في عيد اللغة الأم… أين وحدة اللسان العربي…؟!

     بقلم: مصطفى قطبي

الحديث عن الاحتفاء باليوم العالمي للغة الأم، يدفعنا اليوم للحديث عن ضعفنا بلغتنا العربية، نحن أهلها الذين نعشقها عشقاً لا يحد، والذين نستخدمها في منطوقنا وكتابتنا، ونتغزل بها، ونتغنى بعلومها وآدابها، ولكننا نعاني من ضعف شديد في استخدامها الاستخدام الصحيح والسليم.‏

سأكون صادقاً في القول أن قرار الاحتفاء بيوم اللغة الأم، أفزعني كثيراً، وأشعرني أن لغتنا دخلت دائرة الخطر، أو أنها أصبحت ضمن التراث العالمي المهدد بالخطر. وما أثار فزعي ربما القناعة التي بت أؤمن بها إيماناً مطلقاً أن اللغة العربية في خطر حقيقي. وأكبر خطر يهددها اليوم هو الإعلام الجديد الذي صنع لنفسه لغة خاصة بعيدة كلياً عن اللغة العربية التي نقرأها في كتاب الله، وفي الشعر العربي قديمه وحديثه.

فاللغة العربية أصبحت تعيش حالة اغتراب حقيقي بين الشباب العربي، وعندما أقول اللغة العربية هنا أتحدث عن الحد الأدنى من التقيد بقواعد اللغة، أو حتى باللهجة البسيطة التي كان الأجداد يتحدثون بها في معاملاتهم اليومية. تلك اللهجات رغم بساطتها ورغم التأثيرات التي ألمت بها هي الأخرى في خطر حقيقي.

وفي اعتقادي أن الأمر يعود إلى مشكلة نفسية في تركيبتنا الشخصية ولن أقول الوطنية أو الانتمائية، لأننا مستعدون لتكسير لغتنا البسيطة عندما نضطر للتحدث مع أي أجنبي نواجهه في طريقنا، رغم أن المنطق المعروف في العالم أجمع يقول أن الأقوى هو صاحب التأثير على الآخر وليس العكس.

ولا يوجد ما هو أشدّ خطراً على اللغة من الحيلولة دون جريانها على ألسنة البشر، وحشرها فقط في (الممارسة المقدّسة) حتى لو بدا ذلك تبجيلاً للغة، لأن قتل اللغة ـ أية لغة ـ يبدأ من حجبها عن التداول الحيوي المباشر في مختلف المجالات والسياقات، وهو ما يحدث اليوم في بلدان الخليج التي (يفخر) أبناؤها بتعاليهم على استعمال العربية، ولجوئهم إلى لغات (الخدم) والكتلة الكبرى من العمالة الآسيوية المستوردة، أي الإنجليزية المكسّرة، بالإضافة إلى ممارسات رعاة الإسلام السياسي الذين يرون المسلم الأنموذجي هو ذلك الذي يتقن الإنجليزية حصراً لا العربية بالضرورة، وهو ما بشّرت به رواية المصري يوسف زيدان (محال).

واليوم نجد ذلك قائماً على امتداد آسيا الإسلامية وصولاً إلى بلدان الخليج التي يندر أن نجد في أسواقها الهائلة من يتحدث العربية بعيداً عن الارتباك الناشئ عن صعوبة التفاهم بواسطتها، مقابل انغماس الأغلبية الساحقة هناك وتخبّطها في استعمال (الإنجليزية المشوهة).

فما أدق أن نقول في اللغة وتحدياتها في الداخل إننا نواجه عقدة اللسان في كل قضية من قضايا الدفاع عن حقوقنا المستلبة، وإن تحدياتها الغازية من الخارج قد امتدت لتفسد قيمنا وتشوه وجوهنا بمخالب الغزاة وألسنتهم بصريح الآية من سورة الممتحنة:

”إِن يَثقَفوكمْ يكونوا لَكم أَعداء ويبسطوا إِلَيكم أيدِيهم وأَلسنتهم بِالسوءِ وودّوا لَو تكفرونَ” (الممتحنة2).

