ابن رشد : العلم والفضيلة

 

محمد عابد الجابري

 

 

 

هذا كتاب في سيرة ابن رشد وفكره سلكنا فيه مسلكا خاصا، فجمعنا بين حكاية السيرة الذاتية لفيلسوفنا والتعريف بفكره من خلال أهم كتبه، في الفقه وأصوله والعقيدة والفلسفة والعلوم والطب والسياسة. والحق أن هذا المسلك قد فرضه علينا ابن رشد نفسه، أعني كون سيرته الذاتية هي مسيرته العلمية نفسها، فلا يمكن الحديث عن الواحدة منهما بمعزل عن الأخرى. لقد نشأ في بيت كان أهله “إلى العلم أميل”، كما يقول من ترجموا لهذا البيت، فانقطع منذ صغره للدراسة. فلما “بلغ أشده” في العلم، بدأ التدريس والتأليف والبحث العلمي إلى توفي، عن عمر يناهز خمسة وسبعين عاما.

 

وبما أن أباه وجده كانا من رجال العلم المرموقين فقد كانا على صلة بالدولة وأهلها، صلة علمية قوامها التدريس وولاية القضاء. وقد ورث فيلسوفنا هذه الصلة ببعديها، وأضاف إليها بعدا خاصا هو الطب، فكان “يفزع إلى فتواه في الطب كما يفزع إلى فتواه في الفقه”. وقد عمل طبيبا –وبالأحرى مستشارا طبيا- للخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن وابنه يعقوب المنصور.

 

ومع أنه كانت له حظوة خاصة ومتميزة مع الأول منهما، الذي كان أميرا متنورا، فقد بقي محافظا على استقلاله الفكري منصرفا بكليته إلى مشروعه العلمي الكبير الذي كان ينمو ويتفرع، أكثر فأكثر، كلما قطع فيه أشواطا: المشروع الذي يتداخل فيه فتح باب الاجتهاد في الفقه، و”تصحيح العقيدة”، ورفع الظلم عن الفلسفة وتحريرها من إشكاليات علم الكلام، وشرح كتب أرسطو وسد ثغراتها بالاجتهاد داخل “ما يقتضيه مذهبه”، وإرساء “صناعة الطب” على أساس علم عصره، بهدف الارتفاع بها إلى مستوى العلم، والقول في “السياسة” والإصلاح السياسي، قولا لا نجده في الثقافة العربية، لا لمن سلف ولا لمن خلف. هذا إضافة إلى طموحه إلى إصلاح علم الفلك، وإنجاز مشاريع فكرية أخرى وعد بها ولكن ضاق عنها عمره، ليله ونهاره، فلم يستطع إنجازها.

 

عاش ابن رشد خمسة وسبعين سنة قضاها كلها في الدراسة والتدريس والبحث والتأليف. ومع أنه تولى قضاء اشبيلية ثم قضاء قرطبة، وتنقل كثيرا مع الخليفة المتنور أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن، بين المغرب والأندلس، فقد بقي مشدودا إلى مشاريعه العلمية، يعوض بالعمل في الليل ما فاته بالنهار، مستصحبا معه كتبه وأوراقه مستغلا فرص الاستراحة في الطريق، على الأرض أو على مراكب السفر، يحقق مسألة أو يسود أورقا أو يراجع كتابا.

 

كان ابن رشد يسابق الزمن، يكتب في موضوع ويكتشف حين الكتابة أن ثمة مواضيع أخرى تتصل بما هو بصدده، فيعد بالتأليف فيها “إن أنسأ لله في العمر”. وتلك عبارة يكاد لا يخلو منها كتاب من كتبه، منذ شبابه حتى آخر مؤلفاته، قبيل وفاته. ولم يكن ابن رشد يلقي بالكتاب لينفصل عنه بالمرة إلى كتب أخرى، بل كان دائم المراجعة لما كتب، يصحح ويعدل ويحيل إلى السابق واللاحق من مؤلفاته. لم يكن يترك العلم يتقادم في كتبه، بل كان شديد الحرص على تحيين مضمونها مع تقدمه في البحث المعرفة. ولم يكن يفصل بين تخصص وتخصص إلا على صعيد المنهج –وبحق كان صارما على هذا المستوى- أما على صعيد المضمون فقد كان يتحرك كعالم متعدد التخصصات، يستحضر الطب في الفقه والفقه في الطب، والقرآن والحديث في الفلسفة، والفلسفة في العلم والعلم في كل ذلك. وبعبارة عصرنا كان يتصرف من منطلق وحدة الحقيقة وتكامل المعرفة، وكان هذا عنده سلوكا يشخص قناعة وطيدة عنده وهي “تطابق العقل والوجود”. ومن هنا كانت الحقيقة عنده، وكان العلم الحق، وكان البرهان، في “المطابقة مع الوجود”.

