الحكمة والتدبير..ضرورة دائمة ….

المتوكل مصطفى / تارودانت

الاربعاء 26 فبراير 2014

 قال تعالى { يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } [البقرة : 269]

قال بن القيم !
“الحكمه هى قول ما ينبغى على الوجهه الذى ينبغى فى الوقت الذى ينبغى “

…إنّ التدبير من الأفعال التي نسبها الله تعالى  لنفسه، فوصف نفسه سبحانه  ب “المدبّر” …كما جعل هذه الخصلة في البشر والهمهم العقل الذي يميزون به  بين ما يخضع للتدبير وكيف يتطور ويرتقي وبين ما لا يخضع  له. او يكون بمستويات دنيا ومرتجلة  ..ولم تختص بهذه الصفة امة دون اخرى او قوما دون اخرين …والتدبير ليس قولا يقال او ادعاء ينسبه اي كان لنفسه وينفيه عن الاخرين بل هو علم يرتكز على شقين نظري وعملي

…والمعروف أنّ تدبير شؤون الحياة كلها امر ضروري للتطور والتقدم المطرد …لهذا تتباين مستويات جودة التدبير بتطور المعارف وامتلاك ناصيتها  لتنزيلها في الواقع المتلائم معها  بالاسرة او القبيلة او المؤسسة او الدولة  ………

  ان التدبير الحسن او الامثل  ليس مسألة مزاج أو  ذوق   يسقطه فرد ما على جماعة ما  او مجموعة  على الناس كافة… انه علم ومنهج  له قواعد وضوابط  وأحكام تكون معيارا موضوعيا في التحليل والتقييم وصناعة القرارات وادارة تصريفها وعقلنة ومعالجة  المستجدات والتحولات والتناقضات والاختلالات التي يفترض نظريا وعلميا امكانية حدوثها عند بداية العمل اوبعد انطلاقه او الانتهاء منه …ويكون التّدبير في جميع الحالات  متلازما مع  التعقل و العلم والخبرة والا كان ارتجالا وعشوائية ..  وهذا ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه في كلام بديع  بقوله: “يا ابن مسعود، إذا عملتَ عمَلاً فاعملْ بعلمٍ وعقلٍ، وإيّاكَ وأنْ تعملَ عملاً بغيرِ تدبّرٍ وعلمٍ، فإنّه جلَّ جلالهُ يقولُ: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثَاً”.

انه يحتاج  في جميع مستوياته إلى أمور جوهرية منها  “العلم” و “التعقّل”و “الحكمة ” وبها يستطيع الانسان ان يراكم ايجابا من اجل التطور والتقدم المطردين  …

فما الغاية عند الانسان  في هذا الوجود..؟ انها غاية  تسعى الى إلاصلاح وفق الفهم والمعتقد  المتوفر لمواجهة نقيضه اي كل ما يفسد ويسيئ.  فالرسل والأنبياء  والمصلحون يشتغلون وفق  هذا  التوجه ؛ فيقودون البشرية  نحو الافضل والاصلح فكرا  وقولا وممارسة وتدبيرا وحكمة  لبناء وتقوية وتركيز مجموعة من القيم يفترض ان تسود في المجتمع لترقى به سلم التحضر والتطور ..
إنّ سوء التدبير بشكل متعمد او عن جهل ينتج   عواقب قد تطال مختلف مجالات حياة الإنسان،  مما قد يؤدّي إلى المساس بمكتسباته او تردي اوضاعه وتعطيل نمائه.. 

…لهذا يقال ..تدبَّر الأمر أيْ نظر في عواقبه ؛ والعاقل من يتدبر الأمر وينظر في العواقب ..
اما حسن  التدبير المرتبط برصانة التفكير في كل  المجالات فيعتبر عند اهل العلم وحتى عند العامة  “حكمة” بالجمع بين بعد   النظر  وتوقع النتائج  بالمعرفة بالأسباب والمسببات  ..فالحكمة اذن  مرتبطة بحُسن التفكير و كمال التدبُّر ،

 ولقد عرفها الفيلسوف الالماني  هيجل  ب: (الحكمة هي أعلى المراتب التي يمكن أن يتوصل إليها، فبعد أن تكتمل المعرفة ويصل التاريخ إلى قمته تحصل الحكمة، وبالتالي فالحكيم أعلى شأناً من الفيلسوف، والحكمة هي المرحلة التالية والأخيرة بعد الفلسفة. إنها ذروة الذرى وغاية الغايات).

