كيف وظف الفقيد جسوس مفهوم الزبونية لدراسة النظام المخزني

يونس مجاهد


سيكون من اللازم علينا أن نشتغل على الأدوار الحاسمة التي لعبها الفقيد، محمد جسوس، في تكوين مدرسة جديدة في السوسيولوجيا المغربية، بعد مدرسة باسكون، في زمن شاء القرار السياسي، أن يحارب هذا التخصص، معتبرا أنه خطير على سلطته، فهو ثوري بطبيعته، ما دام يبحث في الظواهر الاجتماعية ويحللها، بمنهج علمي، يعري ويفضح كل الخلفيات والبنيات، ولأن المدارس التي سادت فيه لحد الآن، لا يمكن أن تكون سلطة تبرير، بل على العكس من ذلك، فهي أداة تحليل موضوعي، مما أزعج الدولة المخزنية، من هذا التخصص، باستمرار.
وكان الفضل في استمرار جذوة السوسيولوجيا، للفقيد محمد جسوس، الذي واصل العمل، بإصرار، من أجل بقاء هذا التخصص حيا، وتمكن من تكوين أساتذة، ليواصلوا هذا المجهود. لكن، بالإضافة إلى هذا العمل التاريخي، فإن الاستاذ الجليل قام بعمل لا يمكن أن ينحصر فقط في مهنة التدريس العالي، و التأطير الكبير والراقي، الذي قام به.
وباستعراض تاريخ السوسيولوجيا المغربية، بعجالة، نجد أنه بعد مدرسة علم الاجتماع “الاستعماري”، الذي كان رواده، بصفة عامة، في خدمة استراتيجية المستعمر ( مع ما يستدعي هذا الحكم من نسبية)، فإن العمل الذي قام به جاك بيرك، خاصة في دراسة البنيات الاجتماعية في سكساوة، يعتبر مدرسة قائمة بذاتها، لأنها فندت أطروحات السوسيولوجيا الكولونيالية. وبعدها أخذ المشعل المرحوم، بول باسكون، الذي اهتم أساسا بعلم الاجتماع القروي، رفقة أساتذة كبار، وخاصة في دراساته حول الحوز.
وحتى نضع الأمور في سياقها، فإن الإشكالية التي كانت سائدة آنذاك، أي في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات، والتي كان الباحثون في علم الاجتماع يدرسونها، هي طبيعة بنية النظام والمجتمع في المغرب. وكانت هذه البحوث والدراسات تتم، تحت ضغط الإيديولوجية الماركسية، التي كانت تفرض منهجها، المتمثل في التصنيف الطبقي، وفي الأهمية الحاسمة للاقتصاد، والبنية التحتية، على المجتمع والسلطة.
ومن بين الإسهامات الكبرى التي جاء بها باسكون، هي نظرية المجتمع المركب، الذي تتداخل فيه البنيات التقليدية والعصرية، وتؤثر في عقليات وسلوكات الناس، كما حاول وضع تصنيف طبقي- مجتمعي، جديد للمغرب، بالإضافة إلى دراسة مفصلة وعميقة لظاهرة القياد الكبار.
وفي هذا الاستعراض السريع، لابد أن نعترف بالدور الكبير الذي لعبه ريمي لوفو، في دراسته حول البادية المغربية، ومكانتها في النظام السياسي المغربي، و شبكات الأعيان التي أقامها النظام، لمواجهة أحزاب الحركة الوطنية. وفي نفس المنهج، سار جون واتربوري، في دراسته تحت عنوان “أمير المؤمنين”، الذي درس الشبكات العائلية والمصلحية، التي هي أهم سند لسلطة المخزن.
لم تكن مثل هذه الدراسات معزولة عن المناخ وعن الصراع السياسي، بل كانت في عمقه، لذلك سنجد أحزاب ومنظمات اليسار تهتم كثيرا بها، بل إن تقارير مؤتمراتها كانت لا تخلو من دراسات عميقة حول طبيعة النظام السياسي والمجتمع و الطبقات… ومن بينها التقرير الإيديولوجي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في مؤتمره الاستثنائي، ووثيقة التحولات المجتمعية، في مؤتمره الرابع، فقد كان التحليل العلمي، أساسيا في صياغة الاستراتيجية السياسية.
وفي هذا الإطار جاءت مساهمة الفقيد محمد جسوس، الذي ربط دائما بين البحث العلمي والنضال السياسي، ومن أعمق ما اهتم به هو محاولة فهم طبيعة النظام والمجتمع في المغرب. وفي اعتقادي، لقد كانت مساهمته حاسمة في توجيه الفكر السياسي المغربي، من خلال استعماله للنظريات حول الزبونية، والتي شكلت أحد الأجوبة عن سؤال ظل يؤرق الكثير من الباحثين والسياسيين.
لقد كانت إشكالية وضع النظام المخزني في قالب نظري، مسألة مستعصية، غير أن العالم محمد جسوس قدم في هذا الإطار سبقا يسجل له بمداد الفخر، وهو اهتداؤه، من خلال نظريات الزبونية، إلى وصفه وتحديد ملامحه، واقتباس تسمية “الباتريمونيالية الجديدة”، التي استعملت لدراسة أنظمة مماثلة، خاصة في المنطقة العربية، وهو نظام الولاء الذي ساد العلاقات مع الحاكم، بخصائص اختلفت عن الأنظمة التقليدية السابقة.
لم يكن مفهوم “الزبونية” منتشرا، قبل أن يدرسه أستاذنا جسوس للطلبة، ويشرحه في المحاضرات وفي الصحافة، وهو عبارة عن شبكات مصلحية، مختلفة عن الأنظمة التقليدية، تربط وجهاء بزبائن، والمركز بالمحيط، وترتكز على تبادل المصالح والولاءات. وعلى أساسها درس الفقيد النظام المخزني “الجديد”، والهيكل الذي بناه، ليس على أنقاض النظام القديم، بل قام بتحيينه، كما يقول العروي “فالتقليد يتجدد”.
عن جريدة ..ا.ش

2/17/2014