المثقف والسلطة

 

بقلم جاد الكريم الجباعي

 

من هو المثقف، وما الذي يحدد علاقته بالسلطة؟

تتحدد الدلالة الاجتماعية لكلمة مثقَّف، اليوم، بمعنى الثقافة وصورة المثقف في ذهن المتكلم؛ يتجلى ذلك في الأحكام والصفات، التي يطلقها متكلمون مختلفون على “المثقف”، والمواقف التي يتخذونها منه. فثمة دوماً مجالان متداخلان ومتعارضان، هما قطبا تفاعل، تتحرك فيهما الكلمة وتتلون بألوانهما: مجال عام، هو مجال المجتمع، حيث تختلف دلالة الكلمة باختلاف مواقع المتكلمين وثقافتهم، ومجال خاص، هو مجال النخبة، تتحول فيه الكلمة إلى مصطلح أو مفهوم ذي دلالات واضحة ومحددة.

ولا يزال الناس ينظرون إلى المثقف إما من زاوية المعرفة والعلم والتحصيل العلمي، وإما من زاوية الخبرة والدراية والحكمة، بحسب ما تكون ثقافتهم كتابية أو شفوية؛ إذ لا يقتصر الوصف والتفسير والتحليل والتخييل والتصوير وإبداع اللغة وتدبيج الكلام وتشقيق المعاني واكتشاف العناصر العقلية والجمالية في الواقع على الأدباء والفنانين والكتاب والمفكرين دون سواهم. فما أكثر ما يقتني الأدباء والشعراء والمفكرون دفاتر صغيرة يدونون فيها ما يدهش من عبارات وأفكار وصور، تتفتق عنها الأحاديث المرسلة مع أشخاص لمَّاحين، متعلمين وغير متعلمين، متخصصين وغير متخصصين. فالمعرفة والفكر والعقل والحكمة والذوق قسمة مشتركة بين أفراد الجماعة الإنسانية، تتجلى في لغاتهم المختلفة وأنماط حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والإنسانية، ما يعني أن الثقافة، بما هي تعبير عن تجربة إنسانية في الزمان والمكان، تتجاوز الحدود الطبقية والدينية والمذهبية والوطنية أو القومية واللغوية والجغرافية. هذا في المبدأ والأساس، لكن واقع الحال يبدي ضروباً من تبعية مثقفين لهذه الشروط وما تعينِّه من سلطات ومؤسسات. ومن هنا يبرز عامل تحديد آخر هو الانتماء والولاء.

التواصل والتفاعل بين هذين المجالين، العام والخاص، وفي كل منهما، ينتج علاقات سلطة، مادية ومعنوية، تنبع كلها من العلاقات المتبادلة بين الأفراد المختلفين والمتفاوتين، إناثاً وذكوراً، ولا سيما العلاقات المتبادلة بين الإناث والذكور، والمؤسسة على ازدواج الفرد الإنساني ذكراً وأنثى. ومن هنا تَنتُج علاقة الفرد بالسلطة بوجه عام، وعلاقة المثقف بالسلطة بوجه خاص، ومن البديهي أن الأولى تقبع في أساس الثانية، وتتجلى في الولاء الفطري أو الطبيعي، والولاء العقلي والأخلاقي، وهذا الأخير الناجم عن استقلال الوجدان وجهاد المعرفة هو ما يؤسس الثقافة والحضارة والمدنية، بأبعادها المادية والمعنوية. ولكن لعلاقة الفرد بالسلطة دوماً طابعاً مزدوجاً، فهي علاقة طاعة من جهة، ومقاومة من جهة أخرى، على تناسب ما بين الطاعة والمقاومة تحدده شروط ذاتية وموضوعية، وينطبق هذا على المثقف بالطبع.