و قدمها ابن منظور بأنها: “معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم”…

…فكيف نجد واقعنا اليومي في المشهد السياسي الرسمي  و بالهيئات والمنظمات المجتمعية ..؟؟….وما درجة التشبع عند امتنا بقيم الحكمة والتدبير على مستوى الاقوال والافعال والتقريرات ؟؟وكيف يمكن لما يعرف بالنخب ان تقدم النموذج الافضل لتفعيل اليات التطور والتحديث والبناء وهم يعلنون اللاحكمة واللاتدبير ..بل قد يتجراون ليستدلوا  باستدلالات فاسدة على صحة مالا يصدق فطرة ولا عقلا ولا ذوقا …؟؟

ان العبثية التي تصرف بها  العديد من امور الناس  تفرز نماذج غير تربوية يصبح عليها ويمسي الصغير والكبير في مجتمعاتنا مما يزيد واقعنا بؤسا وفقرا معرفيا ..والبعض يظنون انهم يحسنون  بذلك صنعا  …وتطال هذه العبثية الموغلة في كل ما يناقض الحكمة العديد من المنابر واحيانا تعرض بالقنوات العمومية على لسان من ينتظر منهم  افتراضا  اصلاح احوال الشعب …ان الامور لاتدار ولا تدبر بالاهواء والامزجة .. كما ان الوقائع والحقائق لايمكن الباسها اهواء المتغطرسين والانانيين الذين لايتصورون العالم بدونهم والذين يظنون من قلة حكمتهم وسوء تدبيرهم ان عجلات اي شيئ لن تدور الا اذا باركوا ذلك وفي هذا قال احد الحكماء الشعبيين مجيبا احد المغرورين الذي بالغ في مدح نفسه وانه لولاه لتعطلت المصالح ولفسدت الامور ولوقعت الكوارث فبالغ في الوصف ورفع مكانته حتى وصلا الى جوار مقبرة ليلتمي منه المستمع الوقوف للترحم على الاموات ليختم دعاءه بالقول .. كم من واحد يسكن هذه المقابر كان يقول مثل ما تقول فماتوا ولم تتوقف الدنيا بموتهم ولم تنقطع سبل العيش ..

ونختم بكلام جميل لسقراط الذي قال

” إذا كنت ستخبرني بشيء ليس بصحيح ولا بطيب ولا ذي فائدة أو قيمة، لماذا تخبرني به من الأصل؟”

…ويُحكى أنَّ حكيمًا جاءته الوفاةُ، فأخذ يتحسر على عمرِه، ويتلهَّفُ على ما فاته، ولما سُئل عن ذلك وهو مَن هو في حكمتِه وبذله الخيرَ للنَّاس….قال: لقد أنفقتُ نصفَ عمري في محاولةِ إصلاح العالم فلم يستجب لي أحدٌ، ولم أستطع إصلاحَ العالم، فرجعت إلى بلدي وحاولت إصلاحَه، لكن ذلك ذهب أدراج الرياح ومضى بربع عمري معه دون جدوى….ثم عدت إلى قريتي وعائلتي أحاولُ إصلاحَهم، لكني وبكلِّ أسف فشلت في ذلك، وقد استهلك هذا ربع عمري..وها أنا ذا قد انقضى عمري كلُّه وأنا في سكراتِ الموت، وفي حال انقطاعِ عملي ووصول أجلي أنتبهُ لأهمِّ أمر، وأتذكَّرُ نفسي وغفلتي عن العنايةِ بها وإصلاحها، حينما انشغلتُ طوال عمري بإصلاحِ الآخرين!؟؟

 وجاء في حديث قدسي رواه الإمام مسلم : «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»..

ويقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