حوار مع مارتن هايدجر

 

الفلسفة والمجتمع والتقنية والكائن

 

أجرى الحوار: ريتشارد فيسرR.Wisser

ترجمه عن الألمانية: إسماعيل المصدق

نقدم فيما يلي ترجمة للحوار الذي أجراه ريتشارد فيسر مع هايدجر لفائدة إحدى قنوات التلفزة الألمانية ونشر في إطار مؤلف جماعي تحت إشراف ريتشارد فيسر عن دار النشر Karl Alber، فرايبورج، ميونيخ 1970، ص: 67-77. وقد ألحقنا بالنص عدة هوامش، إما لتفسير الترجمة العربية لبعض المصطلحات والتعابير أو لتوضيح بعض القضايا والأفكار التي وردت في الحوار. والحوار يتناول قضايا هامة مثل: الفلسفة والمجتمع والفلسفة والتقنية، والفلسفة والكائن الخ.

ـــــــــ

فيسر:

السيد الأستاذ هايدجر! هناك في زماننا أصوات ترى أن تغيير العلاقات الاجتماعية هو المهمة الحاسمة في الوقت الحاضر ونقطة الانطلاق الوحيدة الواعدة بالنسبة للمستقبل؛ هذه الأحداث يتكاثر عددها وتزداد قوتها باستمرار، ما هو موقفكم إزاء مثل هذا الاتجاه لما يسمى “بروح العصر”، مثلا فيما يخص إصلاح الجامعة؟

هايدجر:

سأجيب عن السؤال الأخير فقط؛ ذلك أن ما سألتم عنه قبل ذلك واسع جدا. والجواب الذي أعطيه لكم، هو نفس الجواب الذي أعطيته قبل أربعين سنة في محاضرتي الافتتاحية بجامعة فرايبورج سنة 1929.

أورد لكم جملة من محاضرة “ما هي الميتافيزيقا؟”: “إن مجالات العلوم بعيدة جدا عن بعضها البعض، وأساليب معالجة موضوعاتها تختلف اختلافا أساسيا. هذه التعددية المتفتتة للشعب لا تتم المحافظة على تماسكها اليوم إلا بواسطة التنظيم التقني للجامعات والكليات، كما لا تتم المحافظة على دلالتها إلا بفضل توجيه المواد نحو غايات عملية، في حين أن تجذر العلوم في أساس ماهيتها قد اضمحل.”

أعتقد أن هذا الجواب يجب أن يكون كافيا.

فيسر:

هناك دوافع متباينة تماما هي التي قادت إلى المحاولات الحديثة الرامية إلى تغيير التوجيه فيما يتعلق بتحديد الأهداف وإلى “تحويل بنية” المعطيات الواقعية داخل المستوى الاجتماعي أو كذلك مستوى العلاقات بين الناس. جلي أن في هذا الأمر كثيرا من الفلسفة، فيما هو إيجابي وفيما هو سلبي.

هل ترون أن هناك مهمة اجتماعية للفلسفة؟

هايدجر:

لا! لا يمكن الحديث عن مهمة اجتماعية بهذا المعنى.

إذا أردنا أن نجيب على هذا السؤال فينبغي أولا أن نسأل: “ما هو المجتمع؟” وأن نتذكر بأن المجتمع اليوم ليس سوى صيغة مطلقة للذاتية() الحديثة، وبأنه انطلاقا من ذلك، فإن فلسفة تخطت زاوية نظر الذاتية ليس لها الحق في أن تساهم في ذلك.

أما السؤال: إلى أي حد يمكن الحديث عموما عن تغيير المجتمع، فهو سؤال آخر. إن السؤال عن ضرورة تغيير العالم يعود إلى جملة لكارل ماركس من “أطروحات حول فويرباخ”، وهي جملة يتم الاستشهاد بها كثيرا.

أريد أن أنقل هذه الجملة بدقة وأن أتلوها أمامكم: “لم يقم الفلاسفة إلا بتأويل العالم بكيفيات مختلفة، في حين أن المهم هو تغييره.”

يغفل المرء عند الاستشهاد بهذه الجملة والأخذ بها أن تغيير العالم يفترض تغيرا في تصور العالم، وأنه لا يمكن الوصول إلى تصور للعالم إلا إذا تم تأويله على نحو كاف.

