الحبيب المالكي رئيس اللجنة الإدارية الوطنية :لا نثق في حكومة تعيش أزمة ثقة بين مكونات أغلبيتها، وبرنامجها يملى من الخارج

الرباط: عبد الحق الريحاني

 

«بدون شك أن هذا اللقاء سيفتح آفاقا جديدة بالنسبة لحاضر ومستقبل التعليم العالي ببلادنا وبالخصوص حاضر ومستقبل الجامعة المغربية، والقيادة الحزبية ستساعد على بلورة رؤية استراتيجية متجددة، خاصة في ما يتعلق بمنظومة التربية والتكوين لأجيالنا.
واسمحوا لي أن أشكر أعضاء اللجنة التحضيرية الذين ساهموا في انعقاد هذا المؤتمر الوطني للقطاع وهيأوا جميع الشروط لنجاحه من أجل نهضة قطاع التعليم العالي من جديد.
يأتي هذا المؤتمر كتتويج لمسلسل تنظيمي انطلق منذ السنة الماضية، تميز بفتح نقاش داخلي من خلال ندوات وطنية حزبية ساعدت على خلق جو مناسب سيجعل من لقائنا هذا نقطة انطلاق على المستوى التنظيمي لتواجدنا كاتحاد داخل الجامعة المغربية.
هذا المؤتمر سيشكل خطوة مهمة جدا في سياق الحركية التنظيمية التي يعرفها الحزب منذ عدة شهور، تتمثل في تجديد الأجهزة الحزبية محليا وإقليميا وغدا على مستوى الكتابات الجهوية، وخاصة على مستوى انعقاد المؤتمر الوطني السابع للقطاع النسائي الذي عرف نجاحا في ظروف اتسمت بهجمة كبيرة على الحقوق والحريات المتعلقة بالمرأة المغربية، ونحن كذلك على وشك عقد المؤتمر الوطني للشبيبة الاتحادية في أواخر شهر مارس طبقا لقرار دورة اللجنة الإدارية الأخيرة، والهدف من هذه الحركية التنظيمية كلها إعادة بناء الحزب ليصبح قوة تنظيمية فاعلة داخلة المجتمع. وبطبيعة الحال هذا عمل شاق ومعقد لا يمكن أن يثمر ميدانيا إلا إذا توفرت بعض الشروط، أولها مرتبط بترسيخ ثقافة تنظيمية جديدة ترتكز على ثوابت الحزب وضوابطه، وهو ما سيساعد على وضع علاقات موضوعية في ما بيننا حيث يكون الاصطفاف أولا وأخيرا وراء الحزب المؤسسة، والعمل في إطار مقررات المؤتمر الوطني التاسع.
الشرط الثاني يتمثل في ضرورة التمييز بين التناقضات الثانوية والتناقضات الرئيسية في العمل الحزبي والسياسي، فالخلط بينهما يكون دائما في صالح خصومنا السياسيين الذين يقاومون مشروعنا المجتمعي الذي نريد، فالصراع ولأول مرة يتم على مستوى مشروعنا المجتمعي ككل ولنظرتنا لما سيكون عليه المغرب غدا. فصراعنا عميق جدا اليوم أكثر من الأمس، فعلينا استيعاب المرحلة جيدا وعلينا ألا نغلب التناقضات الثانوية على التناقضات الأساسية والتاريخ لا يرحم في هذا الباب.
ولذلك فالتأكيد مرة ثانية على أهمية التنظيم القطاعي من أبجديات ثقافتنا داخل الحزب، لكن اسمحوا لي أن أذكر بأهمية التنظيم الذي تخلينا عنه لمدة سنين، فالتنظيم القطاعي هو ما يساعد على التأسيس لسياسات قطاعية بديلة لما يطبق الآن من قبل القطاعات الحكومية. فلابد من أن نتقدم في الوقت المناسب بالحلول البديلة وهذا لا يمكن أن يكون إلا بإرساء قطاعات متينة واتخاذ المبادرات الضرورية، وما يساعد على تقديم الحلول المناسبة في الوقت المناسب، فنحن لسنا مستشارين للحكومة الحالية لتقديم الحلول والبدائل في أي وقت، وخاصة أن الحكومة الحالية تعمل جادة على جعل الحوار مستحيلا ليس فقط مع المعارضة، ولكن حتى مع الفاعلين الاجتماعيين والمجتمع المدني.