يتفق الباحثون والمفكرون على أن العائلة “جماعة طبيعية”، وكذلك العائلة الممتدة والعشيرة والقبيلة أو القوم؛ فالعلاقات أو الروابط التي تقوم بين أفرادها علاقات طبيعية، نسلية، أو عرقية، تغلفها علاقات دينية.(يبين البحث التاريخي ارتباط العقيدة بالعشيرة والقبيلة، بما في ذلك العقائد “السماوية”). فلا تزال العائلة إلى يومنا تلقن أطفالها مبادئ العقيدة مع اللغة، ولا تزال أوشاب العقائد الدينية المختلفة ثاوية في ثنايا اللغات، ولا سيما التي لم تتطور، أو لم تصب تطوراً كافياً. فالعلاقات الدينية هي عماد السلطة والمعادل المثالي لمصدر شرعيتها، أعني القوة والغلبة. (البنى البطريركية، في قاعها، بنى عقدية قائمة على طاعة الأب أو الرب، ووظيفة العقيدة تسويغ هذه الطاعة وتأبيدها، ولا يزال رجال الدين وسدنة هياكله يقومون بهذه الوظيفة). ومن ثم فإن الولاء للعائلة والعائلة الممتدة والعشيرة ثم للقوم هو ولاء طبيعي أو غريزي، لا تزال مظاهره قائمة إلى يومنا بصيغ شتى، أبرزها العقائد “القومية”، نسبة إلى القوم.

في مقابل الولاء الغريزي كان هنالك دوماً ولاء عقلي وأخلاقي، أي ولاء لحقيقة متغيرة ونسبية مغايرة لحقيقة السلطة الثابتة والمطلقة، وهذه من أهم عوامل التقدم. علاقة المثقف بالسلطة تتحدد من هذه الزاوية بنوع الولاء الذي يدين به، هل هو ولاء غريزي أم ولاء عقلي وأخلاقي.

الولاء الحديث للدولة، بثلاثة أركانها: الأرض والشعب والسلطة العامة، لا يزال إلى يومنا يبدي وجهين متناقضين: أحدهما مشوب بولاء غريزي، أو مؤسس على ولاء غريزي، تنتج منه إما نزعة قومية إمبريالية ذات طابع هجومي، قائمة على شعور بالتفوق والسمو، وإما نزعات حصرية متطرفة، “قومية” أو دينية أو مذهبية، قائمة على وهم الخصوصية والامتياز والتجانس والنقاء، تتقاطع مع النزعة الإمبريالية، وإن تكن ذات طابع دفاعي مشرب بشعور مرير بالانتهاك والإذلال، تستنجد بأمجاد الماضي لمواجهة مشكلات الحاضر. والوجه الآخر هو الانتماء العقلي والأخلاقي المؤسس على قاعدة إنسانية ذات بعدين: كوني وتاريخي، هي أساس التواصل والتفاعل والانفتاح على منجزات الفكر الإنساني. الاعتدال سمة كل ما هو عام؛ والتطرف سمة كل ما هو خاص وحصري؛ وبين هذا وذاك تتعدد صور المثقف وتتباين، من المثقف الداعية والمثقف المناضل أو المجاهد والمثقف “العضوي” والمثقف الملتزم، إلى المثقف المثقف.

الثقافة التي تستحق اسمها تقوم على ركنين أساسيين: تساوي البشر في الكرامة الإنسانية، على الصعيد العالمي، وتساوي المواطنين، والمواطنات بالطبع، في الحقوق والواجبات وفي الكرامة الوطنية، على الصعيد الوطني، ومن الثابت أن الأولى أساس الثانية. المساواة، بهذا المعنى هي الصيغة العملية للعدالة، وليس من ضمانة واقعية وأخلاقية لهذه وتلك سوى الحرية بما هي “السم المضاد” للتطرف في المساواة على نحو يطمس الحدود والفروق وينفي الاختلاف أو يحاول السيطرة عليه. نحن أحرار لأننا مختلفون، فلو كنا متشابهين ومتماثلين لما كنا في حاجة لا إلى المساواة ولا إلى العدالة ولا إلى الحرية. التيارات الثقافية الكبرى في التاريخ قامت على مبدأ التشابه والتماثل، فأنتجت القطع والجزم واليقين على الصعيد الفكري، وأنتجت الاستبداد على الصعيد السياسي. فقد آن للفكر، ونحن في القرن الحادي والعشرين أن ينطلق من مشروعية الاختلاف وواقعية التفاوت، اللذين لا سبيل إلى إلغائهما، إلا بثورة على الطبيعة البشرية، لكي تتأسس المساواة والعدالة على الاختلاف والتفاوت، وتتأسس الكونية والوطنية على ما هو مشترك بين المختلفين والمتفاوتين، وتتأسس المشاركة على حرية الإرادة وحرية الاختيار.