يعني هذا أن ماركس في مطالبته “بتغيير العالم” يستند إلى تأويل محدد تماما للعالم، وبذلك يتبين أن هذه الجملة غير مؤسسة. إنها تولد الانطباع بأنه قد تم الحديث بكيفية جازمة ضد الفلسفة، في حين أن القسم الثاني من الجملة يفترض ضمنيا ضرورة الفلسفة.

فيسر:

كيف يمكن أن تصير فلسفتكم اليوم فعالة في مجتمع مشخص له مهامه وهمومه المتعددة، متاعبه وآماله؟ أم هل الحق هو بجانب نقادك الذين يدعون بأن مارتن هايدجر ركز اهتمامه على “الكون”() إلى حد أنه ضحى بالشرط البشري، أي بكون الإنسان في المجتمع وكشخص؟

هايدجر:

هذا النقد يقوم على سوء فهم كبير! فسؤال الكون وبسط هذا السؤال يفترضان بالضبط تأويلا للدازاين()، أي تحديدا لماهية الإنسان. والفكرة الأساسية لتفكيري هي بالضبط أن الكون وبالتالي انفتاح الكون يحتاج إلى الإنسان، وأن الإنسان لا يكون بدوره إنسانا إلا لأنه يقيم في انفتاح الكون.

بذلك يجب أن يكون قد تم الحسم في السؤال: إلى أي حد اهتممت فقط بالكون ونسيت الإنسان. لا يمكن أن نسأل عن الكون دون أن نسأل عن ماهية الإنسان.

فيسر:

قال نيتشه ذات مرة: الفيلسوف هو الضمير المعذب لعصره. لنترك جانبا ماذا قصد نيتشه بذلك. ولكن تأمل محاولتكم لكشف تاريخ الفلسفة لحد الآن كتاريخ للتدهور فيما يتعلق بالكون، ثم بالتالي لتقويض هذا التاريخ، ربما يغري البعض بأن يسمي مارتن هايدجر الضمير المعذب للفلسفة الغربية.

أين ترون السمة، حتى لا أقول العلامة الفكرية، التي تميز على الأكثر ما تسمونه “نسيان الكون” أو “هجران الكون”؟()

هايدجر:

يجب علي في البداية أن أصحح سؤالكم من أحد الجوانب عندما تتحدثون عن تاريخ للتدهور. لا يجب فهم ذلك بمعنى سلبي!

إنني لا أتحدث عن تاريخ للتدهور، ولكن عن مصير الكون، من حيث أنه ينسحب أكثر فأكثر بالمقارنة مع انفتاح الكون لدى الإغريق() -إلى حد انتشار الكون كمجرد موضوعية() للعلم، واليوم كمجرد رصيد يستعمل من أجل التحكم التقني في العالم. إذن: ما نعيشه ليس تاريخا للتدهور، بل انسحابا للكون.

إن السمة التي تميز على الأكثر نسيان الوجود- ويجب هنا دائما تفكير النسيان انطلاقا من الإغريقية، من الـ Lethe، أي من اختفاء أو انسحاب الكون-، أي السمة المميزة للعصر الذي نعيش فيه هي -بقدر ما أرى عموما- واقعة أن سؤال الكون الذي أطرحه لم يفهم بعد.

فيسر:

هناك أمران وضعتموهما المرة تلو المرة موضع سؤال وجعلتموها جديرين بالسؤال: طموح العلم إلى السيطرة، وفهم للتقنية لا يرى فيها سوى وسيلة صالحة لبلوغ الهدف الذي نرغب فيه كل مرة بكيفية أسرع. إنه بالضبط في زماننا الذي ينتظر فيه أغلب الناس من العلم كل شيء، والذي تظهر لهم فيه برامج تلفزيونية من كل العالم، بل ومن المناطق المعزولة عن العالم، أن الإنسان يحصل بفضل التقنية على ما يريده، في هذا الزمن تثير أفكاركم حول العلم وحول ماهية التقنية لدى الكثيرين وجع الدماغ(). ماذا تقصدون أولا بادعائكم أن العلم لا يفكر.

