قضايا التنوير – القضية السابعة

المجتمع المدني (4)

المرجعيات التقليديّة

(قراءة نقديّة في بنية العشيرة والقبيلة والطائفة)

 

هذه هي الدراسة الأخيرة من قضايا التنوير التي اشتغلت عليها كمشروع فكري تنويري نهضوي, منذ عام 2004 جسدتها في سبع قضايا أساسية هي التنوير , والحداثة وما بعد الحداثة, والعلمانية, والعقلانية, والحرية, والديموقراطية, والمجتع المدني. بحيث نالت كل قضية عدداً من الدراسات, محاولاً في كل دراسة منها تسليط الضوء على جانب من جوانب أي قضية من القضايا المتناولة في هذا المشروع, هذا وقد بلغ مجموع الدراسات التي قدمتها في هذا المشروع ست وعشرين دراسة. أعتقد بأنها قد حققت شيئاً ايجابياً لمثقفنا العربي من الناحية المعرفية بقضايا التنوير. وبذلك أكون في مشروعي التنويري هذا مع مشروعي السابق (قضايا النهضة العربية) الذي درست فيه حركة التحرر العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين, وهو الذي خصصت له ثلاثة كتب من كتبي هي : (الأول:  إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط. والثاني: التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب. والثالث معوقات حركة التحرر العربية في القرن العشرين. وقد صدرت عن داري المدى والتكوين في دمشق.)

ختاماً أتقدم بجزيل الشكر لكل السادة رؤساء وهيئات تحرير المواقع الإلكترونية التي ساهمت في تبني نشر هذا المشروع التنويري أو بعض دراساته, إيماناً منهم بأهمية المعرفة والمعرفة التنويرية منها بشكل خاص, من أجل تجاوز تخلف هذه الأمة وتحقيق نهضتها.

 في الختام أقول: لقد اشتهدت, ومن اشتهد وأصاب فله أجران, ومن اشتهد ولم يصب, فله أجر واحد

 

د.عدنان عويّد

   في نهاية عام 2010 جرى لقاء ضم العديد من وجهاء قبائل وعشائر المنطقة الشرقية في سورية, وبعض المهتمين في الشأن الثقافي العام, عقد في منزل أحد وجهاء عشيرة المشاهدة في وادي الفرات (منطقة المياذين السورية), حيث تعلق مضمون اللقاء آنذاك ببحث مسألة الثأر فـي هذه المنطقة وضرورة إيجاد الحلول الكفيلة لتجاوزها, لاسيما وأن الثأر هو أحد الظواهر السلبية, المعبرة في الحقيقة عن حالة من حالات التخلف الكثيرة التي لم تزل تنخر في جسد مجتمعنا العربي عموما وبنيته الفكرية, وتحول دون قدرتنا على تحقيق الدولة المدنية, أو ما نسميها دولة القانون حتى هذا التاريخ, وبالتالي يتطلب منا الأمر جميعا أن نتكاتف لتذليل تحديات كل تلك المرجعيات التقليدية, والحد منها في عالم تتسارع فيه معطيات الحداثة والتنوير. ولكوني أحد الذين دعي لهذا اللقاء, فقد لفت نظري طبيعة تلك الطروحات التي دارت في هذا اللقاء, الأمر الذي دفعني بالتالي إلى تناول ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة, في مجتمعنا العربي, وهي الظاهرة التي لم تزل تشكل المركب الأكثر تعقيداً لوجودنا الاجتماعي والثقافي, وهي التحدي الرئيس لقضايا نهضتنا. 

    أمام معطيات هذا اللقاء نستطيع القول : هناك فرق بين أن تتماها كليا مع الظاهرة أية ظاهرة من ظواهر المجتمع الذي تعيش وتنشط فيه, في سلبها وإيجابها, وبين أن تدرس هذه الظاهرة وتتخذ منها موقفا ( عقلانيا ), تراعي فيه خصوصيات الواقع الذي أنتجها، وما مدى استجابة هذا الواقع لها ولمفرزاتها, ثم ما هي الجوانب السلبية الكامنة فيها, والتي يجب الحد من فاعليتها, أو محاربتها والعمل على إقصائها ماديا ومعنويا من جسم المجتمع وتفكير أبنائه, ثم ما هي الجوانب الايجابية أيضاً التي يمكن استثمارها في هذه الظاهرة من أجل تنمية المجتمع, وبالتالي تطويره بالضرورة .

