سد الذرائع في امور الدين والسياسة …

مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء12 مارس 2014

 

عرف اهل اللغة الذرائع بانها  : جمع ذريعة  وهي : الوسيلة إلى الشيء ، سواءٌ كان هذا الشيء مفسدة أو مصلحة ، قولاً أو فعلاً . يقال : تذرع بذريعة : أي : توسل بوسيلة .

أمَّا في الاصطلاح  فمن تعريفاتها اطلاقها  على  انها ما يُتَوَصَّلُ به إلى محظورٍ .. ومنها انها : ما كان وسيلةً وطريقاً إلى شيءٍ آخر حلالاً كان أو حرامـاً .

ولقد قال بهذه القاعدة الكثير من الفقهاء العلماء لذا  فان الاصل في سد الذرائع مجمع عليه ..وتقوم قاعدة سدها على  الاهداف مقاصد ومصالح اعتبارا الى ان الشارع كما اشرنا في المقالة السابقة – قاعدة ” درء المفاسد أولى من جلب المصالح “… في حاجة الى الفهم   – يسعى الى تحقيق المصالح ودفع وتجنب المفاسد … ولهذا يجب مراعاة عدم استعمالها لغير جوهر القصد منها اي انتاج نقيض وخلاف المقاصد الحقيقية حتى لايتم بسبب ذلك تعطيل الشرع واحكامه ….

ان مرتكزات القاعدة تتجلى مثلا في انه اذا ادت اية وسيلة الى مفسدة فانها تصبح حكما فاسدة ..ومن ثم وجب وقف العمل بالذريعة بسبب ما تحدثه اوقد تحدثه من مفاسد ومضار .. ومن هنا يصح العكس اي اذا كانت الوسائل تحقق مصلحة فهي بالضرورة ايضا  صالحة

قال القرافي: “الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة”…..

وقال أبو زهرة : “إن أصل سدِّ الذرائع لا يعتبر النية فيه على أنها الأمر الجوهري في الإذن أو المنع، وإنما النظر به إلى النتائج والثمرات”

وأشار الإمام الشاطبي في “الاعتصام”  الى مثال  لتوضيح تداخل سد الذرائع بقوله:
” قد يكون أصل العمل مشروعًا، لكنه يصير جاريًا مجرى البدعة من باب الذرائع”…كالذي يجد للطهارة ماءين، ساخنًا وباردًا، فيتحرَّى الباردَ الشاقَّ استعماله، بدليل إسباغ الوضوء على المكاره، فهذا لم يعطِ النفسَ حقَّها، وخالف دليلَ رفع الحرج؛ …

..و لقد انهى  ابن القيم احد كتاباته في هذا المجال  فبين أن سدَّ الذرائع هو أحد أرباع الدين، ثم اقام بحثًا في تحريم الحيلة، معتبرًا إياها رافعةً للتحريم ومسقطة للوجوب”

ومن الشواهد على أصول العمل بسد الذرائع : “للوسائل أحكام المقاصد” و “كل ما أفضى إلى حرام فهو حرام”…ثم وقع الخلاف فيما دون ذلك باعتبار ما  تردد فيه الأمر: هل يفضي إلى الحرام أم لا؟ أو يتساوى فيه الاحتمالان؟ فمنهم من يعمل القاعدة فيه، ومنهم من لا يعملها….

….إنَّ الذرائع التي يجب أن تُسد هي التي تؤدي إلى المنكر يقيناً أو ظنا.. أما ان بعدت المسافة   بينها وبين الحرام والممنوع  فتحريمها بمبرر سد الذرائع  يسوق إلى التشدد  والتضييق والتعصب   وهذا لايجب الوقوع فيه بنفس الاستدلال ..

..ومن الادلة  المعتمدة في هذا الباب قوله تعالى : {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ..}، لان السب والقذف  قد يؤدي بالغير  في اطار ردود الافعال إلى مفسدة سبهم لله تعالى ولنا ان نقيس المسالة على كل الامور الدنيوية

لهذا  قرَّر العلامة الشاطبي – رحمه الله – أنَّ قاعدة سد الذرائع اخذت  من استقراءِ نصوص الشريعة استقراءً يفيد القطع ، وأنَّ الشارع يمنع من الفعل الجائز إذا كان هذا الفعل ذريعة إلى مفسدة تساوي مصلحته أو تزيد ، ثم قرر أنَّ هذا المعنى الذي أُخذ بالاستقراء من أحكام الشريعة ، يقوم مقام العموم المستفاد من الصيغة ؛ فيما يندرج تحته من الوقائع التي لم ينصّ عليها ؛ فيطبق عليها ، دون حاجة إلى دليل خاص من قياس أو غيره..

.. و لقد ساق الفقهاء اقوالا دالة  على بعض مرتكزات قاعدة سذ الذرائع  منها

: “ما كان منهياً عنه للذريعة فإنه يُفعل لأجل المصلحة الراجحة” .

و “يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد”.

وقال ابن عاشور  “إنَّ الشريعة قد عمدت إلى ذرائع المصالح ففتحتها”……

ومن القواعد الفقهية التي  تؤيد هذا :” ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، و” ما لا يتم المباح إلا به فهو مباح”..