 

هايدجر:

لكي أبدأ أولا بوجع الدماغ: إنني أعتبره ظاهرة صحية تماما! هناك اليوم في العالم قليل جدا من وجع الدماغ وغياب كبير للتفكير، وهو غياب مرتبط بالضبط بنسيان الكون.

أما الجملة: العلم لا يفكر، التي لفتت الأنظار كثيرا عندما نطقت بها في إحدى محاضراتي الجامعية بفرايبورج، فتعني: أن العلم لا يتحرك في بعد الفلسفة. ولكنه مع ذلك متوقف، دون أن يعرف ذلك، على هذا البعد.

مثلا: تتحرك الفيزياء في إطار مفاهيم الزمان والمكان والحركة. ولكن العلم كعلم لا يمكن أن يحسم في تحديد الحركة، المكان، الزمان. إن العلم إذن لا يفكر، إنه لا يستطيع بتاتا بواسطة مناهجه أن يفكر بهذا المعنى.

لا يمكنني مثلا أن أقول ما هي الفيزياء بواسطة مناهج فيزيائية. إنني لا أستطيع أن أفكر ما هي الفيزياء إلا بكيفية السؤال الفلسفي. فالجملة: العلم لا يفكر، ليست مأخذا على العلم، بل تسجيلا لبنيته الداخلية: ينتمي إلى ماهية العلم أنه، من جهة، يتوقف على ما تفكره الفلسفة، وأنه، من جهة أخرى، هو ذاته ينسى ولا ينتبه إلى ما ينبغي تفكيره.

فيسر:

وماذا تقصدون عندما تتحدثون ثانيا عن خطر أكبر من خطر القنبلة الذرية على البشرية الحالية، هو قانون() التقنية، أو “الوحدة المجمعة لكيفيات الاستشارة”() كما تسمون السمة الأساسية للتقنية، التي تتجلى في جعل الواقعي ينكشف كرصيد() تحت الطلب، أو بعبارة أخرى في جعل كل شيء وأي شيء رهن الإشارة بمجرد ضغط على الزر.

هايدجر:

فيما يتعلق بالتقنية، فإن تحديدي لماهية التقنية، هذا التحديد الذي لم يصادف لحد الآن القبول في أي مكان، هو -حتى أقول ذلك بكيفية مشخصة- أن أساس علم الطبيعة الحديث قائم في سيادة ماهية التقنية وليس العكس().

يجب أن أقول في البداية بأنني لست ضد التقنية. لم أقل أبدا شيئا ضد التقنية، ولا ضد ما يسمى شيطانيا في التقنية. ولكنني أحاول أن أفهم ماهية التقنية.

عندما توردون هذه الفكرة عن خطورة للتقنية أكبر من خطورة القنبلة الذرية، فإنني أعني ما يتطور اليوم كبيوفيزياء، وهو أننا سنصبح في مدة غير بعيدة قادرين على أن نصنع الإنسان، أي على أن نبنيه في ماهيته العضوية المحضة، حسب ما نحتاجه: ماهرين وغير ماهرين، أذكياء وأغبياء. سيصل بنا الأمر إلى هذا الحد! إن الإمكانيات التقنية اللازمة لذلك متوفرة اليوم، وقد سبق أن تم الإعلان عنها من قبل علماء حاملين لجوائز نوبل في إحدى المؤتمرات بمدينة Lindan، وهو ما سبق أن ذكرته قبل سنوات في محاضرة ألقيتها في مدينة Messkirsch.

إذن: يجب أولا رفض سوء الفهم الذي يجعلني كما لو كنت ضد التقنية.

إنني أرى في التقنية، وبالضبط في ماهيتها، أن الإنسان يوجد تحت قوة تتحداه ولم يبق حرا إزاءها، وأن أمرا ما يعلن في ذلك عن ذاته، هذا الأمر هو علاقة للكون بالإنسان، وأن هذه العلاقة التي تختفي في ماهية التقنية ربما ستظهر للنور ذات يوم في لا اختفائها.

لا أعرف هل سيحدث ذلك! ولكنني أرى في ماهية التقنية الظهور الأول لسر أكثر عمقا بكثير أسميه “الحدوث”(). من ذلك يمكنكم أن تفهموا أنه لا مجال للحديث عن مقاومة أو إدانة للتقنية. ولكن الأمر يتعلق بفهم ماهية التقنية والعالم التقني. وحسب رأيي لا يمكن أن يتم ذلك، ما دام المرء يتحرك في إطار علاقة الذات-الموضوع. وهذا يعني: لا يمكن فهم ماهية التقنية انطلاقا من الماركسية.