     ومن هنا نقول أيضا, انطلاقا من التحليل الاقتصادي والاجتماعي للظاهرة, إن ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة في مجتمعنا العربي عموما, هي من الظواهر الاجتماعية الأساسية الأكثر حضوراً, التي يتكون منها وجودنا الاجتماعي والثقافي, فمجتمعنا تحت ظل الظروف الموضوعية والذاتية المعاشة حاليا وبكل مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ما قبل دولة القانون, هي ظروف إنتاج ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب, بل هي الظاهرة ذاتها التي تعمل على إعادة إنتاج الكثير من معطيات تخلفنا أيضا, فمعظم ما نراه من ممارسات في نطاق مجتمعنا العربي يشير ويؤكد على ما جئنا عليه, بالرغم من التحولات الكبيرة التي تمت في بنية هذه المستويات كافة, والتي نجزم تماما بأنها – أي التحولات – قد لامست في واقع أمرها الشكل أكثر من المضمون, فما حدث من تطور في بنى المجتمع المادية والفكرية ( القاعدة الخدماتية – التربية والتعليم – الجامعات –  الصحة – المؤسسات الثقافية والإعلامية .. الخ), لم يتسرب ايجابيا بعد إلى جوهر بنية هذا المجتمع وعقلية أفراده, أي لم يصل بعد إلى مسامات ذهنية وسلوكيات أفراد المجتمع بما يتناسب وطبيعة هذه التحولات السريعة التي تمت في البناء التحتي, الأمر الذي خلق حالة من الانفصام ما بين شكل المجتمع العربي, الذي يدل في الكثير من معطياته الحالية على التمدن والعمران والحداثة بشكل عام, وبين جوهره الذي لم تزل تعشش فيه عقلية الداحس والغبراء, في الكثير من دلالات هذه العقلية بشكل خاص.

   على العموم يظل السؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا هنا وبعمق, هو : ما العمل ؟ .

   نحن لا ننكر أن هناك الكثير من الدراسات والكتب التي تناولت قضايا الواقع العربي من حيث النظر في معوقات النهضة والتمدن التي أفرزتها أو أنتجتها وتنتجها عقلية وممارسة القبيلة والعشيرة والطائفة في مجتمعنا العربي, مثلما بينت لنا أيضا الظروف الموضوعية والذاتية التي شكلت هذه المرجعيات التقليدية, وساعدت على إعادة إنتاجها, كما حذرتنا دائما من خطورة السير في لعبة هذه المرجعيات التقليدية المهزومة تاريخيا أمام معطيات الحداثة والتقدم, إلا أنها لم تقل لنا حتى هذا التاريخ أن هذه المرجعيات قد انتهت وجودا وفكرا في محيطنا الاجتماعي, وبأننا قد انتقلنا إلى المجتمع المدني النظيف والخالي من هذه المرجعيات التقليدية ، ولكن في الوقت ذاته يعلمنا المنهج العلمي في التحليل كيف علينا أن نتعامل مع هذه المرجعيات التقليدية, ومع غيرها من الظواهر الايجابية والسلبية في المجتمع العربي. فالمنهج العلمي في تحليله وإعادة تركيبه للظاهرة التي نتعامل معها, ومنها ظاهرة العشيرة والقبيلة والطائفة, قد بين لنا من جهة, أن مجتمعنا لم يزل مجتمعا مركبا من أبنية تخلف كثيرة, يأتي في مقدمتها البناءان الاقتصادي والاجتماعي, مثلما بين لنا أيضا من جهة ثانية, أن لا نتعامل مع ظواهر هذا المجتمع بسلبها وإيجابها وفقا لعقلية اليسار الطفولي أو الحرن, أو وفقا لعقلية قاطع الطريق ( بروكست ) وسريره, وهي العقلية التي تفرض علينا أن نتعامل مع هذه الظواهر وفق ما نرغب ونريد فحسب – أي بطريقة إراديّة – دون مراعاة لخصوصيات الواقع, وقوة وحيوية معطياته, أو بتعبير آخر, إن المنهج العلمي  يدعونا للتعامل مع ظواهر الواقع القائمة فيه بروح نقدية عقلانية, تقر بوجود الظاهرة, والنظر في درجة قوتها, ووتيرة حركتها وتفاعلها وتطورها وتبدلها, مثلما تقر بأن الظاهرة في مجموع مكوناتها وآلية عملها في بنية المجتمع, ليست واحدة في تأثيرها على المحيط الذي تنشط أو تفعل فيه, وهذا بالتالي يتطلب منا أن نقف عند الجوانب السلبية في بنية المجتمع, ونعمل على تشريحها وتحديد ظروف إنتاجها ودوافعها ومكوناتها وآلية عملها, وما مدى تأثيرها في المحيط الذي تنشط فيه, ومن ثم العمل على الحد من هذا النشاط أو التأثير وقمعه , مثلما نقف عند الجوانب الايجابية أيضا في هذه الظاهرة والعمل على تعميقها, خدمة لتطور المجتمع والظاهرة ذاتها.

