الأزمة بين حزبي الاستقلال والعدالة والتنمية تتصاعد في المغرب…

 

رئيس حزب الاستقلال المغربي المعارض يعتبر أن حكومة ابن كيران في طريقها إلى الزوال، في حين يرى القيادي في العدالة والتنمية أن هناك جهات تسعى إلى إسقاط الحكومة.

 

عن صحيفة العرب فاطمة الزهراء كريم الله [نُشر في 12/03/2014، العدد: 9495،

 

 

 

الاستقطاب الحاد يسيطر على الساحة السياسية المغربية

الرباط ـ تعود جذور الخلاف بين الحليفين السابقين حزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية إلى مطلع يوليو الماضي حين انسحب حميد شباط من الحكومة، وهو الذي كان أول حليف لابن كيران في الحكومة منذ بداية 2012.

وقد تصاعد الخلاف بين الجانبين، في الفترة الأخيرة حيث سيطر الاستقطاب الحاد على الساحة السياسية المغربية، بين حزب العدالة والتنمية، الحاكم، وحليف البارحة، حزب الاستقلال. وهو خلاف ولئن اشتدّ ووصل إلى حد التجريح وتبادل الاهتمامات والإهانات، إلا أنه، وحسب مراقبين، يأتي في صلب العملية الديمقراطية في المملكة المغربية، التي تؤمن بالتعدّدية الحزبية.

وفي حوار مع “العرب” جدد رئيس حزب الاستقلال المغربي المعارض حميد شباط تأكيده أن الحكومة المغربية الراهنة برئاسة عبد الإله الخطيب ابن كيران رئيس حزب العدالة والتنمية قد خيبت آمال المغاربة، متوقعا زوالها كباقي حكومات الإسلاميين بالمنطقة. وردا على ذلك قال عبدالله بوينو، القيادي في العدالة والتنمية إن هناك جهات تسعى إلى إسقاط الحكومة الحالية.

في سياق التراشق الإعلامي بين أبرز جهتين في الساحة السياسية المغربية، وصف أمين عام حزب الاستقلال، حميد شباط، في حوار مع “العرب”، عبد الإله ابن كيران بـ”الطاغوت”، وأوضح قائلا: “المعارضة يجب أن تكون معارضة قوية وشرسة. واليوم وقد مرّ على تأسيس الحكومة سنتان، وإلى حد الآن لم تجتمع مع المعارضة. وهذه الإقصاءات تعرف فقط في الدول الديكتاتورية وليس في حكومة منتخبة”.

وتساءل شباط، المعروف بتصريحاته المثيرة، “ماذا عسانا أن نقول لرئيس حكومة لا يعطي الفرصة للمعارضة للإدلاء بآرائها ومواقفها ولا يجتمع معها ولا حتى مع الأغلبية ولا يجتمع مع النقابات، ولا يسمع ولا يأخذ بالنصيحة، ماذا عسانا أن نسميه إذا؟”.

كان حميد شباط قال في سياق متّصل، في مقابلة أجرتها معه وكالة الأنباء الألمانية: ”لولا وجود مؤسسات قوية بالمغرب وعلى رأسها المؤسسة الملكية، لكان الوضع خطيرا بالبلاد التي يعاني شعبها من أزمات ارتفاع الأسعار ومعدل المديونية الداخلية والديون الخارجية إلى درجة أن يقوم صندوق النقد الدولي بتسيير وزارة المالية لخروج المغرب عن خط الائتمان”.

“مصرنة” المغرب

في ذات الحوار أشار الأمين العام لحزب الاستقلال إلى أن حزبه قدم في يناير 2013 مذكرة لرئيس الحكومة طالبه فيها بعدم تكرار محاولة تجربة الإخوان في مصر في المغرب أو بمعنى أدق عدم “مصرنة” المغرب، مستبعدا في الوقت نفسه أن يوثر الانتماء السياسي لرئيس الحكومة المغربية على العلاقات بين مصر والمغرب، وقال “على بنكيران الذي يرفع شعار رابعة العدوية بمقر حزبه أن يراعي كونه رئيس حكومة ويحترم إرادة الشعب المصري”.