فيسر:

كل تأملاتكم تتأسس في ذلك السؤال، الذي هو السؤال الأساسي لفلسفتكم، في “سؤال الكون” وتفضي إليه. لقد أشرتم المرة تلو المرة أنكم لا تريدون إضافة أطروحة جديدة إلى الأطروحات المتوفرة لحد الآن عن الكون. نظرا بالضبط لأن الكون تم تحديده بكيفيات مختلفة جدا، مثلا كخاصية، كإمكان وفعل، كحقيقة، بل وكإله، فإنكم تبحثون عن وحدة قابلة للفهم بين الآراء؛ وبالضبط ليس بمعنى أطروحة فوق الأطروحات، بل كسؤال عن معنى الكون.

في أي اتجاه يمهد تفكيركم الطريق لجواب عن السؤال: لماذا هناك كائن، وليس بدل ذلك لا شيء؟

هايدجر:

هنا يجب علي أن أجيب عن سؤالين، أولا: توضيح سؤال الكون. أعتقد أن هناك غموضا في صيغة سؤالكم. إن تعبير “سؤال الكون” مزدوج الدلالة. يعني أولا سؤال الكون السؤال عن الكائن من حيث هو كائن. وفي هذا السؤال يتم تحديد ما هو الكائن. الجواب على هذا السؤال يعطي تحديدا للكون.

ولكن يمكن أيضا فهم سؤال الكون بمعنى: ما هو أساس كل جواب على السؤال عن الكائن، أي، أين يتأسس عموما لا اختفاء الكون؟ وإذا تكلمنا بصيغة المثال: حدد الإغريق الكون كحضور لما هو حاضر(). في الحضور يتكلم الحاضر()، في الحاضر هناك لحظة للزمان، إذن: إن تحديد الكون كحضور يربطه بالزمان.

وإذا حاولت الآن أن أحدد الحضور انطلاقا من الزمان واستطلعت في تاريخ التفكير عما قيل عن الزمان، فإنني سأجد بأن ماهية الزمان قد تم تحديدها منذ أرسطو انطلاقا من فهم للكون محدد مسبقا(). إذن: إن المفهوم التقليدي للزمان غير قابل للاستعمال. ولذلك حاولت في “الكون والزمان” أن أقوم ببسط مفهوم جديد للزمان والزمانية() بمعنى الانفتاح المتخارج().

إن السؤال الآخر هو سؤال سبق أن طرحه ليبنز ووضعه شيلنج بدوره، ثم كررته من جديد حرفيا في ختام محاضرتي “ما هي الميتافيزيقا؟” التي سبق أن أشرت إليها.

ولكن: هذا السؤال يتخذ لدي معنى مختلفا تماما. إن التصور الميتافيزيقي المعتاد لما يسأل عنه في هذا السؤال هو: لماذا هناك إطلاقا كائن وليس بدل ذلك لا شيء؟ وهذا يعني: ما هو السبب أو الأساس الذي يجعل الكائن كائنا وليس لا شيء؟

وعلى العكس من ذلك فأنا أسأل: لماذا هناك كائن وليس بالأحرى اللاشيء؟ لماذا يحظى الكائن بالأسبقية، لماذا لا يتم تفكير اللاشيء بوصفه متطابقا مع الكون؟() وهذا يعني: لماذا يسود نسيان الكون ومن أين يأتي؟

إنه سؤال مخالف تماما للسؤال الميتافيزيقي. وهذا يعني أنني أسأل: “ما هي الميتافيزيقا؟” إنني لا أسأل سؤالا ميتافيزيقيا، بل أسأل عن ماهية الميتافيزيقا.

كل هذه الأسئلة تتميز، كما ترون، بصعوبة غير معتادة، وهي ليست أساسا في متناول الفهم المألوف. يحتاج الأمر إلى وجع طويل للدماغ وتجربة طويلة وحوار حقيقي مع التراث الكبير. إن إحدى المخاطر الكبرى لتفكيرنا اليوم تتمثل بالضبط في أن التفكير -بمعنى التفكير الفلسفي- لم تبق له علاقة حقيقية أصلية مع التراث.