 

هذه المطابقة بين العقل والوجود قد تشخصت أيضا في سلوكه. فكان وجوده، أعني سيرته، مطابقا لعقله، أعني لمسيرته العلمية وخصاله الخلقية.

 

فعلا، لم تكن “المطابقة بين العقل والوجود” عند فيلسوفنا مجرد نظرة فلسفية للكون، ولا مجرد تساوق بين العمل الفكري وشغل الوقت وحركة الزمن على سلم العمر، بل كانت أيضا فضيلة أخلاقية وعاها بعمق فالتزم بها واشترطها في العالِم، فقيها كان أو فيلسوفا. وهكذا فالنظر في كتب القدماء، وهي مكمن العلوم العقلية يومئذ، واجب بالشرع وجوب النظر العقلي. ولكن ليس لأي كان، بل لابد للناظر فيها أن يكون قد “جمع أمرين أحدهما ذكاء الفطرة والثاني العدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية”. أما ذكاء الفطرة فشرط ضروري من الناحية العقلية المحض، ناحية القدرة على التعامل مع العلم. وأما العدالة الشرعية فهي هنا بمعنى الأمانة العلمية بلغة عصرنا، فالناظر في كتب القدماء يجب أن لا يزيد ولا ينقص ولا يحرف ولا يشوه ما قاله القدماء ولا يقوِّلهم ما لم يقولوا، سواء كانوا مشاركين لنا في الملة والعقيدة أو مخالفين. وإذا كانت هذه الخصال ضرورية في من يريد النظر في كتب القدماء فهي بالأولى والأحرى واجبة في من ينظر في كتب الشريعة أعني الفقهاء، فإن “صناعتهم إنما تقتضي بالذات الفضيلة العملية”. والفضيلة العملية أساسها “الفضيلة العلمية والفضيلة الخلقية”. الأولى تعني أن يكون العالم مقتنعا بصواب الرأي الذي يقول به والمذهب الذي يعتنقه وأن تتشخص هذه القناعة في سلوكه، وبذلك يتحقق التطابق بين “العقل والوجود في نفسه”.

 

وبما أن الوجود البشري يختلف عن الوجود الطبيعي بكون الصدق فيه تحكمه قيمة عليا، توزن بها الأعمال، هي “الخير” ، فإن الفضيلة الخلقية التي تجسم هذه القيمة يجب أن تكون هي التي تطبع “الوجود”: وجود الفرد البشري. ومع أن فيلسوفنا كان يقدر الغزالي تقديرا خاصا ولا يتردد في إنصافه ضدا على ابن سينا خصمه، فإنه لم يستطع أن يتغاضى عن افتقاد أبي حامد للفضيلة العلمية في كثير مما كتب. وهذا ما كان يضايقه فيه فلم يتردد في مؤاخذته عليه والتنديد به، أعني غياب الفضيلة العلمية الذي يجسمه في سلوكه “أنه لم يلزم مذهبا من المذاهب في كتبه: بل هو مع الأشعرية أشعري ومع الصوفية صوفي ومع الفلاسفة فيلسوف، حتى أنه كما قيل:

 

يوما يمانٍ إذا لاقيت ذا يمَنٍ وإن لقيت معدِّيًّا فعدنان”.(*)

 

