اداب الاختلاف والحوار في الاسلام وغيره …

مصطفى المتوكل / تارودانت

الخميس20 فبراير 2014

 

قال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1-4].

و قال رسول الله صلى الله عيه وسلم : “لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ“.

..وعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ rقال : ((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ )) قالوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ ؟ قال: ((الْمُتَكَبِّرُونَ))رواه الترمذي  . وَالثَّرْثَارُ : كَثِيرُ الْكَلامِ تكُلَّفًا، وَالْمُتَشَدِّقُ الَّذِي يَتَطَاوَلُ عَلَى النَّاسِ فِي الْكَلامِ .

ان الخلاف والاختلاف مسالة طبيعية تعلق الامر بامور الدين خارج النصوص القطعية الدلالة والثبوث او بامور  دنوية فكرية اومادية اوطرق التنفيذ …

وبغض النظر عن المذهب او المعتقد الوضعي كان فلسفيا او يمينيا او يساريا /.. -كما يقال  – فلا احد يملك الحقيقة المطلقة كما لا يصح عند عاقل ان يدعي كمال افكاره واخلاقة وافعاله وان ما عداه باطل و على ضلال وليس على هدى …فامور البشرية  في طبيعتها لاتسمح  بان تتجاوز قدراتها في الزمان والمكان والفهم الا ان توفرت شروط واليات تطور الفهم والادراك والوعي …

وبقراءتنا للعديد من المحطات عبر تاريخ البشرية بدءا من ابني  ادم عليه السلام الى اللحظة … فاننا سنقف على مفارقات يستوي فيها  احيانا  الذين يعلمون مع الذين لايعلمون ذلك ان المعرفة بالدين لاتعني بالضرورة التدين كما ان المعرفة بالاخلاق لايتلازم معها ان يكون الشخص متخلقا …فكم من واحد يعتبر جاهلا  بامور الدين والمعارف يكون اكثر الناس ادبا وتواضعا واحسنهم اخلاقا كان هذا بمجتمعاتنا او حتى بالمجتمعات التي تسمى بداية …

فالذي يصنف بانه لايعرف قد يجد لنفسه وسيجد  الناس  له اكثر من عذر عندما يخطي في حق عقيدة ما اواعراف مجتمع ما …اما غيره فلا عذر له عند الله ولا عند العباد …

  قال تعالى (( وكل انسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرا كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا   * من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ولاتزر وازرة وزر اخرى * وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا *))       

 إن كثيرًا  من المحاورات التي يقف عليها القارئ عبر القرون تكون  عقيمًة احيانا كما تكون في منتهى الابداع والنضج… يستدل بها الفقهاء او المؤرخون او النقاذ لتحديد درجات المعرفة والوعي ومستوى الخطاب وعمقه الاخلاقي في مرحلة من المراحل

لهذا نجد ان اهل العلم في تدبيرهم للنقاش ينطلقون من الاصل قبل الفرع  ..ذلك ان النقاش في الفروع مع عدم الاتفاق على الاصول يعتبر نوعا من الجدل العقيم  الا في حالات خاصة …

كما انه يفترض حال عدم وجود  الاتفاق بين المتحاورين ان يكون هناك  اصل لابد انهم يجتمعون عليه  يُرجع إليه لزوما ليكون منطلقا صلبا لتدبير القضايا الخلافية وهذا من نهج السلف الصالح رضي الله عنهم

ان  الحوار القائم بين كثير من المسلمين يطغى عليه ما يجعلهم يخالفون الاداب التي علمها الانبياء والرسل للناس فاصبح رفع الصوت والتعصب للراي واستعمال العنف لفرضه وتبخيس راي الاخرين والمبالغة في الذم والقدح وتحويل الاختلاف حول فكرة او قضية الى عداءات  وصراعات لا اول لها ولا اخر تنتقل احيانا عبر قرون كما حال الخوارج ضد غيرهم وكما هو حال غلاة الشيعة ضد السنة الذين مازلنا نعيش تبعاته الى اليوم ……