فيسر:

واضح أن كل شيء يتعلق حسبكم بتقويض الذاتية، وليس بما يتم التركيز عليه اليوم: ما هو أنتروبولوجي ومتمركز على الإنسان، ليس بالتصور الذي يرى أن الإنسان يكون بفضل المعرفة التي لديه عن نفسه والفعل الذي يقوم به قد أدرك ماهيته. بدل ذلك توجهون الإنسان إلى الانتباه لتجربة الدا-زاين() الذي يتعرف فيها الإنسان على نفسه ككائن منفتح على الكون والتي يعطي فيها الكون ذاته للإنسان كلا – اختفاء(). إن أعمالكم بمجملها تنصب على بيان ضرورة مثل هذا التحول في كون الإنسان انطلاقا من تجربة الدا-زاين.

هل هناك علامات على أن هذا الأمر الذي تفكرون ضرورته سيصير واقعا؟

هايدجر:

لا أحد يعرف كيف سيكون مصير التفكير. سبق أن تكلمت سنة 1964 تحت عنوان “نهاية الفلسفة ومهمة التفكير”، في محاضرة لم ألقها أنا نفسي وقدمت في ترجمتها الفرنسية. إنني أميز إذن بين الفلسفة، أي الميتافيزيقا، والتفكير كما أفهمه.

إن التفكير الذي أميزه في هذه المحاضرة عن الفلسفة – وذلك عن طريق محاولة توضيح ماهية المفهوم اليوناني aletheia -، هذا التفكير هو من حيث الشيء ذاته بالمقارنة مع التفكير الميتافيزيقي أسهل بكثير من الفلسفة، ولكنه بسبب سهولته بالضبط أصعب بكثير عند الإنجاز.

وهو يتطلب عناية جديدة باللغة، لا ابتكارا لمصطلحات جديدة كما كنت أعتقد سابقا، بل عودة إلى المضمون الأصلي للغتنا الخاصة، التي هي آخذة في الاضمحلال.

سيكون على مفكر قادم يجد نفسه ربما أمام مهمة الاضطلاع بالتفكير الذي حاولت تهييئه أن يرتضي كلمة سبق أن كتبها هاينريش فون كلايست H. von Kleist، وهي:

“أنحنى أمام ذلك الذي ليس هنا بعد وأنحني أمام روحه قبل قدومه بألف عام”.

ــــــــــــــــ

هوامش

[1]Subjectivité : Subjektivitat: الذاتية، تعني هنا ما يجعل الذات ذاتا، أو هي كيفية الكون الخاصة بالذات. يجب أن نذكر هنا بأن هايدجر يرى أن ما يميز التاريخ الغربي الحديث هو أن الذات أصبحت مركزا ومرجعا يتحدد على ضوئه ما يجب أن يعتبر كائنا وما لا يجب أن يعتبر كذلك. والذات قد تؤول بأشكال مختلفة: مثلا كوعي ترنسندنتالي، كجسد، كعرق، كمجتمع الخ.

 

[1]Etre : Sein، نستعمل لترجمة هذا المصطلح لفظ “الكون” كمصدر لفعل “كان”.

[1]  Dasein: الدازاين، يستعمل هايدجر هذا المفهوم للدلالة على الإنسان من حيث إنه الكائن المنفتح على الكون، ويعني ذلك أن الدازاين يختلف عن كل الكائنات الأخرى من حيث إنه ينجز كونه، وبذلك تكون له علاقة بكونه وبكون الكائنات الأخرى. وحيث أن الدازاين ينجز كونه، فهو لا يتوفر على خصائص بالمعنى المتداول للكلمة، بل إن “خصائصه” هي كيفيات لكونه.

[1]Seinsverlassenheit: هجران الكون، يستعمل هايدجر أحيانا هذا التعبير بدل “نسيان الكون” أو بجانبه، وذلك حتى لا يتم فهم نسيان الكون كأمر يرجع إلى الذات. فليس نسيان الكون نتيجة لخطأ الإنسان أو سهوه، بل هو سمة للكون ذاته، بهذا المعنى فالكون هو الذي يترك الكائن أو يغادره ويهجره.