“كلمة مثقف (intellectual) كلمة جديدة في دلالتها الاجتماعية، حتى في اللغة الإنكليزية. ومعناها القديم يقتصر على كل ما هو خاص بالذهن أو العقل أو الفكر المنطقي، في مقابل العاطفة أو الشعور والإحساس. وأحسب أن معناها الجديد يستبعد هذا الفصل التعسفي بين العقل والعاطفة والخيال والشعور والإحساس والذوق. واستعمالها اسماً للدلالة على صاحب الفكر أو المفكر استعمال حديث، كما يقول رايموند ويليامز في كتابه “كلمات أساسية”، وكذلك ارتباطها بالكلمة الحديثة نسبياً، إنتلجنتسيا (intelligentsia) التي جرى العرف في العالم العربي على ترجمتها بالمثقفين أو فئة المثقفين، أي الذين يقومون بأعمال ذهنية وتلقوا قدراً من التعليم يؤهلهم للقيام بهذه الأعمال، وتطلق عليهم صفة المهنيين، مقابل صفة الحرفيين الذين يقومون بأعمال يدوية أو عضلية. ولكلمة إنتلجنتسيا الجديدة دلالات اجتماعية وسياسية في الفكر الاشتراكي[1]“. ويتفاوت الكتاب والنقاد الغربيون في تعريف المفكر، بالمعنى الأول، إذ يقصره بعضهم، كما يبين إدوار سعيد، على كبار الكتابوالفلاسفة، ويوسع غيرهم من دلالة الكلمة حتى تشمل كل من حصل على قدر من التعليم يؤهله لإطلاق صفة المثقف أو المتعلم عليه، وإن لم يبلغ علمه درجة التخصص الدقيق، أي التعمق والتأمل اللذين قد يفضيان إلى نظرات جديدة تشكل أو لا تشكل مذهباً خاصاً به. بل إن نقاداً آخرين يزيدون من توسيع دلالة الكلمة بجعلها تدل على كل من يتمتع بقدر من “الوعي الاجتماعي” أو “الوعي السياسي”[2]. ويتطرف بعض اليساريين في هذه الدلالة بحيث تشمل كل من يفكر على الإطلاق. ولما كان التفكير خصيصة إنسانية فقد تنتهي الكلمة إلى الدلالة على جميع الناس، وبهذا تفقد خصوصيتها ومعانيها الاشتقاقية والاصطلاحية الأساسية.

فإذا ما نظرنا إلى الثقافة على أنها مجال عام أو فضاء عام، وطني وإنساني في الوقت ذاته، يمكن وصف أي فرد إنساني بأنه مثقف. وإذا ما نظرنا إليها على أنها مجال خاص مستقل عن سائر مجالات الحياة الاجتماعية في المجتمع المعني استقلالاً نسبياً، مع أنه يؤسسها جميعاً ويؤسس استقلال كل منها، يغدو لصفة المثقف أو المفكر معنى خاص يدل على من يعمل في إنتاج الثقافة وإنتاج الفكر، أو على من يتخذ من العمل الذهني مهنة له. جميع الناس مفكرون، كما كتب غرامشي في دفاتر السجن، ولكن وظيفة المفكر لا يقوم بها جميع الناس. والمهن الذهنية معروفة لدى الجماعات البشرية منذ أقدم العصور، كالكهانة والعرافة والتنجيم والشعر والخطابة والقص أو الحكاية والرواية والموسيقا والغناء والتمثيل. وقد ارتبط أصحاب هذه المهن بسلطة الهيئة الاجتماعية، ولا سيما السلطتين الدينية والسياسية. والحضارة الحديثة ماضية نحو مزيد من التخصص في جميع فروع المعرفة ونحو تحول المثقف إلى مهني متخصص مرتبط بشركة أو جامعة أو مؤسسة من مؤسسات البحث العلمي أو مركز من مراكز الدراسات، فبات مفهوم المثقف أكثر تضمناً وأقل شمولاً. ولكن يجب أن نلاحظ في المقابل اقتراب العلوم الحديثة أكثر فأكثر من تخوم الفلسفة، مما قد يعيد الاعتبار للمفكر الموسوعي.

