الملحق الثقافي ينفرد بنشر ترجمة حوار فاطمة المرنيسي ضمن كتاب «مهنة المثقف»:

أحلـم بإســلام كـوني

ترجمة: سعيد عاهد ومحمد خيرات

  * في كتابك “الحريم السياسي”، قمت بتفكيك الحديث النبوي الذي يقول “ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة”، وبرهنت قابليته الكبيرة للنقاش بسبب شخصية راويه وسياقه التاريخي. إنك تناضلين، في العمق، ضد النسيان والذاكرة الانتقائية اللذين يعوقان حاضر المسلمين، هل تعتقدين أنه ثمة مكون متنور وآخر ظلامي في الموروث الإسلامي حول قضية تولية المرأة؟

*** سأبدأ بشرح تصوري للإسلام، الذي هو تصور المصري الشهير أحمد أمين 1886 – 1954?، أحد مؤسسي نهضتنا. لقد ذكر، وهو يكتب عن طبيعة العقل العربي ضمن كتابه «فجر الإسلام»، بأن أصل كلمة إسلام هو السلم والتواضع مقابل عدوانية الجاهلي المتكبر وعديم الاحترام. المسلم هو من يرد بهدوء وتواضع على ازدراء الجاهلي الأناني والميال إلى الشجار. يقول أحمد أمين: «إن كلمة جاهلية تدل على الخفة والأنفة والحمية والمفاخرة. وهي أمور أوضح، ما كانت في حياة العرب قبل الإسلام، فسمي العصر بالجاهلية، ويقابل هذه المعاني هدوء النفس والتواضع والاعتداد بالعمل الصالح لا بالنسب وهي كلها نزعة سلام. فمعنى الآية الكريمة: «وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً»، كما قال الطبري إن عباد الله هم الذين يمشون على الأرض بالحلم لا يجهلون على من جهل عليهم». وهو يشرح، في هذا السياق، أن الجاهلية لا تعني الجهل، بل عنفا متولدا من غياب الانضباط الذي يسمح للمرء بضبط غضبه عبر التركيز على الآخر بدل المكوث سجينا لن +ير محمد عابد الجابري حين صرح بأن الإسلام “هو دين العقل”. يقول الجابري: “وذلك إلى درجة يمكن القول معها إن القرآن يدعو إلى دين العقل، أعني إلى الدين الذي يقوم فيه الاعتقاد على أساس استعمال العقل”. هذه الصورة للإسلام، بوصفه يقظة سيكولوجية، وانضباطا ذاتيا يجعل الإنسان مسالما وهادئا، هي التي أحتفظ بها من أزقة فاس، ومن الكُتاب القرآني في حيي، ومن زياراتي أيام الجمعة للقرويين حيث كانت تأخذني جدتي ياسمينة، التي كانت تعتبر أمية، مع بنات عمومتي قصد الاستماع للفقيه خطيبها المفضل. ذلك أنه علينا ألا ننسى أن القرويين كانت في نفس الوقت مسجدا وجامعة منفتحة على العموم. ولم تكن ياسمينة في حاجة إلى بطاقة التعريف الوطنية لولوجها، كما يشرح ذلك عبد الهادي التازي في كتابه “جامعة القرويين: المسجد والجامعة بمدينة فاس”. وفي كل الأحوال، فجيل ياسمينة لم يكن يتوفر على بطاقة تعريف وطنية! هذا المعطى مثير للضحك، أليس كذلك؟ ويجدر التذكير هنا بأن أحد المجالات التي سعى ضمنها الإسلام إلى تغيير العلاقات الصدامية العنيفة للجاهلية بالانضباط الذاتي المؤدي للحوار، كان هو مجال العلاقات بين الجنسين. لقد اعترف الخليفة عمر، الذي كان ذا نزعة ذكورية، بوضوح أن الإسلام رفع من شأن المرأة، مزعزعا بفعل ذلك التقاليد الأبيسية: “عن ابن عباس رضي الله عنه عن عمر بن الخطاب قال: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم”. ويجب أن نتذكر أساسا أن هجرة النبي من مكة، حيث كان رجال قبيلة قريش ذوي نزعة ذكورية بالأحرى، إلى المدينة، حيث كانت نساء الأنصار مسيطرات على الرجال، ?