(المتأسلمون)

قراءة في المصطلح

د. عدنان عويّد

     المتأسلمون, هم قوى اجتماعية غير محددة طبقياً, يجمعها خطاب ديني أصولي متزمت, أغلقوا عقولهم على مجموعة الرؤى الفكرية العقديّة التي فسّرت النص الديني المقدس وفقاً لمواقف ما ضويّة فكرية وعملية, يعتقدون بأنها المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تالي. أما أهم الإشكالات التي وقعوا وأوقعوا فيها المجتمع بكل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية, فهي, اعتقادهم بأن الدين قابل أن يدخل السياسة ويعمل على تغير الواقع وضبطه وفقاً لما آمنوا به من رؤى وأفكار تحصلت لديهم عبر تفسيرهم للنص المقدس بناءً على رؤية أهل السلف, الذين يرون بأن كل ما هو موجود وسيوجد في هذه الحياة هو تجلي لما هو موجود في النص المقدس. وبناءً على هذا الموقف الفكري الأصولي, فإن كل ما ينتج عن تفسير هؤلاء للنص المقدس في القرآن والحديث, وحتى في كل ما قيل من رأي, او ما مورس من سلوك للجماعة وأهل المدينة والتابعين وتابعي التابعين, يجب أن يؤخذ بها واعتبارها   مقاصد شرعية لضبط الواقع والتحكم بآلية سيره. لذلك غالباً ما نجد أن كل ما يشرع به من قبل هؤلاء من مسائل تشريعية, يقوم على ليّ عنق الواقع وإرجاع المجتمع في تفكير وسلوكيات إلى القرن السابع ميلادي, أو الأول الهجري. رافضين كل جديد فرضه تطور الحياة باعتباره بدعة, وكل بدعة عندهم ضلالة وكل ضلالة في النار…هذا مع اعتبار أنفسهم أوصياء على الشريعة وتطبيقاتها العملية والفكرية في هذه الحياة, وبالتالي فإن كل من يخالفهم يجب أن يطبق عليه الحد بالسوط والساطور والرشاش ولا يمنع أن يؤكل قلب وكبد المخالف في المذهب أو العقيدة, بغية ردع الناس ودفعهم لتطبيق ما يؤمنون به حتى وإن كان ممن يؤمن برؤيتهم السلفية الماضوية, ولكنه اختلف معهم على قضايا الغنيمة بشقيها المادية والمعنوية. لذلك لم يتوانوا عن تكفير بعض فصائلهم وتحليل دمائهم من قاتل معهم في سورية من أجل هدف مشترك هو تطبيق العقيدة الإسلامية وإقامة الخلافة في بلاد الشام الأرض المباركة عندما اختلفوا على الغنيمة, (من يسيطر على حقول النفط.

     ليس لديهم عدو محدد أو صديق محدد, غالباً ما يتوجهون في قتالهم بناءً على رغبات من يمولهم. فهم تعاملوا مع آل أسعود وأمريكا في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي سابقاً, وبعد القضاء على الوجود السوفيتي, حاربوا أمريكا والسعودية ذاتهما, كما جرى في الخبر وأحداث الحادي عشر من أيلول. وها هم اليوم يحاربون مع آل سعود وأمريكا في سورية والعراق, وعندما بدأ أمرهم يستفحل, أخذ الأصدقاء يصدرون الأوامر بمحاربتهم ومنعهم من دخول بلادهم… هم لا يشعرون بإحراج أو ذنب إن تعاملوا مع أعداء الإسلام ذاته, فها هم يعالجون جرحاهم اليوم في المشافي الصهيونية, ويزورهم في المشافي ذاتها نتنياهو وبعض مسؤولي الصهاينة الذي حرقوا المسجد الأقصى وحفروا تحته لهدمه كلياً تحت ذريعة البحث عن مقدساتهم… وهم من يحدد الإيمان والكفر… فالأمريكان اليوم أهل كتاب, وبالتالي هم مؤمنون أكثر من الصينيين الوثنيين والشيوعيين الملحدين بالرغم من أن الأمريكان اتخذوا أكثر من ستين فيتو لمصلحة الكيان الصهيوني ضد مصالح ودم الشعب الفلسطيني, المشرد والجائع والمباح دمه.. وهم الذين احتلوا العراق زوراً وأعادوه مئة عام إلى الوراء بعد أن قتلوا علماءه وشردوا أكثر من مليوني مواطن, ونهبوا ثروات العراق وآثاره الحضارية, وضربوا الشعب العراقي باليورانيوم المنضد. وهم الأمريكان ذاتهم من يعمل على قتل الشعب السوري اليوم وتدمير ممتلكاته وكل بناه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وبمساعدة القوى المتأسلمة ومن يدعمها من دول الخليج وعلى رأسهم آل سعود ومشيخة قطر داخل سورية, بعد أن جاؤوا من كل حدب وصوب في العالم, معتبرين النظام السوري كافراً, بينما آل سعود وأمراء قطر وأمريكا والغرب المستعمر والكيان الصهيوني مؤمنين وأهل كتاب.

 

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر … الدكتور عدنا ن عويد