في إطار نظام ديمقراطي. باختصار يمكن أن نقول هناك من له مرجعية الطالبان, وهناك من له مرجعية حزب العدالة والتنمية في تركيا وهناك من له مرجعية نظام السودان وهناك من له مرجعية ايرانية.. في ظل هذا التنوع ما هو موقع حزب العدالة والتنمية، بطريقة مباشرة هل هناك تأثر بالنموذج التركي؟

> سعد الدين العثماني: حزب العدالة والتنمية لم يأخذ أسسه الفكرية من تركيا.

> محمد العيادي: إذن هو نموذج مغربي؟

> سعد الدين العثماني: النموذج المغربي متميز, لأن المغرب عنده خصوصيات حتى خارج الحركات الإسلامية. فالنظام السياسي عنده خصوصية والشعب المغربي له خصوصيات والتاريخ المغربي القديم والحديث عنده خصوصيات. طبيعي إذن أن تكون لتجربته الإسلامية عدة خصوصيات تلتقي مع التجارب الأخرى في أمور مشتركة, ولكن تتميز بأمور كثيرة لا على المستوى خطابها السياسي ومقاربتها لاشكالية الاندماج في الحياة السياسية أو الإصلاح السياسي. وقد عبرت عن موقفنا من هذه القضية وأريد أن أعبر عن موقف آخر. تحدث الأستاذ جسوس منذ قليل عن العلاقة بين المطلق والمتغير, وقد أجاب بنفسه عندما قال بأن المرجعية الإسلامية هي شيء مشترك فيما هو ثابت. وأما ما هو متغير فإن كل فكر بشري هو متغير ولا يمكنه أن يرقى الى مستوى أن يكون ثابتا. فلا يمكن أن أقول أن فكر فقيه أو مجموعة من الفقهاء أو العلماء أو جيل من المسلمين عبر التاريخ أيا كان هذا الجيل يمكن أن يكون في مستوى الوحي, أي أن يكون ثابتا في الدين. ففهم القرآن والسنة عبر تاريخ الفكر البشري يمكن أن نراجعه ونطوره بعملية اجتهاد وتجديد متواصلة. أما أن يدعي شخص الصواب والمطلق والحق لنفسه فهذا لا يجوز لأحد, وإذا كان هذا موجود في حزبي فأنا أستنكره لأنه يجب أن لا يقع. ليس هناك من يدعي امتلاك الحقيقة وليس هناك من يحق له ادعاء تمثيل الإسلام أوالكلام باسم الحركة الإسلامية, لأن هذه مجموعة من جهود كثيرة ومتفرقة.

> محمد جسوس: أتمنى أن يعبر هذا الكلام كفعل عن قناعات ليس فقط بالنسبة للمسؤولين, ولكن كذلك المناضلين في الحركات الإسلامية, وخاصة في الاتجاه الذي يمثله الأستاذ سعد الدين، لأن ما ألاحظه شخصيا هو أن هذه المبادئ العامة التي ذكرها سعد الدين ويسميها اسلامية أنا اسميها حداثية, لأنها هي لب الفكر الحديث المعاصر الذي انتجته الثورة الصناعية والثورة الفرنسية والثورة ا لتكنولوجية والعلمية والثورة السياسية الديمقراطية، لب هذا الفكر وبصفة عامة أن كل الأشياء تتغير. وهنا جوهر المشكل, أين نحدد ما هي ثوابتنا التي نختلف فيها عن الفكر الحداثي بأكمله. لأن الفكر الحداثي بالفعل له صعوبة في التعايش مع أي شيء يدعي الإطلاقية أو الثبات. الثبات يمكن يكون طموحا لكن ليس واقعا. نحن نلاحظ حتى بالنسبة للإسلام أن عددا كبيرا من الأشياء تطورت عبر الزمان وتختلف كذلك في آسيا الوسطى مما هي عليه في الشرق الأوسط, مما هي عليه في الجزائر أو المغرب, وليس هذا بعيب في هذا المجال, بل هذا دليل على قدرة الإسلام والتعاليم الإسلامية على التكيف مع الخصائص المحلية في كل منطقة. واكرر الإشكال في أساسه هو ما هي حدود التغيير وما هي الثوابت, ما هي حدود الاختلاف؟ وما هو حق الاختلاف وما هي القواعد التي تنظم الاختلاف. كيف نترجم هذا على صعيد التنظيمات السياسية وعلى صعيد الدساتير ونظام الدولة والإعلام وعلى صعيد الحوار بيننا, حتى لا يبقى هذا الحوار حوار الصم؟ يجب أن نبحث جميعا عن الطرق التي تمكننا من تدبير اختلافاتنا ومن تحويلها الى أدوات للخير وأدوات للإيجابية وللبناء وللتطور وليس للنزاعات.