أن هجرة النبي? زعزعت كليا الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب الذي سيصبح لاحقا الخليفة الثالث. لقد عبر هذا الأخير عن مفاجأته أمام هذه الثورة الجنسية غير المنتظرة بقوله: “وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار”. ومن جهة أخرى، فإن كون الإسلام ضد الرهبانية، خلافا للمسيحية، قد ساعد على تحرير الحوافز الجنسية، مع تحديد حدود الزنا ودفع الرجال والنساء إلى أن يصبحوا أفرادا مسؤولين. وإضافة إلى هذا، فإن كلمة “دين” مرادفة لكلمة “حساب”. وحسب القاموس الشهير “لسان العرب” لابن منظور، فدان نفسه عبرة تعني ضبطها وسيطر عليها: “والدين: الحساب؛… قوله دان نفسه، أي أذلها واستعبدها، قيل: حاسبها”. ويكشف هذا التعريف للدين حدود العلمانية وفق المنظور الفرنسي الذي يسعى إلى جعل الدين ينحصر في الفضاء الخاص! وذلك لأن الدين هو، أولا وقبل كل شيء، ضبط ذاتي للنفس، فكيف نمنعه من احتلال الفضاء العام؟ كيف نمنع شيئا غير مرئي، من قبيل الضبط الذاتي للنزوعات النفسية الذي هو غير مرئي تعريفا، من احتلال الفضاء العام؟ ومن ثمة، وكما يشرح ذلك محمد الطوزي، يبرز الطابع الاستعجالي، المتولد عن ثورة الربيع العربي، لـ “ضرورة التوضيح المؤسساتي للعلاقة بين العنصر السياسي والدين”، وذلك من أجل “تقليص إمكانيات توظيف الدين في الحقل العام”. ومن جهة أخرى، فمن الضروري التذكير بأن أحد الأسباب التي تشرح الخوف الذي يولده الإسلام بالنسبة للغرب في القرن الواحد والعشرين، يكمن في كون التكنولوجيا الرقمية تنتصر لهذا البعد النفسي لديانتنا. وخاصة مع البزوغ اللافت للنساء في وسائل الإعلام، ليس فقط كرموز للرغبة، ولكن أيضا كخبيرات استراتيجيات في حقل البلاغة “فن التواصل”. * تتحدثين عن بزوغ النساء كخبيرات استراتيجيات في حقل التواصل عبر القنوات التلفزية؟ ** أجل. ومن الجلي أن أحد التحولات اللافتة التي يعيشها العالم العربي خلال السنوات الأخيرة، يتجسد في الارتفاع الكبير للقنوات التلفزية العربية، حيث وصل عددها 650 في دجنبر 2013 حسب خبراء دبي. ومن الواضح أيضا أن الدين برز كبؤرة لعدد كبير من هذه القنوات. لكن ما لا ننتبه له كثيرا هو بزوغ النساء كمتواصلات يجنين أموالا طائلة بفضل قدراتهن. لقد جلب الحضور الكثيف للنساء في حقل وسائل الإعلام بالشرق الأوسط الانتباه إلى قدرتهن على الحصول على المال عبر التحكم في فن التواصل. وسآخذ كمثال على ذلك ريما مكتبي التي انهار منزل عائلتها خلال حرب لبنان سنة 2005، لتصبح إعلامية متخصصة في تغطية الحروب في قناة العربية. ولقد عرضت عليها قناة “سي. إن. إن” العمل معها مقابل 500 ألف دولار أمريكي لتلتحق بها قبل العودة إلى قناتها الأصلية. تحضرني كذلك إليسا خوري التي تجني كمغنية 90 ألف دولار عن كل سهرة تحييها ملهبة جمهورها. * هل هذا البروز للنساء في المجال العمومي الذي تساعد عليه الاستقلالية المالية، يشكل معطى جديدا في عالمنا العربي؟ ** جوابي هو لا بشكل قطعي! لقد انتفض الشاعر الأندلسي ابن بسام في زمانه ضد ولوج النساء إلى المهن ذات الهيبة والقريبة من سلطة الخلفاء، حيث قال: “ما للنساء وللكتابة والعمالة والخطابة “هذا لنا، ولهن منا أن يبتن جنابه”. من هنا تنجلي أهمية السؤال المطروح حاليا في المجلات العربية: “لمَ لا تتزوج البنات الجميلات؟”. لقد فكك هذا الوضع الجديد تماما النموذج الأبيسي الذي قمت بوصفه في الكتب التي نشرتها في سنوات التسعينيات والذي يبدو لي أنه متجاوز بالأحرى اليوم! * في كتاب “أحلام النساء”، توظفين التخييل لإظهار مدى الانغراس الثقافي، في المدرسة والحريم العائلي، لفكرة كون المرأة غير فعالة في الخطاب الذكوري، بينما هي التي تتخذ زمام المبادرة في الحياة اليومية، ما الذي يساعدك على إدراك هذه التفاصيل الدقيقة ضمن علاقات السلطة بين الرجال والنساء؟ ** خلال طفولتي، كانت النساء هن اللواتي يحكين القصص في “بوس الدار” -فناء بيوت المدينة العتيقة- وفي الشرفات. أما الرجال، فكانوا يقومون بذلك أمام العموم في “حلقة” باب بوجلود التي كانت الأسر تأخذ أبناءها لها خلال أيام العطل المدرسية. لا تنسوا أنه، وحسب المختصين في “ألف ليلة وليلة” -ومنهم العراقي حسين حداوي الذي ترجم إلى الإنجليزية، في 1990، نسخة القرن الرابع عشر من هذه الحكايات التي جمعها محسن مهدي، الأستاذ بجامعة هارفارد- لا تنسوا أن الجدات هن اللواتي كن يحكين هذه الحكايات شفويا في مدينة بغداد. يكتب حسين حداوي في هذا الصدد: “حين كنت طفلا صغيرا في بغداد- وهذا قبل عدة سنوات- كنت أنصت لحكايات ألف ليلة وليلة. كان ذلك يحدث خلال ليالي الشتاء الطويلة، بمناسبة زيارة إحدى السيدات لجدتي… كنت أطلب حكاية. كنت أفضل خاصة حكايات الحب وقصص الجنيات. لأنها كانت تقودني إلى عالم السحر”. شخصيا، أعجبت بحكاية المرأة ذات الجناح التي نجدها في »ألف ليلة وليلة« والتي كانت تحكيها لالة مينة في بهو منزلنا، إلى درجة أنني أخذت لي صورة بأجنحة! بالنسبة لي، سلطة الخيال والحلم التي تسمح للبشر بصفة عامة وللنساء بشكل خاص يتجاوز كل الحدود التي تمنع رغبتهم في السفر. *في السفر أو التجول بحرية في الشوارع؟ ** التجول بحرية؟ أذكركم، إذا كنتم قد نسيتم، أن النساء يصرخن بقوة وهن يدفعن الدواب والرجال الذين يركبونها في أزقة فاس الضيقة. من أجل المرور! وهناك نص رائع بهذا الخصوص للكاتب ليون الإفريقي. أنا شخصيا من أصول جبلية، وعندنا كما في طنجة النساء لا تقل عنفا عن الرجال، ولا تترددن في إحراجهم. لكن في جنوب المغرب يبدو أن الأمور أكثر سلمية. في بداية سنوات 1970، كنت رفقة صديقتي العزيزة المرحومة فاطنة كاسيدي في بيت والديها بأكادير، وهي من عائلة عريقة في سوس. كنا نتحدث في جمع من النساء، وبمجرد ما دخل شقيقها. صمتت كل النساء إلا أنا، أشرت لي خلسة أنه يجب أن أنصت فقط. كان شقيقها وحده المسموح له بالكلام. سألتها فيما بعد، ما معنى ذلك بالضبط؟ أجابتني: »أنت لا تفهمين شيئا، الرجال، تسمعين ما يقولون حتى تعلمي فيما يفكرون«. فالصمت لم يكن فعل خضوع بل وسيلة استراتيجية لامتلاك السلطة على الآخر. عندما عدت إلى الرباط، حكيت هذه القصة لمؤرخة كبيرة أحبها، انفجرت ضحكا وقالت »ولكن يا فاطمة«، ألا تعرفين أن إحدى ملكات شمال افريقيا الكبيرات كانت سيدة من جنوب المغرب؟ كانت تسمى زينب النفزاوية تقاسمت السلطة مع زوجها يوسف ابن تاشفين الذي حكم في الفترة من 453 إلى 500 للهجرة (1061 إلى 1107 ميلادية) وانشأ امبراطورية امتدت حتى إسبانيا. والتقاسم ليس الكلمة المناسبة، لأن المؤرخ أبازهر الفاسي وصفها بصفة »القائم بأمره« وبالضبط اكتشافي لزينب النفزاوية هنو ما حفزني على بداية كتابة مؤلفي »”سلطانات منسيات”: نساء حاكمات في الإسلام الذي نشر سنة 1990. ويجب أن أعترف أن أفضل مكان لفهم كل هذه الأشياء ليس المدرسة التي نتلقى فيها المعرفة، بل الشارع والجماعة والدرب حيث يتعين التجلي بتواضع الانصات للجميع دون اعتبارات للوضع أو الطبقة. كنا في ذلك الوقت بعيدين عن الصورة الجالية للنخبة المتمترسة في أحياء محصنة بشكل جيد لا نتحرك فيها بعيدة جدا عن الأحياء الشعبية المكتظة.