ونفى شباط أن تكون خطوة انسحابه من الحكومة محاولة لهدم تجربة الإسلاميين في الحكم في مهدها أو أن تكون تلك الخطوة قد تمت بالتنسيق مع القصر، نظرا إلى انزعاج الأخير حينها من شعبية بنكيران كما ردد البعض.

وقال: “هذا ليس صحيحا أبدا، لقد عملنا في حزب الاستقلال على نجاح التجربة ولكننا اختلفنا على عدة قضايا مصيرية للمغاربة في مقدمتها مطالبنا بتشغيل المعطلين عن العمل”.

عرف شباط بانتقاداته الجريئة للاتحاديين أنصار الحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، انتقاداته التي وصلت حد الوقاحة، طالت حتى المهدي بن بركة، الذي تزعم التيار اليساري في المغرب، وبعد تراجع الاتحاديين أصبح “الإسلاميون” أشد خصومه.

الاستحواذ على القرارات

اعتبر الأمين العام لحزب الاستقلال المغربي انسحابه من الحكومة “قرارا حكيما”، تعود أسبابه إلى “أن رئيس الحكومة عبدالإله ابن كيران والحزب الحاكم اليوم يريدان الاستحواذ على القرارات والانفراد بها، من بينها الزيادة في الأسعار. وتجاهل بنكيران مقترحات حزب الاستقلال التي تهم صندوق المقاصة (الدعم) وملف التقاعد، إضافة إلى ملفات الفساد التي يدخل فيها “الريع” و”الحكامة”، لكنه اختار عبارة “عفا الله عما قد سلف” وهو قرار سيدفع ثمنه الشعب المغربي.

وعزا شباط الوضع الراهن بكل مشكلاته إلى تنكر حكومة العدالة والتنمية للوعود التي أطلقتها في برنامجها الانتخابي قبل ثلاث سنوات والتي تركزت حول تحسين مستوى معيشة المغاربة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، فضلا عن أسباب أخرى منها غياب فكرة التشارك في العمل الحكومي وعدم التعاطي مع أحزاب المعارضة.

وأوضح شباط: “ابن كيران لا يزال يتعامل بمنهج وطريقة رئيس حزب العدالة والتنمية لا رئيس الحكومة، فالرجل على مدى ثلاث سنوات لم يلتق ولو لمرة واحدة مع قادة أحزاب المعارضة الممثلة بالبرلمان رغم أن دور المعارضة هو دور مكمل للعمل الحكومي وليس منافسا له كما يردد”.

وتابع :”كما أن حزب العدالة والتنمية كتيار سياسي مع الأسف لا يؤمن بالوطن وذلك لكونه تابعا للتنظيم الدولي للإخوان عبر حركته الأم الدعوية التوحيد والإصلاح التي تعتبر المحرك الحقيقي للأوضاع الآن”.

اعتبر حميد شباط، في لقائه مع “العرب”، أن ما أثير حول التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات الذي يؤكد تورط ياسمينة بادو القيادية في حزب الاستقلال ووزيرة الصحة سابقا، في ما يعرف بالصفقات المشبوهة، “ضجة من الحكومة لتشويه الحزب عامة وصورة ياسمينة بادو خاصة”.

وأشار في موقفه تجاه التوترات الدبلوماسية الراهنة بين فرنسا والمغرب إلى “أن المشاكل الراهنة الآن بين المغرب والجزائر كانت سببها فرنسا بالدرجة الأولى، وفرنسا تعتبر المغرب لا زال تحت حمايتها. وعلى المغرب أن يراجع حساباته لأن المغرب ذو سيادة وهوية وهو بلد قوي”.

وأوضح أن التوجه المغربي نحو أفريقيا يزعج فرنسا ومن معها من لوبيات جزائرية. واستبعد، حميد شباط أن يحقق حزب العدالة والتنمية أغلبية في الانتخابات القادمة المتوقع بداية أولى مراحلها، وهي الانتخابات الجماعية “البلدية”، منتصف العام القادم، قائلا: “هناك حالة من الاحتقان الاجتماعي الخطير الذي يعيشه المغرب اليوم ..هناك مظاهرات ومسيرات سلمية يومية لعدد غير قليل من مختلف فئات المجتمع، وهي من حيث الحجم أكبر من مظاهرات عام 2011، ولكن نظرا إلى تكرارها منذ ما يقرب من ثلاث سنوات فقد أعتاد عليها المغاربة ولم تعد أمرا جديدا”.