فالشكل الأول لعلاقة المثقف بالسلطة هو الولاء الطبيعي، الفطري، أو الغريزي، أعني الولاء للعشيرة والعقيدة، فهو أقدم من الولاء العقلي / الأخلاقي المقترن بالتحضر والتمدن. وفي جميع الأحوال، يمكن القول إن “علاقة فكر الفرد وجهده وخيالة بسلطان الهيئة الاجتماعية قضية أخلاقية”[3]، وفق منظومة الأخلاق السائدة لدى الجماعة المعنية، سواء كان ولاء المثقف غريزياً أم عقلياً.الولاء للجماعة (الطبيعية) يدعمه الولاء للزعيم، ويمكن اعتبار الثاني رمزاً للأول، في ظل العلاقة بين الزعيم ومن يوالونه، وينظرون إليه نظرتهم إلى أب. وتجدر الإشارة إلى أن الولاء الغريزي لا يزال هو الأقوى في المجتمعات التقليدية، كمجتمعاتنا. فليس مستهجناً وهذه الحال أن تكون أقوال “الأب القائد” و”القائد الرمز” و”القائد الضرورة” مرجعاً لمثقفين يوالونه ولاء غريزياً أو نفعياً، خوفاً أو طمعاً، هو أقرب إلى الولاء الغريزي.

يقودنا هذا إلى تعريف السلطة بأنها “علاقة قوة”، حسب ميشيل فوكو، أو علاقات بين قوى مختلفة ومتفاوتة تنتج منها سلطات مادية ومعنوية ومؤسسات خاصة بهذه وتلك، بدءاً من سلطة الأب على أفراد أسرته، وسلطة الرجل على المرأة وصولاً إلى سلطة الزعيم أو السلطة السياسية المعززة على الدوام بسلطة دينية. وإذا ما تأملنا فكرة السلطة أو مفهوم السلطة، بمعزل عن آلياتها وأدواتها وأشكال ممارستها، لأن السلطة ممارسة، يتبين لنا أنها ليست في آخر التحليل سوى معرفة وعمل فرديين تحولا، في بوتقة الجماعة إلى قوة، بفعل نوع من (كيمياء اجتماعية) تُنتِج من العناصر الفردية مركبات فكرية وقيمية عامة يختفي فيها الطابع الفردي، ولا تلبث هي ذاتها أن تصير سلطة عليا وأطراً اجتماعية وأخلاقية صلبة للمعرفة والتفكير المنظم، تقيد حرية الفرد وتحد من نزوعه إلى المغامرة والاستكشاف والمعرفة والانفتاح على آفاق أبعد من حدود مجتمعه، إلا من أوتي من شجاعة العقل والقلب ما يمكنه من مقاومة السلطة والخروج على تقاليدها وقيمها. ذلكم هو أحد وجوه الدراما الإنسانية القائمة على تناقض مقيم بين التقليد والتجديد، بين حقيقة السلطة وسلطة الحقيقة. كل جديد مستهجن؛ وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ولكن ثمة دوماً من يهب روحه للشيطان من أجل حقيقة تحرره.

بيد أنه لا سلطة بلا مقاومة، من داخلها ومن خارجها؛ كل سلطة تنتج أشكال مقاومتها. هنا بالضبط، أي في موالاة السلطة، أي سلطة على الإطلاق، أو مقاومتها، تتموضع الحرية، بوجهيها: الإيجابي والسلبي، وبها، أي بالحرية، تتحدد علاقة المثقف بالسلطة، وتتعين صورته، وجميع الأمور الأخرى تابعة[4].

لا يتفاوت المثقفون في درجة مقاومتهم للسلطة أو ولائهم لها فحسب، بل في نوع السلطة التي يقاومونها أو يوالونها أو يذعنون لها. ترتسم صورة المثقف أو المفكر في أذهان قرائه أو مستمعيه أو مشاهديه وفق السلطة / السلطات التي يواليها أو يعارضها. ولنا أن نسأل هنا: كيف ينظر المثقف إلى نفسه في حال المعارضة أو الموالاة، وكيف ينظر إلى نفسه في حال معارضة بعض السلطات وموالاة بعضها الآخر، والسلطة هي السلطة في كل زمان ومكان؟ أو بعبارة أخرى، متى يكون المثقف أو المفكر متصالحاً مع نفسه، وكيف بوسعه أن يربح نفسه حتى لو خسر كل شيء؟