* تعتبرين من مدة أن النزعة النسوية الغربية، نزعة مفصولة عن الواقع. من أين جاءكم هذا الموقف؟

** النزعة النسوية في المغرب كانت قضية نساء! وفي بلداننا الإسلامية، تحرير النساء كان أولا قضية رجال أمثال قاسم أمين (1908-1863). كتبت هذا في أسبوعية لا في ايكونوميك«: »إذا يسألوني من يكون مقابل فيرجينيا وولف (1941-1882) الكاتبة الإنجليزية والوجه البارز لتحرير المرأة في الغرب، سأذكر بالنسبة للشرق اسم رجل: هو قاسم أمين القاضي المصري الذي أصدر سنة 1899، أقوى بيان عن تحرير المرأة في تاريخ الإسلام، بيان “»تحرير المرأة”، ليس لأن النساء اللواتي كن يطالبن بالمساواة بين الجنسين لم يكن موجودات في عصره، بل فقط لأن قاضيا بالأزهر يدعو لتحرير المرأة كان له وقع أكبر، لقدزعزع بشكل لا رجعة فيه هيمنة المحافظين الدينيين على المجال السياسي وأعطى للحركات الوطنية في العالم العربي المدافعة عن الإصلاح، القدرة على إصلاح الدولة من خلال إحداث مؤسسات ديمقراطية على النمط الغربي كالبرلمان، والانتخابات إلخ«. كتاب قاسم أمين أجبر الزعماء الوطنيين في بداية القرن الماضي أمثال كمال »أتاتورك على وضع تعليم المرأة على رأس إصلاحاتهم: «النساء يمثلن تقريبا نصف سكان أي بلد، وتركهن في الأمية والجهل معناه إهدار قدرة العمل لدى نصف الأمة…«. ذات مرة، كنت مدعوة من طرف الحركات النسائية في السويد، وتم منع صحافي سوري جاء لاستجوابي من دخول القاعة. و عندما سألت السويديات عن سبب منع السوري من الدخول، قالوا لي بأن الاجتماع خاص بالنساء فقط. رفضت المشاركة لأن ذلك يعني بالنسبة لي إعادة ابتكار الحريم. دخلت و قلت لهن فقط »”لا يمكن أن تكون هناك حرية ومساواة مع الإقصاء والتمترس والفصل بين الجنسين«. وهكذا قطعت العلاقة مع الحركات النسائية الغربية. وتحولت نحو الشرق خاصة الهند وماليزيا ومصر. ويجب التذكير أن الغرب لم يكن له شخص مثل كمال أتاتورك الذي مكن النساء التركيات من حق التصويت قبل النساء في الغرب! تاريخيا من المهم إعادة قراءة تاريخ بداية الجمهورية التركية التي أسسها في سنة 1909، تمت تنحية السلطان عبد الحميد ومنع الحريم، في سنة 1925 أعلن أتاتورك عن سلسلة من الإصلاحات في القوانين ووضعية المرأة. بدأت النساء يصوتن في تركيا ومصر قبل الفرنسيات بكثير، وفي سنة 1937 دخلت ثلاث نساء تركيات البرلمان التركي. وبينما كان المستشرقون الغربيون ينسجون الروايات حول الحريم، كانت الحقائق حول المساواة السياسية شيئا آخر. * وماذا عن الحركة النسائية في المغرب؟ ** ألح على كون حركة تحرير المرأة في العالم الإسلامي كانت في البداية قضية ر جال متبصرين فهموا أن قوة الأمة رهينة بتعبئة إبداع الأدمغة سواء أدمغة النساء أو الرجال. عندما زار الملك محمد الخامس القرويين سنة 1943 للحدث عن تمدرس النساء> قال له أحد العلماء: »تعليم المرأة يعني أفعى تسقي سما«. فأجابه الملك »أن البنت ليست بأفعى أولا ولا يمكن أن نقبل أن تكونوا أنتم وهؤلاء ونحن أبناء أفاعي«. ولكن اليوم في عصر 650 قمرا اصطناعيا عربيا، حتى الحدود بين المجال الخاص والمال العالم التي كان يستعملها المحافظون لإبقاء النساء في المجال الأول لم تعد عملية عندما سمعت سنة 2012 خبيرات في وسائل الإعلام ساهمت في كتاب »”صحافيات مغربيات: جيل الحوار”« أدركت أن إحدى الثورات التي تفسر الدمقرطة السلمية للمغرب هي تعزيز الحوار بين الرجال والنساء. بعض هذه النساء الصحفيات المغربيات اللواتي هاجر آباؤهن من القرى البعيدة إلى الدار البيضاء، والذين كانوا يمارسون مهنا صغيرة، يصبحون متساوين في البيت وهم يشاهدون التلفزيون مجتمعين، هناك مقولة حضرية توحي بأن روح المساواة هاته منتشرة أكثر في أوساط الطبقات الميسورة البورجوازية. هذا غير صحيح. في هذا الكتاب، اكتشفت باندهاش أكثر بأن المساواة بين الجنسين في المغرب تطورت أكثر منها في أوساط الطبقات الوسطى الجديدة خلال العقدين الماضيين.