وشدد على أن حكومة ابن كيران “في طريقها إلى الزوال كباقي حكومات الإخوان بالمنطقة”، متوقعا أن يكون هذه المرة “زوالا أبديا”.

أكد النائب عبدالله بوينو، القيادي في العدالة والتنمية أن هناك جهات تسعى إلى إسقاط الحكومة الحالية. واتهم بوينو، في حوار مع “العرب”، “جهات ممثلة في أحزاب ورجال أعمال شعورهم بأن مصالحهم تتضرر من الإصلاحات” التي تجري في المغرب مما أدى إلى وصول حكومة الإسلاميين، بقيادة حزب العدالة والتنمية، إلى الحكم.

وأضاف القيادي الإسلامي المغربي أن “هناك معارضة محترمة تعارض الحكومة في عدد من اختياراتها، ولكن توجد تيارات تتضرر من هذه الإصلاحات، لذلك هم يتحركون بما أوتوا من قوة من أجل تقويض عمل الحكومة، وهؤلاء ناهضوا إصلاح ملفات “الريع” لأنهم كانوا يستفيدون منها في عهد الحكومات السابقة”.

وردا على الاتهامات الموجهة إلى حزب العدالة والتنمية بأنه يهدف إلى إقامة إمارة إسلامية في المغرب، قال النائب عن حزب العدالة والتنمية، “نحن لدينا أمير المؤمنين ولدينا مملكة مغربية، وإقامة إمارة ليست من برامجنا وليست من أولوياتنا ولا حتى في البرنامج الحكومي، هذا نوع آخر من القضايا التي يتم استيرادها لتلهية الحكومة عن الإصلاحات”. وأوضح أن المملكة المغربية دولة تتميز بالتعدد الأيديولوجي للأفكار والبرامج والمقاربات.

وفي سياق تحليل موقف العدالة والتنمية الحزب الإسلامي، من دعوات التكفير التي عرفها المغرب مؤخرا قال عبدالله بوينو، “دعوني أوضح أن هذه الدعوات وعددا من الممارسات، سواء التي تخالف الشرع والدين أو بعض الممارسات التي يرتكبها الملتزمون أو المسمون بالإسلاميين، لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت هذه الظواهر في المجتمع المغربي في الستينات والسبعينات وفي الثمانينات. وأضاف: “المجتمع المغربي مجتمع محصن في عقيدته وفي تعدديته ومحصن في أخلاقه، ومثل هذه الظواهر ذات طابع متطرف، وعلينا مواجهتها بالحوار وتقوية الأرضية التي تقاوم مثل تلك الأفكار المتطرفة”. ووصف رئيس فريق العدالة والتنمية، علاقة حزب العدالة والتنمية مع باقي التيارات الإسلامية في المغرب، كجماعة العدل والإحسان، بأنها “جماعات نتقاسم معها بعض الجوانب إلا أننا نختلف معها في بعض الجوانب من حيث المنهج والمقاربات الإصلاحية، نحن نؤمن بالعمل من داخل المؤسسات والعمل بالتدرج ووفق الخصوصية المغربية، وأظن أن هذا هو الاختلاف الجوهري”.

وكان رئيس الوزراء المغربي، عبدالإلـه ابن كيران، قد أكد في تصريحات صحفية سابقة أنه لا توجد علاقة تنظيمية لحزبه مع جماعة الإخوان المسلمين.

قضايا الفساد

سألت “العرب” عبدالله بوينو عن معالجة الحكومة لملفات الفساد والجدل الذي أثاره مبدأ “عفا الله عما سلف”، فأجاب “أظن أنه تم تحميل هذه الجملة أكثر مما تحتمل، ولو أن رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران وضح الأمر خلال ذلك البرنامج وبعده، والأمر لا يتعلق بإعفاء رموز الفساد أبدا، واصفا من يحاول الركوب على كلمة “عفا الله عما سلف” بالمخطئ لأن هذه الحكومة من أولوياتها محاربة الفساد. اليوم هناك خطة إستراتيجية من أجل مكافحة الفساد في شتى أوجهه ومصادره أقيمت لها ميزانية وبرنامج وبشراكة مع المجتمع المدني والقطاعات المعنية، إلى غير ذلك.