تجدر الإشارة هنا إلى أن السلطة ضرورة لا بد منها، ولا غنى عنها، هي بنت المصادفة والإمكان ومنطق الانوجاد أوالكون والتشكل، أي انتقال الأشياء والأحياء وتحولها من القوة إلى الفعل، ومن الفوضى إلى الانتظام، وتجسد الأفكار والتصورات في الواقع الفيزيقي والأخلاقي على السواء، بل هي أحد شكلي وجود الحرية في صيغة الإيجاب والإثبات. الشكل الآخر هو النفي أوالسلب، وهذا الأخير هو عامل النمو والتغير في الأشياء والأحياء، إذ كل تعين هو سلب أو نفي، حسب اسبينوزا. الحرية تتحول، بالمعرفة والعمل والحب، إلى ضرورة تحمل نفيها في داخلها، فهي الضرورة ونفي الضرورة في الوقت ذاته، هي الحدود وتجاوز الحدود في الوقت ذاته، فليست مجرد قيمة أخلاقية، بالمعنى الضيق للكلمة. الحرية تحد نفسها وتتجاوز حدودها باطراد، هكذا المعرفة والعمل والحب. إرادة الانتظام والتنظيم وما يتصل بهما هي ما ينتج السلطة، ويحول الفكر إلى ممارسة؛ وما أن تكون السلطة، أو تصير، حتى تتحول إلى حد وقيد على الإرادة التي أنتجتها، تلكم هي مأساة الإرادة.

لو أمكن أن نحذف السلطة من الوجود لما كنا في حاجة إلى الحرية والمساواة والعدالة. هذه الوضعية المزدوجة للحرية هي أساس فكرة التاريخ وفكرة التقدم. هنا تتجلى جسامة المهمة الملقاة على عاتق المثقف أو المفكر وخطورتها، المثقف المنفي الذي تحدث عنه إدوارد سعيد هو المثقف النافي، (النافي اسم فاعل) الذي، إذ يقوم بمهمته أو وظيفته التي اختارها لنفسه، لا يختار نفسه فقط، بل يختار نموذج النوع الذي ينتمي إليه، ونموذج المجتمع الذي يصبو إليه، يختار النموذج الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان هنا وهناك، وإلا لما كان منفياً. مهمة المثقف أو رسالته إنسانية بامتياز وكونية بامتياز، تنطلق من واقع الشقاء الإنساني، في العالم، انطلاقاً من واقع الشقاء الإنساني في مجتمعه. المثقف الحق ينفر من التبعية لأي سيد والإذعان لأي سلطان، ولذلك هو منفي ومهمش. هكذا يمكن الإمساك بجذر المسألة ولب القضية: علاقة المثقف بالسلطة علاقة تناف متبادل، هو يعمل على نفي جميع السلطات القائمة، لتقوم محلها سلطات أخرى أدنى إلى العدالة، وأكثر استجابة لمطالب الروح الإنساني، وجميع السلطات القائمة تعمل على نفيه، وهذه أيضاً علاقة قوة، أي علاقة سلطة. سلطة المثقف هي سلطة الحقيقة، النسبية والمتغيرة، التي ينتجها عمل الرأس واليدين، ويعيد إنتاجها، في مقابل حقيقة السلطة الثابتة والمطلقة. ولذلك يتوجه المثقف، بحكم مهمته التي اختارها اختياراً، إلى أوسع جمهور ممكن من القراء والمستمعين والمشاهدين، يحصنه بالمعرفة وبطانتها الأخلاقية، ويتحصن به. وهذ لا يعني بأي حال من الأحوال أن يكون المثقف رسولاً، أو مناضلاً سياسياً، أو مجاهداً، بخلاف ما يوحي به ظاهر الكلام. رسالة المثقف هي ما يكونه هو فقط، هي كونه مثقفاً حين يجهر برأيه لا يقول سوى حقيقته، والبقية تتولاها “الكيمياء الاجتماعية”.