ولم يكن ابن رشد من الذين يعيبون على الآخرين أشياء يرتكبها. كلا. لقد كانت هناك طريقة مارسها ملوك زمانه –ومورست من قبل وتمارس من بعد- وهي ما يسمى بالدارجة المغربية “التتريك”، وما أطلق عليه على عهد معاوية اسم “الاستخراج”، وما يطلق عليه اليوم اسم “المصادرة”، وذلك بأن يلجأ الحاكم إلى الانتقام من الشخص الذي يريد معاقبته لأمر ما، لا يريد التعريف به، إلى مصادرة أملاكه بدعوى تطبيق “العدل”، ويكون ذلك مبررا بصورة خاصة مع الموظفين الكبار من وزراء وقضاة ومن يظن بهم أنهم استغنوا من المنصب الذي قلده الحاكم إياهم. وكم من وزراء وقضاة عوقبوا هذا النوع من العقاب زمن ابن رشد، إلا ابن رشد نفسه. فعندما قرر المنصور محاكمته، بتحريض من حساده، ولأسباب سياسية شرحناها في هذا الكتاب، لم يجد ذريعة يخفي بها السبب الحقيقي في محاكمته غير دعوى “الاشتغال بعلوم الأوائل”، هذه العلوم التي كان قد مضى نحو خمس عشرة سنة على اشتغاله بها على عهد المنصور نفسه وبعلمه، وما ينيف عن أربعين سنة بطلب من أبيه الخليفة المتنور أبي يعقوب.

 

وإنما لجأ المنصور إلى هذه التهمة الغريبة التي تقتضي منه التنكر لأربعين سنة من تاريخ حكم أسرته لأنه لم يجد ما يمكن أن يؤاخذ على فيلسوفنا الذي تولى قضاء قرطبة وقضاء اشبيلية. ذلك لأن اتهام ابن رشد في هذا المجال كان يعني اتهام الناس جميعا في ما رأوه منه وما سمعوه عنه في مجال القضاء وغيره من المجالات: أعني الفضيلة الخلقية التي طبعت سلوك ابن رشد في القضاء مثلما طبعت الفضيلة العلمية عقله وفكره.

 

لقد شهد له جميع الذين ترجموا لحياته بالفضل والاستقامة والنزاهة وخدمة الصالح العام، إلى درجة أن ابن الأبار لم يتردد في القول : “ولم ينشأ في الأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا”. ثم يضيف: ” وكان على شرفه أشد الناس تواضعا وأخفضهم جناحا (…) وولي قضاء قرطبة (…) فحمدت سيرته، وتأثلت له عند الملوك وجاهة عظيمة لم يصرفها في ترقيع حال ولا جمع مال، إنما قصرها على مصالح أهل بلاده خاصة ومنافع أهل الأندلس عامة”. وقد ردد هذه الشهادة جميع الذين ترجموا له فقال ابن عبد الملك المراكشي: “كان على تمكن حظوته عند الملوك وعظم مكانته لديهم لم ينفق جاهه قط في شيء يخصه، ولا في استجرار منفعة لنفسه. إنما كان يقصره على أهل بلده خاصة، ومنافع سائر بلاد الأندلس عامة”. وينقل ابن أبي أصيبعة عن القاضي أبي مروان الباجي هذه الشهادة، قال: “كان القاضي أبو الوليد ابن رشد حسن الرأي ذكيا، رث البزة قوي النفس”. وكانت قوة نفسه تأبى عليه أن يكون غير ما هو مع جميع الناس، الضعيف والقوي سواء. فإذا تدخل الخليفة المنصور في ميدان العلم، من غير علم، صاح فيه كما يصيح الأستاذ في تلميذ أو طالب: “تسمع يا أخي”! يقولها باللغة الطبيعية “جاريا في ذلك على طريقة العلماء في الإخبار عن ملوك الأمم وأسماء الأقاليم، غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدَمة الملوك ومُتحيِّلو الكتاب من الإطراء والتقريظ”(). يشهد بذلك ما ختم به كتابه “فصل المقال” إذ كتب في معرض الثناء على الدولة، لا ليمدح بل ليسجل واقعا ويبرز إيجابيات بلغة طبيعية تراعي النسبية في القول والحكم، هي أبلغ في التعبير عن الحقيقة من عبارات “الإطراء والتقريظ”. يقول: ” وقد رفع الله كثيرا (=وليس جميع) من هذه الشرور والجهالات، والمسالك المضلات (=التي أصابت الحكمة والشريعة) بهذا الأمر الغالب، وطرق به إلى كثير (=وليس إلى جميع) من الخيرات، وبخاصة على الصنف الذين سلكوا مسلك النظر ورغبوا في معرفة الحق” (=الفلاسفة).