وذكر عبدالله بوينو، بأن الحكومة حققت العديد من الأهداف وسيتأكد ذلك عندما تقدّم الحصيلة في أبريل المقبل، ومن بين هذه الأهداف إنشاء صندوق التماسك الاجتماعي وبه نجحت الحكومة في إنشاء ما يسمى بـ “الرميد”، وهو المساعدة الطبية للمواطنين الذين في وضعية هشة، وهذا له أثر بالغ على المغاربة، ويكلف ذلك 3 مليارات درهم، إضافة إلى برنامج “تيسير” أي محاربة الهذر المدرسي، وذلك بتقديم 100 درهم لكل أم لأطفال يدرسون. وبهذه العملية نشاهد نسبة المتمدرسين في ارتفاع. وتمت مساعدة النساء الأرامل والنهوض بالمناطق القروية المقصية. في الحكومة السابقة كان صندوق تنمية العالم القروي يتوفر على 30 مليار سنتيم، وتمكنت هذه الحكومة في سنة 2012 من رفعه إلى 2 مليار درهم، أما في مجال الاستثمار فقد تم تقديم الدعم للمقاولات الصغيرة أو المتوسطة، إضافة إلى تخفيض أسعار الأدوية التي ستستفيد منها الطبقة المتوسطة.

وأضاف “أتحدى من يقول إن هذه الحكومة تزيد في الأسعار، ومن يقول ذلك فليقارن بين الأسعار التي كانت سابقا وبين هذه الأسعار التي يعرفها السوق المغربي في ظل هذه الحكومة، الزيادة في الأسعار هي فقط لمعالجة نسبة العجز في ميزانية الدولة”.

وبخصوص رأيه على ما قاله إدريس لشكر، الأمين العام للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في موضوع المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، قال بوينو، “إدريس لشكر يعرف أكثر من غيره أن مثل هذه القضايا المتعلقة بالهوية والدين ليست محل نقاش، والنقاش في هذه المسألة الهدف منه جر الحكومة إلى متاهات لا علاقة لها بها. نحن واعون ولن يتم جرنا إلى أي نقاش ليس من أولويات المغاربة والعمل السياسي والحكومي، وكما ذكرت سابقا، إن من يسعون إلى تقويض العملية الحكومية اجتهدوا في المس بقضايا الهوية الدينية”.

بين الاستقلال والعدالة والتنمية

نفى عبدالله بوينو، في لقائه مع “العرب”، أن يكون هناك أية مشاكل بين حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال، مؤكدا “أن المشاكل هي مع أمينه العام، حميد شباط”. ويوضّح في هذا السياق قائلا: “كل أجندات شباط كانت واضحة منذ توليه الأمانة العامة للحزب، فهو لم يرض على المناصب الوزارية لحزب الاستقلال وأكد نفس الأمر وبقي يعمل على تقويض عمل الحكومة من الداخل إلى حين خروجه من الأغلبية. وكان يهدف من ذلك فرملة عمليات الإصلاح لكي لا نتقدم. فمشكلتنا ليست مع حزب الاستقلال بل مع هذا الشخص الذي ذهب بالحزب إلى ما أراد وفي السياق الذي أراده”.

وأنكر بوينو كل ما قاله حميد شباط بخصوص رفض مطالبه ومقترحاته من طرف رئيس الحكومة، عبدالإله ابن كيران، مؤكدا أن كل المقترحــات نوقشت داخل الآلية السياسية. وكان حزب الاستقلال قد انسحب في مطلع شهر يوليو العام الماضي من الائتلاف الحكومي الحاكم بالمغرب بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي والذي حقق الأغلبية في الانتخابات التشريعية المبكرة التي أجريت في نوفمبر 2011. ويعد حزب الاستقلال القوة السياسية الثانية بالبرلمان بعد حزب العدالة والتنمية، الذي صعد إلى السلطة في تجربة وصفها مراقبون بأنها خطوة متقدمة تجسد المسار الإصلاحي الديمقراطي الذي يسير على نهجه المغرب.