هل بوسع مثقف أن يدافع عن قضية، كقضية الحرية مثلاً، إذا لم يكن حراً في تفكيره أولاً؟ حرية التفكير التي يظن بعضنا أنها قضية سهلة هي من أصعب الأمور، إذ لا يمكن بلوغها إلا بمغالبة جميع السلطات التي تضغط على وجدان المثقف والتحرر من آثارها في نفسه، ولعل سلطة اللغة من أشد السلطات قوة بما تحمله مفرداتها من دلالات متراكمة طبقة فوق طبقة على مر تاريخها، لذلك كان التحرر من سلطة اللغة وسحر الكلام أول مظهر من مظاهر حرية الفكر، ناهيك عن بقية السلطات التي تقف السلطة السياسية على رأسها. فإلى أي مدى يمكن أن يكون المثقف صادقاً في دفاعه عن الحرية إذا كان يدافع عن حرية قومه وبني جلدته ولا ينبس ببنت شفة إذا انتهكت حرية آخرين واستبيحت حقوقهم؟

شتان ما بين صورة المثقف أو المفكر ومنهجه وأسلوبه في الحياة ورؤيته إلى العالم وموقفه من السلطة، بالمفرد والجمع، وبين صورة المناضل السياسي، ومهنته التي ازدهرت في بلادنا منذ أكثر من نصف قرن، وانتهت بالمثقف إلى تابع ذليل لسلطات مستبدة أشد وأقبح ما يكون الاستبداد، وإلى متمجِّد بمجد السلطان، بتعبير عبد الرحمن الكواكبي. المثقف هو من يؤسس السياسة فكرياً وأخلاقياً، ولكن ممارسة السياسة في أحزاب شمولية، كالتي خبرنا، مفسدة للمثقف، تعمي بصيرته وتحد من أفقه وتشل طاقاته الإبداعية وتحرمه من لذة المعرفة وجمال الحياة. ومفسدة للثقافة، تختزلها إلى دعاية وإعلام، أو إلى تربية هي تربية العدم والخواء. ومفسدة للفكر تحوله إلى مجرد أيديولوجية تفاصلية وتفاضلية مغلقة على حقائقها الثابتة والمطلقة ومناهضة للحرية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان.

يعيش المثقف أو المفكر كغيره من الأفراد في مجتمع ما، وينتمي إلى جنسية معينة لها لغتها وتقاليدها وظروفها التاريخية، “فإلى أي مدى يمكن اعتبار المفكرين خدماً لهذه الحقائق الواقعية، وإلى أي حد يعتبرون أعداء لها. ويصدق هذا التساؤل على علاقة المثقفين بالمؤسسات (بالجامعة والكنيسة والنقابة) وبالسلطات الدنيوية التي استقطبت طبقة المثقفين في زماننا إلى درجة فذة، كما يقول إدوارد سعيد. وكان من ثمار ذلك أن أصبح الكتاب، كما يقول الشاعر ويلفريد أوين، يسوقون الناس جميعاً ويصيحون بهم بالولاء للدولة. وهكذا فإن الواجب الفكري الرئيس اليوم هو نشدان التحرر النسبي من أمثال هذه الضغوط، ومن هنا تنبع صورة المفكر المنفي أو الهامشي أو الهاوي. صورة تحاول أن تنطق بالصدق في وجه السلطة”[5].

بين ظهرانينا كثرة من المثقفين يذعنون إذعاناً تاماً لسلطة التقليد أو سلطة السلف أو سلطة الدين الوضعي أو سلطة الحزب، ويقاومون السلطة السياسية (المستبدة) في الوقت نفسه، إلى هذا الحد أو ذاك. وآخرون يذعنون للسلطة السياسية المستبدة إذعاناً تاماً، ويوالونها ولاء خالصاً، ويقاومون سلطة التقليد أو سلطة السلف أو سلطة الدين الوضعي، إلى هذا الحد أو ذاك أيضاً. هذه الوضعية التناقضية لا تشي بما سماه كارل ماركس نقصاً في المبدأ فقط، بل هي عامل من أهم عوامل ركود المجتمع وتأخر الوعي والفكر، لأن محصلة هاتين القوتين الأساسيتين في الحياة العامة تساوي صفراً أو تتناهى إلى الصفر، ولا سيما إذا أضفنا إليهما قوة كثرة ممن يجمعون بين الإذعان للسلطة السياسية المستبدة والإذعان لسائر السلطات الأخرى. لا يمكن تفسير هذه الوضعية التناقضية في علاقة المثقف بالسلطة إلا بمبدأ الولاء الغريزي. وكلما كان هذا الولاء خالصاً يقابله براء خالص، يغدو معه المثقف مجرد مساجل همه إفحام الخصم، ولو أدى به ذلك إلى قول الشيء ونقيضه في وقت واحد.