وتتجلى أهمية التنظيم القطاعي أيضا في ممارسة القرب على أساس الانفتاح والانصات وتوفير كل الشروط الذاتية والموضوعية لبلورة كل ما يجب أن يكون سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
والمهمة الثالثة تتمثل في أنه بدون تنظيم قطاعي ليست هناك تعبئة، فقدرتنا على التعبئة في مرحلة معينة مرتبطة بمدى نضج تنظيمنا القطاعي، باعتبار أن التنظيم القطاعي أي التنظيم الأفقي، يشكل الركيزة الثانية إلى جانب الركيزة الأولى المتمثلة في التنظيم العمودي، والربط بين الركيزتين يساعد على خلق دينامية مستمرة داخل الحزب، فإعادة بناء الحزب مرتبطة بمدى قدرتنا على الربط الجدلي الدائم ما بين التنظيم العمودي والتنظيم الأفقي.
إن مهمتنا اليوم ليست مهمة تنظيمية فقط، بل هي مهمة سياسية حيث تنطلق من تشخيص متفق عليه خاص بأوضاع التعليم العالي ببلادنا وخاصة الجامعة المغربية. فتقييم هذا القطاع بأنه يعيش أزمة تقليدية عادية ، لا يساعد على وضع التحليل والمنهجية الضرورية لاستيعاب أعمق للأوضاع التي تمر منها الجامعة المغربية اليوم. فعلينا أن نجتهد أكثر حتى لا نبقى سجناء حلول الماضي وحتى يمر الإصلاح عبر أساتذة التعليم العالي، وليس عبر مكاتب أجنبية والتي تستعين بالأطر المغربية.
فالأزمة الحالية هي أزمة تحول أدت إلى مراجعة الوضع الاعتباري للجامعة المغربية، انطلاقا من مراجعة أوضاع الأساتذة والطلبة الإداريين. ومن الأسباب الأساسية كذلك لتدهور وظيفة الجامعة المغربية، أنها لم تعد من أسباب الترقية الاجتماعية، لكن نلاحظ أنها أصبحت أداة لتعميق الفوارق الاجتماعية خاصة عطالة خريجي التعليم العالي، تفقير هيئة التدريس …هذه الأوضاع تطرح معضلة كبيرة في موقع الجامعة المغربية في الاقتصاد الوطني ووظائف جديدة مرتبطة بمحيطها وبالمجتمع بارتباط مع تحولات العالم وبسرعة كبيرة، فكل هذا يسائلنا ويفرض علينا نوعا من الاستشراف للمستقبل وبأدوات متجددة ونظرة مستقبلية جديدة .
علينا كاتحاديين بلورة مشروع إصلاح يستجيب لمتطلبات المرحلة وفي هذا السياق نطرح سؤالا طبيعيا: هل الحكومة الحالية قادرة على بلورة مشروع إصلاح للتعليم العالي؟
التجربة أكدت أن الحكومة الحالية تفتقد لمشروع شامل، التجربة أكدت أن الحكومة تتخذ إجراءات تقنية بارتجالية، وتعتمد منطقا حسابيا لا يتجاوز منطق الطرح والجمع، وتمارس نوعا من الكبرياء على مكونات المعارضة وعلى المركزيات النقابية والمجتمع المدني. فعلى هذا الأساس لا نثق في حكومة تعيش أزمة ثقة في مكونات أغلبيتها، وفي حكومة تخلت عن صلاحيتها الدستورية لإجهاض دستور 2011.
لا نثق في حكومة يملى برنامجها اقتصاديا واجتماعيا من الخارج، من طرف المؤسسات الدولية المالية وتتغنى بشهادات حسن السيرة والسلوك من طرف بعض هذه المؤسسات.