ولتوضيج الصورة نستدل ببعض ما اقدم عليه  النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – من  الكف عن قتل المنافقين ،  لكونه مصلحة لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس : إنَّ محمداً – صلى الله عليه وآله وسلم – يقتل أصحابه ؛ وقد صرح النبي عليه الصلاة والسلام   بذلك عندما سأله عمر – رضي الله عنه – أن يأذن له بقتل عبد الله بن أُبي بن سلول – رأس النفاق – حيث قال : (( دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ )) رواه الشيخان

ومن الامثلة كذلك قول النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : (( مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ )) ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : (( نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ )) متفق عليه ..

..قال القرافي : ” اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ”

ان جل القواعد الشرعية والفقهية تنصب على  مراعاة المصالح العامة للناس كافة  وتفتح ابواب العمل العقلي الرصين الذي لايخالف المنطق الاصلح للبشر  في اطار من التوازن النفسي والفكري والعملي تدبيرا وتاطيرا وتسييرا وملاءمة وتكاملا  .. ذلك ان الواقع يتجدد .. والمصالح المحققة للخير والنفع والبناء اينما تواجدت ووجدت فتم شرع الله دون ان تتعارض مع جوهر العقيدة  والنصوص القطعية الدلالة …فكنه الايمان الحق هو حفظ  الدين والنفس و العقل و النسل و المال …. وهي كما قال الغزالي يتضح أنها هي  الضروريات أو الكليات الخمس التي يسعى الشارع الى الحفاظ عليها …ومن هنا يمكن القول ان سد الذرائع يتطلب الانطلاق من الفكر الباطني  المتعقل الرصين قبل تحويله الى واقع معلوم كافكار واجراءات ثم تصور كل ذلك متحققا ومجسدا ومنفذا في الواقع الملموس مع العلم بالمآلات ايجابا وسلبا مصلحة ومفسدة ومدى رجحان ما يقدم نفعا متيقنا منه او خسرانا متبينا ضرره …

وهكذا يمكن للانسان ان يصل اذا تحكم في نزواته وهواه ايا كانت ديانته  ومذهبه الى التعرف على  الحسن والقبح بعقله وفطرته السليمة ..كما يمكن له ان يتعرف على ما ينفع وما يضر  بالتجربة والملاحظة والاستدلال  والبرهنة…

..”هنا قرَّر العلامة الشاطبي – رحمه الله – أنَّ قاعدة سد الذرائع أُخِذَت من استقراءِ نصوص الشريعة استقراءً يفيد القطع ، وأنَّ الشارع يمنع من الفعل الجائز إذا كان هذا الفعل ذريعة إلى مفسدة تساوي مصلحته أو تزيد ، ثم قرر أنَّ هذا المعنى الذي أُخذ بالاستقراء من أحكام الشريعة ، يقوم مقام العموم المستفاد من الصيغة ؛ فيما يندرج تحته من الوقائع التي لم ينصّ عليها ؛ فيطبق عليها ، دون حاجة إلى دليل خاص من قياس أو غيره”

…وقال القرافي: (كما نقله عنه الزركشي في البحر المحيط ): “فإنَّ من الذرائع ما هو معتبر إجماعاً، كالمنع من حفر الآبار في طريق المسلمين.. وسب الأصنام عند من يُعلم من حاله أنه يسب الله، ومنها ما هو ملغي إجماعاً؛ كزراعة العنب؛ فإنها لا تمنع خشية الخمر، وإن كان وسيلة إلى الحرام، ومنها ما هو مختلف فيه؛ كبيوع الآجال، فنحن ـ أي المالكية ـ نعتبر الذريعة فيها ويخالفنا غيرنا، فحاصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها خاصة ـ أي بمذهب المالكية ـ”…

ان قراءة الواقع العام عندنا وعند امتنا خاصة يجعلنا نقف على حقيقة غريبة على العموم مفادها  ان اغلب  حروبنا ومعاركنا  وتطاحناتنا منذ الجاهلية الاولى الى القرن الجديد – او الجاهلية المعاصرة –  لاطائل من ورائها ولامنطق ولا مصلحة راجحة والا اين يتجلى لنا ليس الفهم بل فقط العلم بالقواعد الشرعية والعقلية واستحضارها في قراراتنا وممارساتنا ..؟ فما حصل ويحصل  في العراق و الشام و غيرهما يدل على اننا  لسنا على المحجة البيضاء ..ان الذين يسعون لابادة امة من الناس و تبذير الممتلكات والثروات العامة المتوارثة جيلا بعد جيل وتضحيات بعد تضحيات من اجل  مجد زائف او نزوة نفس عابرة  او لتصفية حساب وهمي او … لاشك انهم يوسخون تاريخهم ويعطلون المصالح ..لكنهم حتما لا يمكن ان يصنفوا منتصرين اطلاقا بكل المعايير  …

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغه إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) متفق عليه.

قال ابن حجر: “كان صلى الله عليه وسلم يتألف الناس, ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين, وتتم دعوة الإسلام, ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة, ويرغب غيرهم في الإسلام”.

وعن عبد الله بن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانًا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه؛ فاستأذن لعيينة. فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر حتى هَمَّ بأن يقع به. فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم”خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين” وإن هذا من الجاهلين. قال ابن عباس: فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله عز وجل

 

 

.