[1] – لا ينبغي أن نفهم من ذلك أن انسحاب الكون أو اختفاءه ظاهرة خاصة بالتاريخ الغربي الحديث. إن انسحاب الكون هو سمة أساسية للتاريخ الغربي بأكمله. صحيح أن هذا الانسحاب سيتعمق في العصر الحديث ليبلغ أوجه في سيطرة التقنية الحديثة، إلا أنه مع ذلك يبتدئ مع التجربة الإغريقية ذاتها وخاصة مع أفلاطون وأرسطو. وحتى دعوه هايدجر للعودة إلى تجربة الكون لدى المفكرين السابقين لسقراط لا ينبغي فهمها كمحاولة لإحياء هذه التجربة من أجل تبنيها، فذلك أمر ليس له معنى عند هايدجر. إن هذه العودة هي من أجل الدخول في حوار مع تلك التجربة. وهذا الحوار ضروري، لأن التفكير وهو على عتبة  بدء آخر عليه أن يحاور البدء الأول؛ هذا البدء الأول يتضمن هو ذاته إمكانية الميتافيزيقا، ولهذا لا يمكن الخلاص من الميتافيزيقا دون الدخول في حوار مع البدء الأول. إن التفكير السابق على سقراط يمتاز فعلا، حسب هايدجر، بأنه أدرك الحقيقة كلا اختفاء ورأى علاقتها بالكائن فأولها كسمة للكون لا لأفكارنا وأحكامنا كما أصبح عليه الشأن منذ أفلاطون وأرسطو. كما أن هذا التفكير أدرك العلاقة بين الحقيقة والاختفاء باعتباره مصدرا لكل انكشاف للكائن. ومع ذلك فإن التجربة الماقبل-سقراطية اعتبرت الاختفاء سمة سلبية يجب التخلص منها. أما التفكير المأمول المرتبط بالبدء الآخر، والذي يعتبر هايدجر ذاته مجرد ممهد له، فينبغي أن يعتبر الاختفاء كسمة أساسية للكون والحقيقة، كسمة لا يمكن أن يحدث الكون بدونها، أي يجب على هذا التفكير أن يعترف بالانسحاب، وبدلا من أن يعمل على تبديده، يجب أن يقوم برعايته والمحافظة عليه عن طريق تفكيره، كانسحاب. وبهذا فإن هذا التفكير المأمول سيكون، حسب هايدجر، مختلفا حتى عن تفكير التجربة السابقة لسقراط.

[1]Objectivité : Gegenst?ndlichheit : موضوعية، تعني هنا ما يجعل الموضوع موضوعا، كيفية الكون الخاصة بالكائن منظورا إليه كموضوع. بموازاة مع سيطرة الذاتية في التاريخ الحديث يتحول الكائن إلى مجرد موضوع.

[1]7 – Kopfzerbrechen: تعني حرفيا “تكسير الرأس”، ويستعمل هذا التعبير في اللغة اليومية للدلالة على التفكير الطويل المجهد للوصول إلى حل لمشكلة ما أو الخروج من وضعية صعبة. ترجمناها في النص ب “وجع الدماغ”.

 

[1]  Gesetz، ترجمناها حرفيا بلفظ “قانون”. يجب أن نسجل بأن هذه الكلمة ترد في النص هكذا Ge-setz، وفي ذلك دعوة لقراءتها في نفس الوقت بفصل الشقين الذين تتكون منهما، فيكون معناها “ما تضعه أو تفرضه” التقنية.