> محمد العيادي: قبل أن أعود لك الأستاذ العثماني, أريد أن نتكلم عن ظاهرة اصدار الفتاوى, خاصة أن كثير منها يسير في اطار التكفير, بالاضافة إلى استعمال المساجد.

> سعد الدين العثماني: أولا بالنسبة للفتوى هي رأي من فقيه أو عالم. الفتوى كلها رأي, وحسب احترام المكانة العلمية والدينية للشخص تكتسب الفتوى شعبيا مكانتها, لهذا لا يجب أن نعطيها طابعا أسطوريا ولا يمكن أن نحظر التعبير على الرأي, لأن هذا سيؤدي الى منع الناس من التعبير عن آرائهم. ولكن إذا كان المجتمع قد عرف انتشار وعي ديني وثقافي وكان فهم الدين سليما ستصبح الفتاوى شيئا عاديا جدا، كل واحد يقول رأيه. ومنذ القديم كان هناك دائما اختلاف بين العلماء بخصوص الفتاوي. في عهد مالك كان هناك الشافعي وقبله كان أبو حنيفة فبعضهم تلاميذ بعض, كان أحدهم يصدر فتوى والآخر يخالفه. أما التكفير فإنه انحراف, حين يقوم بعض المسلمين بتكفير بعض الأشخاص, فلا يجوز للمسلم أن يكفر أخاه المسلم بأي ذريعة كانت.. هذا حرام ولا يجوز ولا ينصت له. والدعاة لا يجب أن يصدروا الأحكام, فالأحكام يصدرها القضاء وهو مؤسسة مستقلة بينما الدعاة يبينون ويوضحون ويحاولون أن ينشروا توعية فكرية وثقافية ولذلك نقول في ادبياتنا نحن دعاة لا قضاة.

الشعب المغربي هو مجال المقاومة ومجال الدفاع عن القيم الأصلية والحقيقية. وأعتقد بأن في هذا المجال قد وقعت فعلا انزلاقات – مثلما نراه في مسألة العنف – أتمنى أن تكون بمثابة أحداث عابرة وألا تكون دليلا على انطلاق مسلسل آخر ومنظومة أخرى يكون فيها العنف صاحب الدور الأكبر ويكون فيها إخراج الناس من حظيرة الوطن أو الأمة بسهولة.
> محمد العيادي: مثلا مواسم الثقافة الشعبية وبعض ألوانها والحملة التي قامت ضد مهرجان العيطة. هل يمكن أن نضع قوالب محددة للابداع, للفن للسينما؟ لما يجب أن يبث في التلفزة؟ لما يجب أن يشاهده المواطن المسلم المغربي؟ أم أن هذه الميادين هي متعلقة بالدوافع المرتبطة بدينامية المجتمع وبخصوصية المجتمع والرقابة لا مكان لها في هذا المجال؟

> سعد الدين العثماني: في كل دول العالم مثلا لا يمكن للتلفزة الفرنسية أن تبث فيلما بورنوغرافيا.

> محمد العيادي: لم نصل إلى هذا المستوى وهذه المسألة غير مطروحة.

> سعد الدين العثماني: بل هي مطروحة, هناك ضوابط وهذه هي النقطة الأولى, النقطة الثانيةقضية التكفير, قلنا من قبل وبوضوح إنه لا يجب لأحد أن يكفر أحدا آخر. الدخول في الدين والخروج منه ليس ملكا لأحد إلا الله وأي انسان يحاسب من خالقه وحالتان ليستا حجة على الحركة الاسلامية لأن هذه الحركة لو تبنت تيار التفكير….

> محمد جسوس: التكفير وليس التفكير

> سعد الدين العثماني: لو تبنت تيار التكفير ستكفر كل يوم مئات الأشخاص، أما أن يقع هذا بين الحين والحين فهو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة

> محمد العيادي: ما أود الوصول إليه هو مسألة عامة في العالم المعاصر, خاصة في ظل انتشار وسائل الاتصال, هل الرقابة ناجعة سأطرح عليكم رأيا لأحد مؤرخي الفكر الاسلامي وهو عبد المجيد شاطر.

