قاعدة ” درء المفاسد أولى من جلب المصالح “… في حاجة الى الفهم  …

مصطفى المتوكل / تارودانت

 

 

من المعلوم ان شريعتنا الاسلامية تشمل مصالح الناس في الدارين الدنيوية والاخروية  بهدف المحافظة على ما فيه خير لهم بايضاح كل ما فيه منفعة وكل ما فيه مضرة …

ومن المعلوم ان العقل الانساني بتراكم الخبرات والتجارب والوعي بها ينتج ويؤسس للمعرفة بما ينفع وما يضر وينتج  فلسفة اخلاقية لذلك في تحديد نسبي للمسموح به والممنوع والمقبول والمرفوض …..

.قال العز بن عبد السلام …(واعلم  ان تقديم الاصلح فالصالح.. مركوز في طبائع العباد ..فلو خيرت الصبي الصغير بين اللذيذ والالذ لاختار الالذ ولو خير بين الحسن والاحسن لاختار الاحسن لايقدم الصالح على الاصلحالا جاهل بفضل الاصلح او شقي متجاهل لاينظر الى مابين المسرتين من تفاوت )..

…وسنعمد الى اسقاط موضوعي للقاعدة الفقهية المعروفة ” درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة “على واقعنا في هذا الوطن وغيره ولنا كذلك ان نبحث عن تجلياتها في افكار واقوال وممارسات الساسة والنخب والحكام …

فهل الاقدام على تخريب بناء بتفكيكه على من يقطنه يحقق مصلحة ما ؟وهل التنكر لكل ما يجمع بين الناس وما يقوي شوكتهم ويثمن وجودهم لفائدة مفسدة عظمى بمجرد توهم تصورها مصلحة زائلة ؟ ومتى تكون النزوات والاهواء والانطباعات فرعا منة فروع التشريع او بابا من ابواب الصدق ؟…. فالناظر لحفظ ما يعرف بالكليات الخمس ( الدين او المعتقد والنفس والعقل والنسل والمال ) يكون بما يثبث قواعد وجودها .. ويرفع عنها الاختلال حصل او يتوقع حدوثه .. لهذا يعتبر دفع المفسدة وتجنب حدوثها مقصدا عقليا وشرعيا لتحقق المصلحة ..كما تتحقق ايضا حالات اخرى بجلب المنفعة .. وفي ترتيب للاولوية يعتبر درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة اذا اجتمعا معا في ان واحد في تعارض واضح …فالمصلحة لاتكون بالضرورة حيث يعتقد الفرد انها موجودة … بل تكون بما يثبث انها مصلحة محققة  بالرجحان العقلي والشرعي المعنوي والمادي .. وفي مثل جاء في الحديث ..”مثل القائم على حدود الله و الواقع فيها   ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤد من فوقنا    ، فإن يتركوهم وما ارادوا هلكوا جميعا  ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا ..” : صحيح البخاري

…… فعندحديث  العلماء عن هذه القاعدة  تحضر معها بتلازم قاعدة “الضرر يزال” – و التي هي  من إحدى القواعد الخمس الجوهرية  – الأمور بمقاصدها،  والعادة محكمة، والمشقة تجلب التيسير، واليقين لا يزول بالشك … وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لاضرر ولاضرار”…

… ولقد اوضح  الحافظ ابن حجر رحمه الله ذلك فقال : «ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه صلاحهم، ولو كان مفضولاً ما لم يكن محرماً» فتح الباري

…. وقال  الامام النووي في شرح الحديث موضوع المقال : «وفي الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدأ بالأهم؛ لأن نقْضَ الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم -عليه السلام- مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً، وذلك لما كانوا يعتقدون من فضل الكعبة فيرون تغييرها فتركها [» شرح النووي على صحيح مسلم….

وان تساوى المعروف والمنكر لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما ..قد يرجح تارة الامر واخرى النهي .. وفي حالات لايصح امر ولا نهي  كلما كان المعروف والمنكر متلازمين ….ولقد اشار ابن عاشور رحمه الله في ايضاحه لمعنى الفساد قائلا .” والافساد فعل ما به الفساد والهمزة فيه للجعل اي جعل الاشياء فاسدة في الارض .. والفساد اصله استحالة منفعة الشيئ النافع الى مضرة به او بغيره .. وقد يطلق على وجود الشيئ مستعملا على مضرة .. وان لم يكن فيه نفع من قبل . يقال فسد الشيئ بعد ان كان صالحا . ويقال فاسد اذا وجد فاسدا من اول وهلة . وكذلك يقال افسد اذا عمد الى سيئ صالح فازال صلاحه .. فالافساد في  الارض منه تصير الاشياء الصالحة مضرة كالغش في الاطعمة .. ومنه ازالة الاشياء النافعة كالحرق والقتل للبراء. ومنه افساد الانظمة كالفتن والجور . ومنه افساد المساعي كتكثير الجهل وتعليم الدعارة وتحسين  الكفر ومناواة الصالحين والمصلحين ..”

   ولقد اوجز الفقهاء اوجه التعارض بين المصلحة والمفسدة مما يستوجب تقديم بعضهما على الاخر  في 

      ـ تعارض جلب منفعة مع جلب منفعة أخرى…

– تعارض دفع مفسدة مع دفع مفسدة اخرى ..

– تعارضجلب منفعة مع دفع مفسدة …ولهذا اهتم بالترجيح عندما يقع التعارض ..

فما  العمل عند تعارض المصالح والمفاسد وخاصة اذا تسببت افعال الناس في ذلك ؟ 

اي ..إذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة فدرءها مقدم على جلب المصلحة مثل النهي عن سب الأصنام لكي  لا يسب الغير  رب العالمين..  و  إذا تساوت المفسدة والمصلحة قدم درء المفسدة على جلب المصلحة  .. وإذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة فتحتمل المفسدة لتحصل المصلحة …

…. ان كل مصلحة لا تخلو من مفسدة والعكس صحيح . فلا توجد لامصلحة ولا مفسدة خالصين في اي فعل من الافعال . لذا يكون الحكم للجهة الراجحة ..وعلى هذا الاساس قامت وتقوم الاحكام – الشرعية والوضعية – لانها تنظم وتؤطر حياة الناس  ..

قال الشاطبي: (فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب, فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفاً, وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفاً)…..

ومن النتائج السلبيةالتي تترتب على الاخلال بهذه القاعدة.. اضاعة مصالح جوهرية تحفظ المبادئ والحقوق  للناس .. والتسبب في حصول مفاسد ثابثة كبرى مثل الاعتداء المعنوي والمادي .. واختلاط واختلال وتمييع المفاهيم وزرع التناقضات .. ووضع الادلة في غير محلها الطبيعي وقلب الحقائق .. والتسبب في تاخر العمل التوعوي والتعبوي وحتى الدعوي .. مع التسبب في تاخير الحركية المحققة للمصلحة الراجحة .. والتطاول على الغير ونشر الخلط والتضليل والكلام الذي لاطائل من ورائع .. فينتج الضلال والتضليل ويتاخر زمن تحقق المصالح ….وتنفير الناس من العمل للصالح العام ..

…..ونختم بالحديث التالي الذي يبين اهمية هذه القاعدة 

عن عبادة بن الصامت ، أنّ رسول الله قال، وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه). فبايعناه على ذلك”. يقول ابن حجر:”والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أنّ الكفّ أيسر من إنشاء الفعل، لأن اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح”

قال تعالى:(وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(البقرة:220)،




 

 

 

 

 

 


 

 




.