[1]Gestell، تعني هذه الكلمة في اللغة المتداولة “الهيكل” أو “الإطار الصلب”، فنقول هيكل السيارة، إطار السرير، هيكل الكتب بمعنى الإطار الحديدي أو الخشبي الذي يتكون من رفوف توضع عليها الكتب. إلا أن هايدجر ينبه إلى أنه لا يستعمل هذه الكلمة بهذا المعنى، بل يشتقها من خلال التأمل في الجذر المشترك للأفعال الذي تميز سلوك الإنسان تحت سيادة التقنية. ففي العالم التقني يضع (stellen) الإنسان الكائن كرصيد من الطاقة، يهيئ (bereitstellen) هذا الرصيد، يؤمنه (sicherstellen)، يطلبه أو يستحضره (bestellen). كل هذه الأفعال تحتوي على جذر مشترك هو “stell” الذي يضع هايدجر أمامه “Ge” ليكون “Ge-stell“. “Ge” تعني أحيانا عندما ترد في بداية الاسم أن الأمر يتعلق بوحدة تضم مجموعة من الأشياء. لهذا ترجمنا “Gestell” “بالوحدة المجمعة لكيفيات الاستثارة”، علما بأن الاستثارة قائمة هنا في كل الأفعال المشار إليها، فالإنسان يستثير الطبيعة لكي تتحول إلى طاقة يستثيرها عند الطلب والاستعمال، كما أنه هو ذاته خاضع للاستثارة عند التعامل مع الكائن بهذه الكيفية، لأنه لم يقم هو ذاته بتحديد هذا الأسلوب في إظهار الكائن، بل بالعكس وضع هو ذاته فيه.

 

 

[1]fonds : Bestand: رصيد، لا يشير هذا اللفظ إلى الرصيد أو المخزون القائم من الطاقة، بل إلى فهم الكائن والواقع كمجرد طاقة يجب استثارتها ووضعها تحت الطلب. ففي العالم التقني ينكشف الكائن كمجرد رصيد من الطاقة يجب خزنه وتدبيره وتأمينه ووضعه تحت الطلب. ونظرا لأن الكائن لا ينظر إليه إلا من زاوية الطاقة الكامنة فيه، فإن الاختلافات الكيفية بين الكائنات تتلاشى. إن الكائنات تصبح متجانسة، وبذلك يفقد الكائن كل كيان أو قوام خاص به.

[1]  – يرفض هايدجر الفكرة الرائجة التي ترجع نشأة التقنية الحديثة إلى تطبيق علوم الطبيعة على الواقع. ليست العلوم الحديثة حسب هايدجر هي أساس التقنية، بل إن التقنية هي أساس العلوم الحديثة. صحيح أن ظهور العلوم الحديثة سبق من حيث “الحساب الزمني” سيطرة التقنية، إلا أن روح التقنية الحديثة تسيطر على هذه العلوم منذ نشأتها، ولولا ذلك لما أمكن تطبيق نتائجها تطبيقا تقنيا. إن النظرية العلمية ذاتها خاضعة لمتطلبات الروح التقنية. فهذه النظرية لا تقدم لنا الكائن كما يظهر ذاته من تلقاء ذاته (وهذا هومدلول النظرية عند أرسطو)، بل تجبره مسبقا على أن يظهر كمورد للطاقة، وبذلك فهي لا ترى في الطبيعة سوى قوى يجب ملاحقتها وحسابها قصد صياغة العلاقات بينها في قوانين ومعلومات ليس لها من قيمة في نهاية الأمر إلا بمقدار ما تجعلنا قادرين على التحكم في الطبيعة وتوجيهها. إن المعلومات التي تقدمها العلوم الدقيقة ليست “وصفا” للطبيعة، بل أدوات لحسابها والتأثير فيها. على أن سيطرة الروح التقنية على النظرية العلمية بلغ أوجه في الوقت الحاضر، حيث فقدت النظريات العلمية كل دلالة أنطولوجية وأصبحت مجرد وسيلة لضبط الشروط الضرورية للتجريب أي لإنتاج الظواهر. ولهذا أصبح من المقبول أن يتم تغيير النظرية أو بعض أركانها، إذا تبين أنها لا تفيد في إنتاج الظواهر. ويتجلى أخيرا الطابع التقني للعلوم الحديثة في أن “التفكير” النظري ذاته اصبح يتعامل مع القوانين والمعلومات بأسلوب يعتمد على المهارة والتحايل من أجل الوصول إلى قوانين ومعلومات جديدة.

 

[1]  avènement : Ereignis : حدوث.

 

[1]  Présence : Anwesenheit: الحضور، حضور ما هو حاضر، تعني هنا قيام الشيء الحاضر أوتوفره.

[1]Le présent : Gegenwart: الحاضر، بمعنى الزمن الحاضر.