فاللغة تقوى وتضعف بقوة وضعف أبنائها، فكانت سلطانة عندما كان العرب سلاطين زمانهم، ومع هذا فإن اللغة العربية رغم كل الكبوات التي مر بها مجتمعنا بقيت صامدة، ونأمل من الجيل الجديد أن يدرك أهمية لغته ويسعى للحفاظ عليها، بخاصة إذا عرفنا أن عدد اللغات في العالم عام 1998 كان نحو 6000 لغة، وخلال عشر سنوات تقلص العدد إلى 5000 لغة، وهذا يعني أن بعض اللغات مهددة بالزوال لأن الصراع في هذا المجال للأقوى.

ويبدو لي أن أكبر تحد يواجه لغتنا العربية الجميلة هو عقوق الأبناء لأمومة اللغة المتقدمة على واقع الأمة المتخلفة، فإذا كانت اللغة ظاهرة اجتماعية ومكوناً من مكونات الحضارة فلماذا أبطأت مجاميع اللغة في عواصمنا العربية من توحيد المصطلحات المتصلة في بناء هويتنا الثقافية، لا في مجال تعريب المصطلحات العلمية فحسب، وإنما في مجال توحيد مصطلحاتنا السياسية والإعلامية.

وأراني أزعم أن أخطر ما تمنى به لغة من اللغات هو في انقطاع العلاقة بين اللفظ ومدلوله أو في انقطاع توليد معناها الجديد من معناها الأصلي القديم أو في انقطاع استعمالها وتداولها، فلا معنى لمباهاة من قال إن حروفنا الهجائية تجاوزت اثني عشر مليوناً من الكلمات إذا كان واقع ما يستعمل منها لا يكاد يجاوز ثمانين ألفاً، ولا معنى لإحصاء الألوف المستعملة إن لم تكن حاملة لقيمة التعبير الذاتي عن ذاتها.

ويذهب أكثر علماء اللغة العالميين إلى أن اللغة ترتبط بالبنى الاجتماعية بشكل حيوي ليعكس مستوى ثراء اللغة وثراء الفكر، وهو ثراء يتسع باتساع حاجات الناس واتساع معارفهم، غير أن الحلقة المفقودة في أكثر ما كتبه العرب في فقه اللغة وعلومها وأسرارها وتاريخها وتطورها وسواها من البحوث المتصلة ـ بالنظام الداخلي للغة هو قلة البحوث والدراسات المتصلة بواقع التحديات.

إن العربية بوصفها هوية وحضارة اتصلت بهويات وثقافات فتبادلت معها التأثر والتأثير من دون أن تشوه شيئاً من خصائصها ومحاسنها، وهي سنة اجتماعية ألفتها اللغات الإنسانية كلها، ولئن قيل إن من السنن الاجتماعية المسلمة أن اللغة إذا تقادم عهدها بالغ الناس في تقديسها، ولئن قيل إن مقياس الكمال في اللغات ارتدادها إلى ماضي أشد إيغالاً في القدم، فإن باعث التقديس ومقياس الكمال يجب أن يستند على قوة أصولها في تجديد قيمها بفصاحة اللسان وقوة البيان..

إن دم اللغة العربية هو من فئة الحق والخير والجمال التي تمس الإنسان مساساً يجري في عروق الإنسانية كلها، فإذا صح في فصائل اللغات أن يقال بانفصال بعضها عن عروق جنسها، فإن العربية شديدة الاتصال بدم حضارتها، فلا تصح دراستها من غير جوهرة التكامل بين العروبة والإسلام، إلا أن أخطر ما تعرض له هذا التكامل ليس العدوان عليه من غزوات الخارج وإنما من غزوات الجهالة والأمية التي فتكت بجميع مفهوماتنا عن لغة الأمة الفريدة وأمة اللغة الواحدة…