 

ولم يتردد فيلسوف قرطبة في انتقاد من سبقوه من الفلاسفة والشراح كالفارابي وابن سينا، والإسكندر وثامسطيوس قبلهما، بلهجة لا تخلو من العنف “الفلسفي”، عندما يلاحظ أنهم ارتكبوا أخطاء لا تليق بالعلماء، سواء في الفهم أو في التأويل، ولكن دون أن ينسى الشهادة لهم بالفضل، في ما كان لهم فيه فضل عليه أو على غيره. ولم يتعصب إلا للحق والصواب. ولم يكن يتردد في الاعتراف بالخطأ إذا تبين له أنه ارتكب خطأ. ولم يكن يتردد في التصريح بالتقصير وباحتمال وقوعه في الخطأ، والتنبيه إلى أن رأيه لا يمثل الحقيقة النهائية، طالبا من قرائه أن يكاتبوه ويطرحوا ما قد يبدو لهم من شكوك أو مآخذ على ما قرره في مسألة من المسائل. يقول في آخر مقالة الزاي من كتابه “شرح ما بعد الطبيعة” الذي ألفه في أواخر عمره، بعد ما لا يقل عن أربعين عاما من البحث والتأليف والتدريس: “هنا انقضت هذه المقالة، والحمد لواهب العقل كثيرا. وقد بلغت في تفسيرها أقصى ما انتهى إليه جهدي بعد تعب طويل وعناية بالغة. وأنا أقول لمن وقف على تفسيرنا لهذا الكتاب ما قاله أرسطو في آخر كتاب السفسطة: إنه من وقف على تقصير منا في ما وضعناه فليعذرنا”. وفي “شرح كتاب النفس”، يقول بصدد طبيعة العقل، بعد أن انتهى من مناقشة آراء الشراح السابقين ونقدها: “ولما كان ذلك كما وصفنا، فقد ينبغي أن ندلي هنا برأينا. وإذا كان ما ظهر لي لا يفسر كل شيء فقد يكون منطلقا لتفسير أكمل. ولهذا أطلب الآن من الأصحاب الذي سيقرؤون هذا الكتاب أن يطرحوا أسئلتهم كتابة، لأنه قد نجد الحقيقة بهذه الطريقة، إذا لم أكن قد صادفتها بعد. وإذا كنت قد صادفتها، كما يخيل إليّ، فإن أسئلتهم ستساعدني على توضيحها أكثر. و كما يقول أرسطو: فالحق يوافق الحق ويشهد له”.()

 

و”الحقيقة” التي يقول فيلسوفنا –بتواضع العلماء- إنه يمكن أن يكون قد عثر عليها هي من “أخطر” الحقائق الفلسفية في العصور الوسطى، وقد تبناها “الرشديون اللاتين” ووظفوها في صراعهم ضد الكنيسة. ومعلوم أن رجال الكنيسة قد حملوا حملة شعواء على ابن رشد منذ القرن الثالث عشر واستمرت الحملة إلى القرن الثامن عشر! وكان أخطر شيء في فكر ابن رشد: في نظرهم، هو تلك “الحقيقة” التي نوه فيلسوفنا في النص السابق بعثوره عليها، أعني: وحدة العقل الهيولاني وأزليته، وخلود النوع الإنساني. وهي الحقيقة التي رأى أنها “ما يقتضيه مذهب أرسطو”، في المسألة التي تركها هذا الأخير معلقة، مسألة: طبيعة العقل الهيولاني: أمفارق هو وأزلي، أم لا؟ والحق أن ابن رشد كان في هذه المسألة فيلسوفا عميقا وأصيلا وليس مجرد شارح، كما سنرى بعد.