      إن حضورنا لقاء (الثأر) العشائري في “المياذين”, وما جرى فيه من حوارات وما طرح فيه من أفكار ورؤى, بين لنا أن بنية مجتمع المنطقة الشرقية في وادي الفرات السوري شأنها شأن بنية واقع المجتمع العربي بعمومه, هي بنية العشيرة والقبيلة والطائفة, وأن الموضوع المطروح للنقاش في هذا اللقاء هو من المواضيع المهمة التي لم يزل للعشيرة والقبيلة الدور الكبير في تجاوزه أو تأزيمه, علما أننا وقفنا كثيراً ولم نزل نقف ضد العديد من مفاهيم وسلوكيات العشيرة والقبيلة, وخاصة دورها السلبي على نشاط مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية القائمة في وطننا العربي معا, تلك المؤسسات التي يكون لممارسة الديمقراطية في صيغها المشوهة والمبتسرة, والتي لم تتجاوز مسألة التأثير الأفقي  في ممارستها, أي التي لم يزل لمسألة عدد الأصوات, الدور الأهم فـي تكوينها وتحديد حواملها الاجتماعية, وممارسة نشاطها في المجتمع والدولة. وبالتالي, فإن وجود الحوامل الاجتماعية في هذه المؤسسات والأحزاب, ظل الهدف منه ولدى الكثير من هذه الحوامل هو تحقيق الوجاهة و(البروزة) لهذه العشيرة أو القبيلة أو الطائفة, أو لمن يمثلها من حوامل اجتماعية في هذه المؤسسات, على حساب المصلحة العامة التي ُخلقت هذه المؤسسات والأحزاب من اجلها, فعقلية ( لنا في السربة خيال ) التي تفرزها معطيات العشيرة والقبيلة والطائفة, كانت دائما ولم تزل محط تسفيهنا ونقدنا لها, لأنها تعيق في نهاية المطاف عمل الدولة ومؤسساتها, وتقف حجر عثرة أمام خلق مجتمع الحداثة والمواطنة .

     ختاما نقول: إن العشيرة والقبيلة والطائفة لم تزل قائمة في بنية مجتمعنا, كما أشرنا سابقا, وهي تمارس دورها الفاعل أفقيا وعموديا في نشاط حياة الفرد ومؤسسات المجتمع اليومية, وإن مسألة إقصاء هذا النشاط كليا عن الساحة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية أمر لا يتم بقرار سياسي, أو بمرسوم, أو عن طريق الشعارات والتنظير الأيديولوجي المأزوم غالبا في بنيته الفكرية أمام قوة وحيوية معطيات الواقع المادية والفكرية معا, وخاصة حوامله الاجتماعية, إن إزاحة أو إقصاء هذه المرجعيات التقليدية تتم بناء على ما يتحقق من تحولات وتغيرات إيجابية عميقة في جملة الظروف الموضوعية والذاتية التي تصيب المجتمع المنتج لبنية هذه المرجعيات التقليدية بكل مستوياته, وذلك عبر مجاري وقنوات سيرورة وصيرورة هذا المجتمع, لتساهم في خلق بنية مجتمع جديد هو مجتمع الحداثة, أو مجتمع المدنيّة والمواطنة.