> عبد المجيد شاطر: دعوات التكفير التي راجت في عصرنا والتي كانت موجودة في عصور اسلامية قديمة كذلك لا ينبغي أن نأخذها على أنها حديث بإسم الاسلام بقدر ماهي مواقف ايديولوجية ومصلحية لا شأن لها في كثير من الأحيان بالاسلام ذاته، ولذلك فوراء كل حكم من أحكام التكفير ينبغي أن نبحث عن ماهو غير ديني إما مصلحي أو غير ذلك. أما الرقابة على الابداع فأقل ما يقال فيها أنها تدل على غباء سياسي في عصرنا على الأقل. أن الرباقة بالتأكيد غير مجدية ولم تكن مجدية في القديم وهي في عصرنا مع وسائل الاتصال الحديثة لا يمكن أن تمنع الآراء من الانتشار. إن قوة الرأي أقوى من رأي القوة.

> محمد العيادي: رأيك الأستاذ جسوس فيما يتعلق بنجاعة الرقابة في مجتمع يعرف عولمة على الأقل على المستوى الاعلامي.

> محمد جسوس: سواء كأستاذ أو كأب أو كمواطن أرى أن الرقابة كما قال الأستاذ شاطر غير ناجعة وغير مشروعة ولا حق لأحد فيها, اعتقد اليوم وخاصة في الظروف التي نعيشها أن الانسان مؤهل ويجب أن نؤهله أكثر لكي يدقق ويميز ويختار الأصلح، فالتجربة في هذا الميدان أكدت أن المغاربة لهم قدرة كبيرة على التمييز, وبالتالي ما عدا بعض الضوابط الخفيفة، حيث لكل مجتمع بعض الضوابط والثوابت – فالبقية يجب أن تترك لقدرة الانسان على التمييز. وهناك من جهة أخرى المحاكم والوسائل القانونية إن استدعى الأمر ذلك، وما عدا ذلك لا أرى فيه إلا نوعا من الظلامية والتظليم ومن المزيد من خنق الانسان , أملي في الحياة ودوري كأستاذ هو أن نوعي الناس «عينو ميزانو« « لكي يصنعوا ويفكروا ويصلحوا ويحققوا وأعتقد أن هذا ممكن. نريد أن نفتح عيون الناس »و»كروشهم« «كذلك.

* سعد الدين العثماني: ليس لدي ما أقوله بعد تدخل الاستاذ جسوس فأنا متفق معه، لأنه إذا استثنينا الضوابط المتفق عليها اجتماعيا وسياسيا وقانونيا وأخلاقيا التي هي من ثوابت البلاد, فبطبيعة الحال لا معنى لأن يكون هناك تضييق على حرية الفكر والإبداع. وحرية النشر يجب أن تكون على أوسع نطاق إذا استثنينا هذه الضوابط المتفق عليها اجتماعيا بمعنى أن المجتمع اتفق عليها ومتفق عليها. كذلك سياسيا من طرف القوى السياسية ومتفق عليها تشريعيا أي صدرت في قوانين رسمية.

> محمد العيادي
اقترح أن نمر إلى مسألة أخرى خلافية هي قضية الموقف من العلمانية , ما رأيكم في هذه المسألة وأقترح أن نأخذ في البداية رأي طارق رمضان في هذا المجال .