ولقد اتفق  الاولون والاخرون  بان للحوار آداب منها حسن النية والتواضع في القول والعمل وحسن الاستماع والانصاف وان يكون البدء بمواضع الاتفاق والمسلمات مع ترك التعصب لغير الحق وضرورة احترام الطرف  الاخر والتزام الموضوعية والاعتدال في الخطاب والكلام والصوت والايمان بالتكامل …

ووصف  تعالى عباده بقوله  ” وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما “الفرقان 63

… لقد خلق الله للإنسان عقلا و لسانا يبين به أفكاره للناس , فكانت بذلك  الألسن كاشفة على ما في النفوس  وما في الضمائر  , فالساكت لايعرف ما يريد ولا فيم يفكر  والكلام  يكشف ظاهر القصد ويحيل على  دلالات الباطن …

 ..ان موضوع أدب الحوار بين الناس  جوهري ذلك  ان الخلاف بين الناس أمر طبيعي ومعلوم حتى  في امور الدين   والشرع وأسباب ذلك  كثيرة، منها:

 – أن دلالة بعض النصـوص الشرعية  ليست دائما قطعية فتحمل أكثر من اجتهاد في  الفهم وتحديد المعنى..ومنها  الاختلاف في  القدرة على الفهم والادراك وكذا التفاوت في العلم والمعرفة . ومنها   بلوغ الدليل  للبعض وعد علم البعض به ..يضاف الى ذلك التعصب والهوى لراي او مذهب او توجه 

فحينما يختلف الناس  فإنهم يسلكون في معالجة هذا الامر  شتى الطرق  تمتد من العنف اللفظي  الى المادي  ..والعقلاء منهم يزنون مايقولون  ويتفاضلون في الحلول والاقتراحات البناءة  ….

فالحقيقة الكاملة لايمتلكها اي كان بل يتقاسم بعض كلياتها و بعض جزئياتها الكثير منهم وعين العقل هو الاقرار بذلك ونسوق على سبيل الاستئناس مقولة  لبروتاغوراس  :
“أن الحقيقة المطلقة لا وجود لها، وأن كل ما يوجد هو الحقائق التي يعتنقها بعض الناس في ظروف خاصة، وقد تكون الأقوال المتناقضة حقائق متساوية القيمة في اعتقاد أشخاص مختلفين أو في أزمنة مختلفة والحقيقة كلها والخير والجمال، أمور نسبية وشخصية، والإنسان هو المقياس الذي تقاس به جميع الأشياء فهو الذي يقرر أن الأشياء الكائنة كائنة، وأن الأشياء غير الكائنة غير كائنة .

…..أن الحوار الديمقراطي له قواعد منها الصدق الذي نقيضه التدليس..ومن لوازمه  عدم التعسف على  الحقائق وتجنب التأويل المجانب  للوقائع, وثاني هذه القواعد تناغم القول والفعل .. و تقبل الاختلاف والاحترام المتبادل

وعملا بهذا  أرسى فولتير  مبدا مهما : “أختلف معك فيما تقول، ولكني علي استعداد إلي أقصي درجة للدفاع عن حقك في أن تقول ماتريد”

ان الحوار المثمر لايكون الا بالكلام المفيد للمتحاورين وكل من يصله الحوار

“ولقد ذكر الماوردي رحمه الله شروط الكلام النافع في:
–  أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضر.
–  أن يأتي به في موضعه ويتوخى به إصابة فرصته.
–  أن يقتصر منه على قدر حاجته.
–  أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.”

 فما احوج الحاكمين والنخب واحوجنا اجمعين  لتجنب ما نهينا عنه شرعا وعقلا الى استيعاب دلالات ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:”من وصايا الخضر لموسى عليه السلام: لا تكونن مكثاراً بالنطق مهذاراً، فإن كثرة النطق تشين العلماء وتبدى مساوئ السخفاء”.

و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من كثر كلامه كثر سقطه».