 

قال ابن رشد فعلا في شرحه على اللفظ لكتاب النفس لأرسطو بوحدة العقل الهيولاني وأزليته وبخلود النوع الإنساني. أما “قدم العالم” فقد دافع عن وجهة النظر القائلة به في جميع كتبه، مبينا أن ذلك لا يتعارض مع ظواهر نصوص الشرع (القرآن)، وأن العقل الذي يقضي بوجود مبدأ أول أزلي (الله) يقضي في الوقت نفسه أن تكون صفاته وأفعاله أزلية كوجوده. ولما كان العالم فعله، فالعقل يقضي أن يكون تابعا للفعل الإلهي في أزليته. وليس معنى كونه قديما أنه غير حادث مطلقا. بل هو غير حادث فقط الحدوث الذي في الشاهد. أما في الحقيقة فهو دائم الحدوث. أما خلود العقل الهيولاني وخلود النوع الإنساني فلا يتعارضان مع الدين في شيء، بل هو الطريق لإثبات المعاد وخلود النفس. كما لا يتعارض القول بـ”وحدة العقل الهيولاني” مع الحساب والثواب والعقاب يوم القيامة لأن الجزاء يخص ما اكتسبه الإنسان، والعقل المكتسب هو عقل فردي. وهذا يعني أن في النفس البشرية جزءا خالدا أزليا لأنه فعل الله، وفعله أزلي، وجزءا حادثا فانيا هو المكتسب الذي يرجع أصله إلى الصور الخيالية والإدراكات الحسية وما يتبع ذلك من نزوعات وأفعال.

 

لم يتردد الفيلسوف الفقيه المجتهد أبو الوليد ابن رشد في التصريح بهذا الذي كان يبدو له أنه الحقيقة التي يقول بها العقل، وهي في نظره واجتهاده لا تتعارض مع الدين لأنها لا تمس أي مبدأ من مبادئه. ومبادئ الدين هي الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر. أما تفصيل القول في هذه المبادئ فهو مسألة اجتهاد. والاجتهاد في العقيدة كما في الشريعة جائز، وأحيانا واجب، ولكن فقط للعلماء الذي يستجمعون شروط الاجتهاد التي هي أولا وقبل كل شيء: “العدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية”، إضافة إلى “الفطرة الفائقة” وتحصيل العلوم الضرورية.

 

إن ابن رشد يضع نفسه فعلا في مرتبة المجتهد في النظريات كما في الفقهيات. وهذه مرتبة لم ينكرها عليه أحد، ولن يستطيع أحد أن يشكك في استحقاقه لها. ومع ذلك فلم يكن فيلسوف قرطبة يدعي امتلاك الحقيقة. بل كان يرى أن الاجتهاد في النظريات كالاجتهاد في الفقهيات معرض صحابه للصواب والخطأ، خصوصا في “المسائل العويصة”. ولذلك وجدناه يطلب من قرائه أن يبعثوا له اعتراضاتهم وشكوكهم كتابة كي يتمكن من القيام بالمراجعة لموقفه، إذا كان ذلك سيقترب به من الحقيقة بمسافات أكبر. ومع ذلك يبقى الاجتهاد في النظريات اجتهادا فرديا مفتوحا للخطأ، إذ لا يتقرر فيه إجماع كما يمكن أن يتقرر في الفقهيات. من أجل ذلك –يقول ابن رشد- “يشبه أن يكون المختلفون في تأويل هذه المسائل العويصة إما مصيبين مأجورين وإما مخطئين معذورين”. هذا إذا كان الاجتهاد من العلماء المستجمعين للشروط التي ذكرنا. أما غيرهم ممن لم تجتمع فيهم تلك الشروط، أعني الفطرة الفائقة والعلم الكافي والعدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية، فهؤلاء خطأهم غير مصفوح عنه في الشرع: “فهو إثم محض، وسواء كان الخطأ في الأمور النظرية أو العملية”. وذلك كما هو الحال في الخطأ في الطب والسياسة. فإن كان الخطأ صادرا عن طبيب مقتدر أو حاكم عادل، فهو مصفوح عنه، أما إذا كان من مدعي الطب أو من حاكم غير عادل فهو إثم يعاقب عليه.()