ولكن، ثمة فريق ثالث تتجسد فيه صورة المثقف المستقل أو المثقف الحر الذي يدرك إدراكاً واضحاً أن السلطة السياسية محصلة جميع السلطات الأخرى فيخرج عليها جميعاً، بدءاً من سلطة المعرفة، وسلطة الأب، كما وصفها سيغموند فرويد. ذلكم هو المثقف أو المفكر الذي وصفه إدوارد سعيد بالمثقف المنفي أو الهامشي أو الهاوي الذي يقوم بدور اللامنتمي، ويحاول تحطيم القوالب الجامدة والأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيوداً شديدة على الفكر الإنساني وعلى التواصل ما بين البشر[6]. المثقف الحق هو من يقاوم جميع أنواع السلطة وجميع أشكالها. فإن ما يمثل وعي المثقف أو المفكر هو روح المعارضة لا القبول والتناغم. فما تتسم به الحياة الفكرية من جاذبية وتحديات يكمن في الخلاف والانشقاق والخروج على “الوضع الراهن”[7] وفكره وثقافته السائدة. المفكرون الحقيقيون، كما وصفهم جوليان بندا، “أقرب ما يكونون إلى الصدق مع أنفسهم حين تدفعهم المشاعر الميتافيزيقية الجياشة والمبادئ السامية، أي مبادئ العدل والحق، إلى فضح الفساد والدفاع عن الضعفاء وتحدي السلطة المعيبة الغاشمة”. يقول بندا إن ما يعيب مثقفي العصر الحاضر هو تنازلهم عن سلطتهم المعنوية أو الأدبية مقابل ما يسميه “تنظيم المشاعر الجماعية الجارفة”، وهي عبارة سبقت عصرها وتشي بما صرنا إليه، كالطائفية والمشاعر الجماهيرية والعداوات المستندة إلى اختلاف القوميات والمصالح الطبقية. كان بندا يدرك مدى أهمية استعانة الحكومات بالمثقفين، لا في مواقع القيادة، بل لتدعيم السياسات الحكومية وللدعاية ضد الأعداء الرسميين، ولوضع صيغ التلطف في التعبير، بل على نطاق أوسع، في وضع نظم كاملة مما كان أورويل يسميه “اللغة الجديدة”، (أي لغة الأضداد حيث تعني الكلمات عكس دلالاتها)، بحيث تستطيع إخفاء ما يحدث فعلاً باسم “مقتضيات” عمل المؤسسات الرسمية أو الكرامة القومية. السلطة هي السلطة، في كل زمان ومكان، ومثقف السلطة هو مثقف السلطة، في كل زمان ومكان.

ملاحظة: أينما وردت كلمة مثقف أو مفكر تعني التذكير والتأنيث على السواء، بل تعني أكثر من ذلك أن الفرد الإنساني أثنان دوماً، أنثى وذكر، مع الفرق والاختلاف. الثقافة الإنسانية التي تستحق اسمها هي الثقافة التي تحتفي بالاختلاف، وهذه لا تزال حتى يومنا ثقافة هامشية تعاني من ضغوط الثقافة المركزية أو ثقافة المركز.

 

[1]– راجع إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ترجمة وتقديم محمد عناني، دار رؤية للنشر، القاهرة، 2006، المقدمة.

[2]– عن إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ترجمة وتقديم محمد عناني، دار رؤية للنشر، القاهرة، 2006، ص 9 وما بعدها.

[3]– برتراند رسل، السلطة والفرد، ترجمة شاهر الحمود، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1961، ص 22,

[4]– لا نميل في هذه المسألة إلى أحكام القيمة ومنطق التفاضل، لأننا نحترم حق الموالاة للموالين وحق المعارضة للمعارضين، في ضوء معايير فكرية وأخلاقية، اجتماعية وإنسانية، واضحة ومحددة،.

[5]– إدوارد سعيد، المصدر السابق، ص 26

[6]– راجع إدوارد سعيد المصدر السابق، ص 24

[7]– المصدر نفسه، ص 28