وإذا كانت اللغة أداة تواصل وتفاعل اجتماعي فقد بدأنا ضمن هذا الإطار نضيع لغتنا، وإذا كانت اللغة وسيلة ثقافية تراكمية ومعرفية، فقد بدأنا أيضاً بفقدان المفردات اللغوية العربية يوماً إثر يوم، وهذا ما سيؤدي إلى إفقارها وعجزها عن استيعاب المعاني المستجدة، يضاف إلى ذلك فقدان تذوقها الجمالي، واللغة العربية كما هو معروف تمتاز بأنها تمتلك بحراً من الدرر واللآلىء التي نفخر بها ولا نقبل التفريط بها أمام هذا المد الذي لن يكون يوماً ما لصالح لغتنا العربية. فهي تتعرض وعبر مسارها التاريخي للتشويه، لذلك تنبه ”حافظ ابراهيم” لهذه الحالة عندما تقمص لسان العربية قائلاً:

فلا تكلوني للزمان فإنني                  أخاف عليكم أن تحين وفاتي

واعترافاً بمكانة اللغة العربية، فقد أكد المفكر العالمي ”غوستاف لوبون” أن ”اللغة العربية من أكثر اللغات انسجاماً، فهي لغة أصبحت دولية من خلال نسيجها اللغوي التركيبي”. وهذا ما أكده الباحث الإيطالي ”ماسينيون” في وصفه الرائع للغة العربية: ”اللغة العربية أداة خالصة لنقل بدائع الفكر في الميدان الدولي، وإن استمرار حياة اللغة العربية دولياً لهو العنصر الجوهري للسلام بين الدول”.

إن الحفاظ على هوية ووجود هذه الأمة، هو القيام بما يضمن أمنها في المجالات كافة، ولا تكون اللغة في آخر الواجبات، لأنها اللسان الذي من خلاله يتفاهم أبناء الوطن الواحد، وإن التخلي عن اللغة الأم، أمام المد والهيمنة الغربية، تُحدث الاغتراب والتمزق الثقافي، فتعمل الأمة ـ بوعي كامل ـ على دعوة الآخر إلى الهيمنة والسيطرة، فيما يقوم تطوير اللغة بتعزيز الهوية وتحصينها ضد عمليات التنميط والتجهيل.‏

فالحفاظ على وحدة اللغة العربية هو حفاظ على الهوية العربية، وغير ذلك يعني أن الخطر يتهدد اللسان العربي والوجود العربي ككل، وإن غياب الخطط للحفاظ على وحدة اللسان العربي يدفع بالأمة العربية إلى زيادة في التفتت، ويصبح مشروع الوحدة بعيد المنال.‏

لهذا لا بد من التفكير ببرامج استراتيجية تواكب أهميتها، رسمياً وشعبياً، تبدأ من العائلة والمدرسة ودور العبادة ووسائل الإعلام والمنظمات والفعاليات الأخرى. وتيسير نشر اللغة العربية عبر ثورة التقنية والاتصالات والمعلومات، وضرورة التأكيد على أن اللغة العربية من أسس بناء التعليم والبحث العلمي والتحديث العام للأمة، وعلى تقدير ما تنهض به في تعزيز الهوية وتثبيت الشعور بالانتماء لها وسط تهديد العولمة المتوحشة للهويات والخصوصيات الثقافية، بما في ذلك لغة الأم.

نحتاج في مثل هذا اليوم العالمي للغة الأم، أن نقف وقفة جادة لبحث أسباب اغتراب لغتنا واغتراب جيل بأكمله عن لغته وثقافته، لا أن نحتفي بفرح بهذا اليوم العالمي، لأنه مؤشر خوف لا مؤشر فرح وفخر.

وأختم بحديث خاتم النبيين سيدنا محمد (ص) حيث قال: أحبّ العرب لثلاث: لأنّي عربيّ ولغة القرآن عربية ولغة أهل الجنّة في الجنّة عربيّة.