* في كتابكم «»الإسلام والديمقراطية«« وهو كتاب تحذيري ولد من حرب الخليج، تفسرون أنه تاريخياً لدى العرب، تطلع للديمقراطية. بدأ ذلك مع المعتزلة ويتجدد من خلال المظاهرات السلمية لعصرنا الحالي. ما هي قراءتكم للمعركة بين الأشخاص والاستبداد في منطقتنا؟

** بالنسبة لي، من المؤكد أن الاستبداد في بلداننا في القرن 20، كان نتاجاً للقوى الاستعمارية والنيوكولونيالية. وهيمنتها التكنولوجية والعسكرية. وكلما كانت سلطة الدكتاتور مستقرة، كان ذلك في صالح المستفيدين الغربيين. وثورات ساحة التحرير في مصر ضد مبارك مثلا، كانت مظاهرات ضد سلطة نيوكولونيالية. كانت تستهدف هيمنة الولايات المتحدة التي توفر الأسلحة (في شكل منح) للدكتاتور، وبذلك تقوى سلطته لإرهاب الشعب. اليوم، نحن نشهد ظاهرة جديدة تماماً. فتقنيات التواصل تؤكد حلم المساواة الذي يفسر الربيع العربي: »ف»محرك السلطة«« هو قدرتك على الحوار كما تشرح ذلك الباحثة الجامعية التونسية نورة بن حمزة، في عصر الرقمنة، لم يعد القتل يجعلك أقوى كما كان من قبل، فالحوار هو محرك الأحداث ومصور للشخصيات.. ومؤد إلى الهدف ومظهر للمغزى«.