> طارق رمضان: أعتقد أنه من الضروري التخلي عن المقاربات الماهوية عندما نتكلم عن العلمانية, بالنسبة للبلدان الاسلامية يجب أن نتجنب ذلك لأنه بمجرد ما نطرح السؤال: العلمانية والبلدان الاسلامية, فهذا يعني عند البعض التلاؤم التام وبالتالي انحلال الواحدة داخل الثانية أو يعني عند البعض الآخر التضاد التام بين الاسلام والعلمانية. وفي هذه الحالة فالنتيجة هي الحرب بين الاثنين. إني أعتقد أنه من الواجب التوقف عن هذه المقاربات الماهوية, يجب التوقف عن القول بأن الاسلام هو كذا والعلمانية هي كذا. إذا حدث وقام أحدكم بجولة في أوربا فإنه سيدرك أنه ليست هناك علمانية واحدة بل علمانيات متعددة وسيدرك أن العلاقة مع المبادئ العلمانية تختلف باختلاف البلدان وباختلاف تاريخ كل امرأة وكل رجل يعرف أن هناك تعددا مقبولا في تاريخ الاسلام وفي التقاليد الإسلامية، إنه تعدد مقبول في طريقة رجوعنا إلى الأصول، بالطبع أن الأصول في الاسلام واحدة لكن هناك تعدد مقبول, لهذا يجب أن نطور تفكيرنا كمسلمين لأن سبب تعثرنا أحيانا هو المصطلحات وليس المضمون… هناك عبارة عربية تقول »العبرة بالمسيات لا بالأسماء,« بمعنى أن العبرة في المضمون لا في العبارات التي نستعملها. يتعثر البعض أمام الكلمات فيتعطل تماما عن التفكير، ليس هناك خيار بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في المغرب غير خيار الدقة. أقول كذلك أنه ليس لدينا خيار في البلدان الاسلامية أو في البلدان ذات الغالبية المسلمة غير خيار الدقة والعمق والتوضيح. هناك صيرورة في أوربا وهي صيرورة عامة نسميها بالصيرورة الزمنية وهي صيرورة لا يجب الخلط بينها وبين مفهوم العلمانية. ان الصيروة الزمنية هي صيرورة تاريخية تميز بين الديني والسياسي على ثلاث مستويات وليس على مستوى واحد فقط، العنصر الأول ويجب فهم هذا جيدا يتعلق بالمستوى المؤسساتي وهو التمييز بين الكنيسة والدولة مؤسساتيا وفلسفيا. هناك تمييز بين العقيدة والعقلانية وهناك تعبير عن التمايز بين الديني والاجتماعي, هناك صيرورة زمنية تشتغل على ثلاث مستويات لها تاريخ خاص وتنظيم مؤسساتي خاص بالكنيسة وبالدولة في الغرب، إنه التمييز بين مجال العقيدة ومجال العقلانية إذا كانت هناك مؤسسات تجسد الديني وتعبر عن المعتقد، فإن التمييز بين المؤسسة ومؤسسة الدولة هو التمييز بين المعتقد والعقلانية والتمييز بين الديني والاجتماعي. إن مأسسة هذه الصيرورة مأسسة شرعية قانونية هي التي تسمى بالعلمانية والعلمانية إذن هي المأسسة الشرعية لصيرورة الفصل بين الدولة والكنيسة, إن أشكال هذه المأسسة متعددة ومختلفة باختلاف تاريخ كل دولة, ان العلمانية الفرنسية ليست هي العلمانية البلجيكية وهي تختلف عن العلمانية الانجليزية ولا علاقة لها مطلقا بالعلمانية الأمريكية.

> محمد جسوس: أعتقد أن جزءا كبيرا من النقاش حول العلمانية مشوه ومزيف وجزء من النقاش الضروري والحقيقي لا يطرح إلا نادرا. أصبحت مع الأسف بالنسبة للعديد من المواطنين العلمانية مثل «»بوعو»« يجب أن نوضح ما المقصود بالعلمانية. العلمانية في الحقيقة طرحت في المجتمعات المسيحية والكاثوليكية على الخصوص, التي تتوفر على سلطة دينية عليا هي الكنيسة وفي هرم هذه السلطة يوجد البابا وتوجد هيأة تقرر باسم جماعة المسيحيين ككل, عند البروتستانت كان أهم عناصر الثورة على الكاثوليك هي مسألة سلطة الكنيسة. وأهم مكونات الثورة السياسية والديمقراطية كانت هي الفصل بين سلطة الكنيسة. فأهم ما يميز الحداثة هو لما تحررت المعرفة تحررت الفلسفة, تحرر الفكر من سيطرة الزعامة الدينية وخاصة الزعامات التي كانت مرتبطة بالمصالح الارستقراطية والفيودالية. هذا النوع من الأشكال غير مطروح عندنا,لاعتبار أنه لاوسيط عندنا في الاسلام بين الانسان وبين الله وليست لنا سلطة دينية عليا من حقها أن تحكم وتقول ما تشاء، فجزء كبير فيما يسمى بالعلمانية هي أشياء عادية في الحقيقة تحدث يوميا. العلمانية هي التمييز، هي تحرير عدة مجالات من الحياة فيها الاقتصاد، القانون، العلوم، الثقافة، الفكر، الفلسفة والمؤسسات الاجتماعية وعدد من المعاملات.. تحرير هذه الأشياء من سيطرة منطق واحد هو المنطق الديني بمعناه الضيق هذا التحرير يحدث يوميا في الحقيقة، إذن هناك علمنة تحدث يوميا. في المجتمع المغربي جل قوانينا الآن هي مقتبسة من قوانين فرنسية وسويسرية أو غيرها، تنظيماتنا الاقتصادية والتكنولوجية وجزء كبير من تنظيماتنا الاقتصادية والتكنولوجية وجزء كبير من تنظيماتنا السياسية تخضع لنفس المنطق,لكننا ننكر هذا أو نبدأ نطرح الأشياء كما لو كان هذا النوع من التصور يشكل خطرا كبيرا على الهوية.
أنا اعتقد أن هذا نقاش ليس في محله, يجب أن نرجع الأمور إلى أصلها وأصل الأشياء هو الموقف من الحداثة العلمانية, هي جزء واحد من مكونات الحداثة, ولكن هذا المعنى لا يعني الالحاد, لا يعني الزندقة, لا يعني أن اليوم أو غدا يصبح الاسلام ثانويا ولا أهمية له، هذا ليس هو المطروح على الاطلاق, وإنما هو تحرير الفكر وتحرير المؤسسات وتمكينها من التطور.