[1] – يقصد هايدجر أن الميتافيزيقا التقليدية تتصور الزمان ككائن وتحاول أن تفهم ماهية الزمان انطلاقا من مفهوم للكون يؤول الكون على ضوء جانب واحد من الزمان هو جانب الزمان الحاضر. إن الميتافيزيقا إذن تتخذ قرارا مسبقا حول الزمن قبل أن تحدد ماهيته، إنها تعمل على توضيح الزمان على أساس مفهوم للكون يطابق بين الكون والحضور.

[1]temporellité : Zeitlichheit: الزمانية، هي الكيفية التي يتحقق (يحدث، يتزمن) بها الزمن بالنسبة للدازاين.

[1]ouverture ekstatique : ekstatische Offenheit: انفتاح متخارج، تتميز زمانية الدازاين التي هي، حسب هايدجر، أساس انفتاح الدازاين على الكون، بأنها متخارجة، لأن أبعادها الزمانية الثلاثة (المستقبل، الماضي، الحاضر)، مفهومة في معناها الأصلي، متخارجة عن بعضها البعض. وعلى خلاف ذلك فالتصور المعتاد للزمان يأخذ للزمان كبعد واحد لأنه يضع الماضي والحاضر والمستقبل على نفس “الخط”، ويجعل الزمان يسير في “اتجاه” واحد.

[1] – يجب فهم ذلك انطلاقا من مفهوم الاختلاف الأنطولوجي. يعني هذا المفهوم أن الكون ليس كائنا بين الكائنات. هذا الاختلاف هو أساس التفكير الميتافيزيقي كله، لأن السؤال عن الكائن ككائن، أي عن كون الكائن (وليس عن الكون ككون، فهذا السؤال بقي غائبا عن الميتافيزيقا) لا يمكن أن يطرح إذا لم ينفتح بكيفية ما هذا الاختلاف. إن الميتافيزيقا تقوم على هذا الاختلاف، ولكن ذلك لا يعني أنها تفكره كاختلاف، وبذلك يبقى أساسها غائبا، خفيا عنها. لهذا السبب تنتهي الميتافيزيقا دائما إلى طمس هذا الاختلاف، وذلك إما بأن تفهم الكون كخاصية عامة تشترك فيها كل الكائنات (مثل البياض بالنسبة للأشياء البيضاء)، أي كخاصية كائنة في كل الكائنات، فتكون بذلك قد اعتبرت الكون كائنا ضمن الكائنات، وإما بأن تعتبر الكون ككائن أعلى يتميز بأنه أكثر من الكائنات الأخرى كونا. أما التفكير الذي يريد أن يترك الميتافيزيقا وراءه، فيجب أن يأخذ هذا الاختلاف مأخذ الجد وأن يفكره كاختلاف، وهذا ما يمنع بكيفية صارمة اعتبار الكون كائنا؛ إن الكون ليس كائنا، أي أن الكون، منظورا إليه من زاوية الكائن، هو لاشيء، أو هو اللاشيء، العدم. وهذا معنى أطروحة المطابقة بين الكون واللاشيء التي يشير إليها هايدجر هنا.

[1]Da – sein: الدا-زاين، يكتب هايدجر هذه الكلمة بهذه الكيفية أحيانا لكي يؤكد على أن الإنسان هو المحل الذي ينفتح فيه الكون. إن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بانفتاح الكون وإقامته في بعد هذا الانفتاح. وفي نفس الوقت فإن الكون يحتاج للإنسان، وهو لا يمكن لأن ينفتح إلا بالإنسان الذي يحافظ على هذا الانفتاح ويؤسسه في الكائن. ولكن هذا لا يعني بتاتا، عند هايدجر، أن الإنسان هو الذي يحدد الكيفية التي ينفتح بها الكون، فالإنسان لا يستطيع إلا أن يستقبل هذا الانفتاح وأن يتعامل على ضوئه مع الكائن.

[1]  Un – verborgenheit: اللا-اختفاء، يكتب هايدجر هذه الكلمة أحيانا بهذه الكيفية لكي يشدد على أن الاختفاء يبقى دائما ملازما للاإختفاء، وأن الكون لا يمكن أن ينفتح للإنسان إلا إذا اختفى في كيفية من الكيفيات (مثلا كموضوعية، كرصيد للطاقة). ليس هناك انكشاف خالص للكون. فالاختفاء سمة أساسية للحقيقة والكون.

عن موقع منبر الجابري