كيف نثق في حكومة حولت العمل السياسي ببلادنا إلى فرجة بئيسة قصد الضحك على ذقون المغاربة، الى مجال للاستقطاب الديني في جميع المناسبات وإصدار الفتاوى التكفيرية ضد ثلة من المثقفين المتنورين وقيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
واسمحوا لي أن أسجل بهذه المناسبة أن ما يسمى الإسلام السياسي لم يعد في بلدنا ظاهرة محدودة كما يقال هنا وهناك، بل أصبح ينتشر في عمق المجتمع المغربي وهذا ما يؤكد أن الانتقال الديمقراطي قد أصبح محدودا جدا وهذا ما يفسر عدم تطبيق الدستور الجديد مع الإشارة إلى أن ما يسمى الإسلام السياسي من خلال التجارب الديمقراطية، هو نقيض للديمقراطية والحداثة.
إن إصلاح المؤسسات سيجعل المغرب ينتقل إلى مرحلة متقدمة، ودور الجامعة لمقاومة هذا التوجه دور أساسي وحاسم، باعتبار أن الجامعة شكلت مجالا للصراع بالمفهوم البناء على المستوى الفكري والإيديولوجي، وتطور المجتمع لا يمكن أن يكون إلا من خلال تغذية الصراع، ويساعد على توضيح المشهد السياسي والمواطن العادي على الفرز بين هذا وذاك. إننا نعيش مرحلة غموض ولبس مقصود ودورنا كأساتذة توضيح هذا الغموض، وكشف هذا اللبس حتى لا نقع في نوع من الردة والنكوص في عدد من المجالات.
فاليوم نلاحظ أن التيمة الحتمية المباشرة هي تذمر فئات واسعة من المجتمع المغربي، ونعاين كذلك غضبا متزايدا، تظاهرات جديدة من تلاميذ ، أساتذة، قضاة، أرباب للمخابز…نعيش وضعا ينذر بانتفاضة اجتماعية قوية ستكون لها انعكاسات خطيرة على المستوى المتوسط وعلى المستوى البعيد، فالحكومة الحالية تهدد استقرار البلاد من خلال هذا النهج التدبيري، بقرارات انفرادية مهددة للقدرة الشرائية. فعوض الحوار تمارس العنف اللفظي ضد المعارضة والنساء والشباب، كما أنها تمارس الكبرياء والهروب إلى الأمام، فهي مسؤولة عما تعيشه البلاد اليوم ومستقبلا. فالعمل السياسي لم يمارس منذ الاستقلال كما يمارس الآن، فهذه القطيعة ستكون لها مضاعفات وعلينا كاتحاد اشتراكي أن نكون في مستوى هذه المرحلة لمواجهة هذه القوى، الظاهرة والخفية.
فالفكرة الأساسية هي أن نضع تصورا يساعد على تجسيد تعاقد جديد مع المجتمع، لا على أساس توافق غامض يتسم بالعموميات وبالتأويلات وبالقراءات المتناقضة، فالتوافق في هذا المجال أصبح متجاوزا، فحين نسعى للتوافق من أجل التوافق يصبح الإصلاح أقل جاذبية ويجهض، لذلك نعم لتعاقد يرتكز على القانون يحدد الحقوق والواجبات. فميثاق التربية والتكوين قد استنفد كل ما يمكن إنجازه. وانطلاقا من هذه التجربة المرتكزة على التوافق، علينا أن نجعل من الاحتكام للقانون مدخلا لإصلاح المنظومة، ويعني هذا أن يتميز الإصلاح بنوع من المشروعية داخل المجلس الأعلى للتعليم الذي أصبح مؤسسة دستورية في حلته الجديدة، وهذه المشروعية كذلك مرتبطة بالحوار الوطني ووضع قانون إطار يحدد التوجهات العامة والوسائل والمسؤوليات. ونعتبر أن الشروط متوفرة خاصة أن دستور 2011 قد حسم في عدد من الإشكاليات التي لها حساسيات خاصة كالهوية وقضية اللغات، فهذا الجانب سيساعد على الإصلاح ذي المشروعية، ونحن كاتحاد نؤمن بالتراكم الإيجابي لأننا نؤمن بالتاريخ والتراكم من خلال قراءة جديدة.
تلكم مجموعة من الأفكار التي بدون شك ستساعد من خلال النقاش على جعل الجامعة المغربية رائدة مرة أخرى في الحركية المجتمعية اليوم، لأن تراجع الجامعة المغربية مرتبط بتهميشها بحد كبير وتهميش الأساتذة إلى حد أكبر وقد وحان الوقت لكي تسترجع الجامعة أدوارها في التكوين والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

2/17/2014