الفساد… داء ما بعده داء…؟

بقلم: مصطفى قطبي

سأعبرُ بحذرٍ شديدٍ بين العيون المحمرة والنظرات المستنكرة وتمتمات المستهجنين وصراخ العابثين لأقول كلاماً يُشكلُ سابقة في هذا الميدان، ومن منا لا يطمح وبشكلٍ هستيري ليسجل قصب السبق في إنجازٍ ما أو تصريحٍ ما أو فعلٍ ما مقترناً بصورته الأنيقة وأحياناً بصوته العذب؟
كلنا أصحاب سوابق، وقدمُ السبقِ قد يكون في السلبِ، وقد يكون في الإيجاب، وبدافعٍ من هذا الهاجس قال بعض القدماءِ: لأن أكون أولاً في الشر خير من أن أكون أخيراً في الخيرِ، ومعرفة الشر من الخيرِ مكابدة لا يحسنُ عذابها إلا قلة، ولهذا قال سقراط عندما جاؤوه برجلٍ، وقالوا له: إنَّ هذا لا يعرف الشر أبداً، فقال: هو إذنْ لا يعرفُ الخيرَ أبداً… ولكي لا تسبقني التأويلات أنصحُ باكتشاف مسؤولية الكلمة ومسؤولية القراءة.‏
أسأل نفسي، وأضعُ الجوابَ بين ضمائركم…‏
أحاوركم وأحاذركم كطيرٍ يريد أن يلتقط الحبَّة بأقل الخسائر.‏
لماذا كل هذه الحملة الجائرة على الفسادِ؟ لماذا هذا التغاضي العجيب عمّا لهذا المصطلح الجديد من حسناتٍ لا تعدّ ولا تُحصى؟‏
من منكم لا يريد أن تكون بلاده واحاتٍ خضراءَ وبناياتٍ شاهقة ومتنزهاتٍ ساحرة؟‏
إنني لأعتقد أنَّ كثيراً من المزارع السِّحرية والبنايات الشاهقة والشاليهات المستلقية على ضفاف البحر والجواري المنشآت في لجِّه ما كانت لتكون لولا الفساد.‏
وإنَني لأعتقد أنَّ كثيراً من الأعراس الخيالية ما كانت لتقام لولاه، وأنَّ كثيراً من الثياب الفاخرة ما كانت لترتدى لولاه، وأن كثيراً من السيارات الفخمة ما كانت لتستقل وتمتلك لولاه.‏
وإنَّني لأعتقد أنَّ حسناته أكثرُ من هذا بكثيرٍ، وله يعودُ الفضلُ في انتشار محلات بيع الورد الصناعيِّ والطبيعيِّ والأنواع المدهشة من وسائل الحضارة الحديثة.‏
وللفساد مزايا وحسنات أخرى علينا أن نعترف بها وبكلِّ احترامٍ وتقديرٍ، فالفساد يعلم أصحابه الشجاعة والكرم، وهما الصفتان اللتان طالما امتدح بهما الشعراء آباءنا وأجدادنا في مضارب الصَّحراء، والقنا تقرع القنا وذوو الكرم يشعلون النار في الليلة الليلاء ليهتدي ذوو الحاجات إليها.‏
وقد يقدمُ من شملتْهم نعمة هذا المصطلح على قرع أبواب لم يكونوا يحلمون بقرعها لولا ما زوَّدهم به من زاد، وقد ينفقون من الأموال أرقاماً قياسية تتحول فيها الأمكنة إلى أضواءٍ خافتة وغير خافتة.‏
وبعدُ…
اسمحوا لي أن أحوِّل المزاح إلى جدّ كما فعل بدوي الجبل يومَ أخذ يحاور شاعر الفلاسفة، وفيلسوف الشعراء أبا العلاءِ المعري في قصيدته التي تختزن صدور عشَّاق الشعر الأصيل كثيراً من أبياتها.‏
قال البدويّ ما قال ثمَّ انسحب أمام حنق أبي العلاءِ ليقول:‏
حتَّى إذا ضقت فيه تنكَّرتْ للجِدِّ منكَ دُعابتي ومُزاحي‏
ومثله أفعل مع الأصدقاء الذين قد ضاقوا ذرعاً بهذا الترويج الفِجِّ لداءٍ ما بعده داءٌ.
وإنَّ خيمة متواضعة على أطراف الصحراء أشرف بألف مرَّةٍ من ناطحاتِ سحاب بُنيت أحجارها بملايين الطرقِ الملتوية، وإنَّ كثيراً من الملابسِ الفاخرة والأصناف المدهشة والمظاهر الوافدة لا تشرف حامليها… ولكن… دائماً ولكن… إلى أن نتعاملَ بإنصافٍ ومسؤولية مع حقائق الأشياء.‏

بقلم: مصطفى قطبي…لنشرة المحرر