 

وهذا الموقف الاجتهادي في الاجتهاد، المتسم بالانفتاح والاعتراف بالاختلاف وإمكانية الخطأ، لا بل وبالحق فيه، يعكس ميزة في فيلسوف قرطبة وقاضي قضاتها لا نجدها في غيره، لا في الفلاسفة ولا في الفقهاء! نقصد بذلك جمعه بين مرتبة الاجتهاد في العلوم الدينية وفي العلوم العقلية سواء بسواء. والواقع أنه لم يكن في فلاسفة الإسلام من كان على معرفة كافية بعلوم الدين، فلم نسمع عن أحده منهم أنه كان فقيها أو قاضيا أو محدثا. ولم يكن في علماء الإسلام من كان على اطلاع على الفلسفة وعلومها من موقع البحث عن الحقيقة مجردا عن هوى التمذهب، ولا عن دافع الرد على الخصم من موقع التخاصم المذهبي. حتى الغزالي فهو يعترف أنه لم يطلع على الفلسفة وعلومها إلا من كتب ابن سينا. وهذا الأخير لم يستجمع شروط الاجتهاد التي نص عليها فيلسوف قرطبة. فقد تأول على أرسطو أشياء تقع خارج ما يقتضيه مذهبه، فنقصته العدالة الشرعية من هذه الجهة. وهو يصرح في كتابه “الشفاء” الذي عرض فيه “ما صح” عنده –كما قال- من مذهب المشائين، يصرح أن الحق عنده ليس ما يقوله في هذا الكتاب الذي أودع فيه “الحق على طريق فيه ترض ما إلى الشركاء” في الصناعة، محتفظا بـ” الحق الذي لا مجمجة فيه” في كتاب آخر..! وهذا إخلال صريح بما سماه ابن رشد بـ”الفضيلة العلمية”.

 

إن جمع ابن رشد بين مرتبة الاجتهاد في العلوم الشرعية كما في العلوم الفلسفية –أو بين الأصالة والمعاصرة كما نقول اليوم- قد أكسبه ثقة بالنفس كبيرة، وجعله في الوقت نفسه يعي تمام الوعي نسبية الحقيقة، في المجالين معا: فالحقيقة في العلوم الشرعية كما في العلوم العقلية هي دوما “تأويل”. تأويل “ظواهر النصوص” وتأويل “ظواهر الطبيعة”. والتأويل فعل عقل بشري قاصر بطبعه معرض للخطأ. ولكنه قوي بقدرته على مراجعة أحكامه وتصحيحها.

 

وإذا كان فيلسوف قرطبة وقاضي قضاتها قد أمسك قلمه ولسانه عن “التبجح” والتنويه الذاتي الذين اتسم بهما خطاب كل من الغزالي وابن سينا، فإنه لم يتردد، في مقابل ذلك، بالاعتراف مرات كثيرة بالقصور والنقصان. من ذلك مثلا اعترافه بأن ما منعه من التأليف في جزئيات الطب (الطب التجريبي) هو أنه لم يمارس مهنة الطب بما فيه الكفاية، يقول: “وذلك أني لم أزاولها كبير مزاولة اللهم إلا في نفسي أو في أقرباء لنا أو أصدقاء”. أما الطب النظري أو “الكليات” فقد ألف فيه، ليس فقط لكونه درسه في أمهات المراجع، بل أيضا لأنه كان يمسك بأصوله العلمية، أعني العلم الطبيعي.

 

***

وبعد، فإذا كان لنا أن نوجز مقومات شخصية ابن رشد في كلمات فقد يجب القول إنه جمع بين العلم والفضيلة. كان يجسد بحق الفكرة التي قال بها سقراط، وهي أن المعرفة أساس الفضيلة. “الفضيلة علم والرذيلة جهل”، فالعالِم لا يكون إلا فاضلا في تصور سقراط. وإذا كان هذا التصور لا يجد له تطبيقات كافية في التاريخ، فإن ابن رشد كان بحق أحد أولئك القلائل الذين اقترن لديهم العلم بالفضيلة، ليكون حكمة و يكون صاحبه حكيما.