    إن بنية هذه المرجعيات التقليدية, (القبيلة – العشيرة – الطائفة) قائمة في مجتمعنا العربي بالضرورة, ماديا ومعنويا كما قلنا سابقا, بل هي تشكل جزءا أساسيا من تركيب أو بناء الدولة العربية ذاتها في معظم دولنا العربية, إن لم نقل إن معظم دول وطننا العربي هي دول عشيرة وقبيلة وطائفة بامتياز, وإن الحوامل الاجتماعية لهذه الدولة أو المسيطرة على أهم مفاصل قوتها, تسعى بقوة وبكل ما توفر أو أتيح لها من إمكانات مادية ومعنوية, على استمرار صيغة هذه الدولة وإعادة إنتاجها, وبالتالي فإن (الرغبة) أو الدعوة من قبل البعض إلى إقصاء العشيرة والقبيلة والطائفة, وفي المحصلة إقصاء دولتها القائمة ذاتها من محيطنا الاجتماعي, يتطلب منا أن نعمل على تغيير مقومات وجودها أصلا, أي أن نعمل على تغير بنية الاقتصاد ألريعي, مرورا بمحو الأمية, وصولا إلى عقلية الداحس والغبراء .. الخ, وهذه التحولات برأيي لا تتم بيوم وليلة, بل هي تقوم على سيرورة وصيرورة تاريخيتين طويلتين, وتتطلب الكثير من الجهد والتضحية, كي تنتج في المقابل ظروفا موضوعية وذاتيه أخرى أكثر تطورا, يأتي في مقدمتها توافر حوامل اجتماعية أخرى واعية لذاتها, تتناقض مصالحها مع مصالح الحوامل الاجتماعية لتلك المرجعيات التقليدية, ولديها المقومات اللازمة لحمل المشروع الحداثي النهضوي وتجسيده في الواقع, لذلك طالما أن هذه المرجعيات التقليدية قائمة بفعل ظروف إنتاجها الموضوعية والذاتية في مجتمعنا, وطالما أننا لم نستطع بعد (نحن) حملة المشروع الحداثي التنويري أن نلغي من على نعوات وفياتنا عبارة ( تنعي لكم عشيرة – قبيلة – آل, وفاة المرحوم أو المرحومة … ), فعلينا أن نستثمر كل موقف ايجابي يبدر من الحوامل الاجتماعية لهذه العشيرة والقبيلة والطائفة ونصفق له, طالما هو يصب في تعميق دور الدولة المدنية والمواطنة, وبالتالي الدفع نحو مجتمع الحداثة الذي نسعى إليه, وكثيرة هي المواقف الايجابية التي يمكننا استثمارها ودعمها وتشجيعها, أو حتى التوجيه نحوها تحت ظل سيادة سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة, وأن أي تجاهل من قبلنا لهذه المسألة هو قفز فوق الواقع, وتجاهل لدورنا ولمشروعنا الحداثي والنهضوي

 المنوط بنا تحقيقه في نطاق المرحلة التاريخية المعاشة, هذا دون أن ننسى  في الوقت نفسه محاربة كل موقف سلبي يبدر من هذه المرجعيات التقليدية ويساهم في عرقلة مسيرة الدولة المدنية والمواطنة, علما أن التاريخ لا يعود إلى الوراء, بل هو يسير دائما نحو الأمام بفعل تطور ظروفه الموضوعية والذاتية, وتجدد إرادات حوامله الاجتماعية. فواقع أمتنا العربية منذ نصف قرن مثلا هو غيره الآن, وتاريخ الأمم والشعوب يثبت دائما أن التقدم الايجابي حاصل بفضل تطور العلوم الطبيعية والإنسانية, ونمو التربية والتعليم والإعلام, وزيادة التفاعل الحضاري مع شعوب وحضارات العالم وغير ذلك من سبل ووسائل نمو المجتمعات وتطورها, وسيسقط من التاريخ كل من لم يستطع فهم حركة التاريخ العالمي ومواكبتها, فكثيرون هم الذين سقطوا عبر التاريخ, لا لشيء  إلا لكونهم جهلوا أو تجاهلوا حركة التاريخ, ولم يستطيعوا خلق وعي مطابق قادر على التعامل بعقلانية مع هذه الحركة  .      

 كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر

  

 

 

.