* في كلمتكم بمناسبة حصولكم على جائزة أمير استورياس سنة 2004، قارنتم حرب العراق بحملة دموية لرعاة البقر، وتساءلتم: من سينتصر راعي البقر أو سندباد؟ وخلافا لراعي البقر الذي يقتل الأجنبي، يبحث عنه سندباد كمصدر للثروة، هل لقي نداؤكم صدى؟

** شخصية سندباد تحيل على الحركية. »»إن طول المقام من أسباب الفقر كما أن الحركة من أسباب اليسر».« وأدركت أن الرغبة في السفر هي فكرة كونية متجذرة وغباوة الغرب تكمن في منع الفقراء من السفر بدون تأشيرة. وبالحديث عن المأساة الحالية في مالي، نشر هشام الألوسي وهو دبلوماسي عراقي سنة 2010 كتابا حول الطوارق يشرح فيه أن الحل الوحيد هو الاعتراف للرحل بالحق في التنقل بدل حصرهم بحدود أراض صنعتها القوى الاستعمارية، وبالتالي فدرس سندباد هو كالتالي: »اغترب، تجدد«. عندما تلقيت الدعوة سنة 2004 لتسلم جائزة أستوريا والقيت كلمتي، تجاهل الصحفيون نقل عنوان مداخلتي «سندباد أو راعي البقر؟»« بالنسبة لهم كنتب ألمح إلى أن الغرب الذي خلق راعي البقر، قاتل، بينما الاسلام أكثر حداثة لأنه يدعو إلى الحركة.

* تعدون لإصدار كتاب بالإنجليزية حول الخوف من الإسلام، »لمَ يخاف الغرب من الإسلام؟« هل وجدتم بداية جواب حول هذا السؤال الشاسع؟

**أعتقد أن الإسلام يخيف الدول الغربية في هذا القرن 21 أكثر من أي وقت مضى، لأن هذا الدين ينكر وجود الحدود الجغرافية التي أقامها البشر ويؤكد امتيازنا في التنقل بحرية على الأرض التي وصفها القرآن في سورة نوح »والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاحا..«. تأمل معي هذه الآية التي أعجبتني وأنا صغيرة والتي مازالت تغريني بالحلم بالحركة عندما أحس بنفسي مشلولة سواء جسديا أو نفسيا. إذا كانت لديك مشكلة، ارفع رأسك. انظر إلى النجوم،. وتحرك. وبمنحه إيانا امتياز التجذر في محيطنا الكوني، يدعونا الإسلام إلى التجوال والإحساس بأننا في بيتنا أيما كنا سواء في الهند أو في بروكسيل. وهنا لا يجب أن ننسى أن الدول الغربية هي من ابتكرت في القرن 16 أغلب الحدود الجغرافية الحالية، كما يوضح ذلك جاريد دياموند: »ليس أبعد من سنة 1500، كانت أقل من 20 في المئة من مساحة العالم محددة بحدود تحدد دولا يقودها بيروقراطيون وتحكمها قوانين. واليوم، وباستثناء الأنتارتيك، كل الكرة الأرضية محددة«. وبالتالي، ليس مفاجئا أن الأمم الغربية التي ابتكرت الحدود الجغرافية عندما كانت تستعمر الأرض، هي أول من ينزعج من العولمة التي شاء لهم، وتلح على البعد الكوني لمحيطنا الطبيعي الذي يغرسنا جميعا في نفس الوعاء المشترك. وفجأة أصبح الغربيون مهووسين بالبيئة! وكما لو أن الأمر صدفة، في الإسلام كما في أغلبية الديانات الكتابية، المقدس والطبيعة شيء واحد. بديهية لا تخفى حتى على العلماء الغربيين المرموقين، فالله الذي يتحدث عنه ألبير إنشتاين يقترب من الإله الذي يتحدث عنه الفيلسوف الهولندي سبينوزا والذي قال في القرن 17 أن »الله والطبيعية هما اسمان لنفس الحقيقة. وأن الله هو الطبيعة نفسها«. ففي الوقت الذي نضطهد الحجاب كرمز للمقدس في شوارع العواصم الأوربية، نكتشف أن المقدس يبرز من جديد في الأفق كهاجس تجاجه بيئة أهملناها! وبالتالي اكتشف الغرب أن علمه لم يسمح له فقط بالتحكم في البيئة، بل إن هذه الأخيرة تستطيع الانتقام من خلال ظواهر وكوارث مدمرة.

. عن جريدة الاتحاد الاشتراكي ..2/21/2014