* سعد الدين العثماني: في الحقيقة لم يتبق لي ما أقوله بعد ما قاله طارق رمضان والأستاذ جسوس. أقول أن العلمانية ليست شيئا واحدا, هناك علمانية متطرفة ضد الدين تريد إقصاءه فعلا من الحياة حتى لا يبقى له أثر, بحيث يصبح ممارسة معزولة في كنيسة أو في مسجد, هذا نموذج معين من العلمانية. وهناك العلمانية التي تعني تسيير المجالات الدنيوية انطلاقا من الموضوعية والبراغماتية وهذا النوع له وجود معين في الإسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء إلى المدينة ووجد سكانها يلقحون النخل, قال »لو تركتموه لأثمر« فتركوه فلم يثمر, فلما جاؤوه وحكوا له الأمر قال »»ما كان في أمر دينكم فإلي وما كان من أمر دنياكم فشأنكم,« فميز بين مجالين وهذا فكر موجود في الإسلام بهذا النص وبنصوص أخرى, على أساس أن المجال الدنيوي بناء على هذا التعريف يجب أن يكون مبنيا على الاجتهاد البشري وعلى الفكر وعلى اختيار أحسن وأفضل الوسائل لتنظيمه واستثماره واستفادة الانسان منه على أساس معقلن. إذا كانت العلمانية تعني كل هذا في إطار المرجعية الاسلامية العامة التي هي الاطار العام المنظم، فهذا الاطار المرجعي الاسلامي العام هو الذي يجعل هذا المجتمع في نظامه مسلما. هذا هو الإطار العام وداخله المجالات الدنيوية بأقصى درجات الاجتهاد والعقلانية والابتكار والفكر.

> محمد العيادي: يعني هنا نضع فرقا بين الاطار الاسلامي العام وبين تطبيق الشريعة؟

> سعد الدين العثماني: في الحقيقة الشريعة في الأصل تغيرت مفاهيمها مع الزمن فأصبحت لها مفاهيم خاصة مع الأسف الشديد.

> محمد جسوس: هل يدخل في إطارها الحدود؟

> سعد الدين العثماني: هذا هو المشكل هناك من يعطي تعريفا آخر للشريعة ومحاولة اختزالها تؤدي إلى تشويهها. الشريعة هي العدل الاجتماعي أولا وهي حرية الأفراد ثانيا «»متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار«ا»وهي أن تسير الأمة شؤونها بنفسها، أي الديمقراطية وهذا جزء أصيل في الاسلام وغير ثانوي, ولم يقتبس من الغرب سواء سمي ديمقراطيةأو تم اعطاؤه اسما آخر, أي أن تسير الأمة أمورها بالعدل وبما يضمن مصالحها والشريعة كلها مبنية على المصالح والمقاصد أي مقاصد الشريعة العامة المعروفة.

> محمد العيادي: كلمة أخيرة :

> محمد جسوس: أعتقد في نهاية المطاف أن هذا النقاش الذي اعتبره مهما ومفيدا بالنسبة للجميع أن يستمر ويجب أن يركز على مسألة الثوابت وكل المجالات المتعلقة بحرية التفكير, وأعتقد أن التجربة أكدت أننا إذا تعاونا وحققنا تلك الانجازات فستفتح لنا الطريق نحو انجازات أخرى. فالانجاز يخلق شروطا للمزيد من الانجاز, وأعتقد أنه يجب التعامل مع القضايا مثل الديمقراطية, مثل الحداثة, مثل مسألة المرأة والعلمانية والثورة العلمية والتكنولوجية لا من منظور سياسوي, بل من منظور يقدر المسألة حق قدرها وعلى كل متدخل أن يتقي الله في عباده, ويحاول أن يساعد الناس ويبشر ولا ينفر, وأعتقد هناك الكثير والكثير الذي يمكن لهذا المجتمع أن ينجزه بطرق وفاقية وحوارية.

محمد العيادي: شكرا الأستاذ محمد جسوس شكرا الأستاذ سعد الدين العثماني.

2/15/2014