مالي نموذجا:
مستقبل الدور المغربي في منطقة الساحل والصحراء

3-2-2014

عرض: محمد محمود السيد، باحث متخصص في الشئون العربية

شكلت أزمة مالي وما تلاها من تداعيات التدخل الدولي في منطقة الساحل والصحراء اختبار مؤثرا لأدوار القوى الإقليمية المتنافسة، وخاصة المغرب والجزائر ، إذ سعت كل دولة لمحاولة التأُثير على الوضع في مالي، بما يضمن لها حماية مصالحها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، قدّمت “فيش سكثيفيل”، زميلة الجيل القادم في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في مقال لها على موقع “معهد واشنطن”، تحت عنوان “تحرك المغرب في مالي: ما هي المكاسب التي حققتها الرباط في معركتها ضد التظرف الإسلامي؟”، رؤية حول مرتكزات الدور الإقليمي المغربي، وتوسع النفوذ المغربي في مالي، ومستقبل العلاقات المغربية- المالية.

وتمكنت المملكة المغربية على مدى العامين الماضيين من تعظيم نفوذها الإقليمي في منطقة شمال إفريقيا، من خلال دورها الفاعل في أزمة مالي، وهو الدور الذي جاء على حساب جارتها “الجزائر”، صاحبة النفوذ الأكبر في قضايا المنطقة. وكانت البداية مع انضمام المغرب إلى التدخل الذي قادته فرنسا في مالي، وهو الأمر الذي تمخض عنه تعاظم الدور المغربي في الشأن المالي، وصولاً إلى الاجتماع الذي عُقد في المغرب في نوفمبر الماضي 2013، والذي وافق فيه وزراء خارجية 19 دولة، من بينها فرنسا، وليبيا، ومالي على اتفاق على إنشاء معسكر تدريب مشترك لتأمين الحدود، والذي من المرجح إقامته في العاصمة المغربية، وهو الاتفاق المعروف باسم “إعلان الرباط”.

وبذلك، تكون المغرب قد اكتسبت الأفضلية في معركتها مع الجزائر حول النفوذ الإقليمي. فما كان صعب المنال في السابق – مثل ممارسة النفوذ، وإقامة علاقات ثنائية مع دول في منطقة الساحل والصحراء دون تدخل الجزائر – أصبح الآن في متناول المغرب.

مرتكزات الدور الإقليمي المغربي

تناولت سكثيفيل في هذا الجزء من المقال مرتكزات الدور الإقليمي للمغرب، والتي تفسر تطور النفوذ المغربي الحالي في مالي، وتبشّر بتعاظم هذا النفوذ. فقد افترضت أن استبعاد المغرب من المبادرات الإقليمية بسبب تنافسها التاريخي مع الجزائر. على سبيل المثال، فإنها ليست عضواً في “لجنة هيئة الأركان المشتركة” التي تتخذ من الجزائر مقراً لها، والمعنية بتنسيق عمليات مكافحة الإرهاب بين الجزائر، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، مما أدى إلى تقويض أي فرص للانخراط في ردود أكثر تماسكاً ومتعددة الأطراف ضد التطرف.

فبعيداً عن الدوافع الجيوستراتيجية والاقتصادية، وربما التوسعية التي تقود جهود المغرب لتعزيز مكانتها في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء بشكل عام، فإن سكثيفيل ترى أن وقف انتشار المتشددين الإسلاميين في المناطق الحدودية التي ينعدم فيها القانون في منطقة الساحل هو أبرز دوافع المغرب للتحرك على الساحة المالية حالياً. وترى أن أهم مرتكز تستند إليه المغرب في تحركاتها هو “السلطة الدينية”.

المملكة المغربية تستمد شرعيتها من سلالة الملك المباشرة المنتسبة إلى رسول الله “محمد” – صلى الله عليه وسلم – وهو ما يراه المغاربة أمراً لا لبس فيه. فالعاهل المغربي يُطلق على نفسه “أمير المؤمنين”، وهو أعلى سلطة دينية في البلاد.ويُمكن القول إن شرعيته تفوق أي شرعية لأي عاهل عربي آخر. ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل:

– العباءة الدينية للملك، مقابل العباءة العلمانية لمعظم الحكام العرب، والتجانس الديني في المغرب، حيث وضع العاهل الحالي الملك محمد السادس نفسه، بحسبانه رمزاً للاعتدال الديني والإصلاح في جميع أنحاء المنطقة، من خلال ما تبناه من مبادرات مثل إرسال مئات الأئمة إلى المدن الأوروبية بصحبة عدد كبير من المغربيين للدعوة ضد التطرف.

– وسّع محمد السادس دائرة بعض من مبادراته لتشمل مالي، حيث قدّم منحا دراسية دينية للطلبة الماليين في الجامعات المغربية. ويسعى مثل هذا التدريب إلى مكافحة الأيديولوجيات المتطرفة، وتعزيز التسامح مع غير المسلمين، لكنه يقدم أيضاً تعليماً جامعياً موسعاً حول مواد دراسية، بدءاً من التاريخ والجغرافيا إلى العلوم السياسية وحقوق الإنسان. وتنصب هذه الجهود وغيرها على تقوية المدرسة المالكية، حيث تُعد المدرسة المالكية هي الأكثر انتشاراً في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. وغالباً ما تدعو المدرسة المالكية إلى احترام السلطات حتى العلمانية منها، وتعد عموماً المنهج الأكثر اعتدالاً في الإسلام.

– مارس محمد السادس سياساته الدينية بسهولة في المغرب، من خلال إحكام الدولة سيطرتها العميقة على الحياة الدينية، عن طريق إملاء ساعات فتح المساجد، وطلب شهادة من الوزارة لجميع الأئمة، فضلاً عن إقرار فحوى الفتاوى التي تصدر من مصادر خارجية للحد من وصول التيار الإسلامي الدولي إلى البلاد. كما أن سيطرة الدولة قد حدّت من تشكيل جماعات سلفية مغربية، لاسيما عند مقارنتها مع جيرانها، وسمحت للحكومة بالعمل من أجل استيعاب عناصر من القيادة السلفية داخل المغرب واستمالتهم. كما بدأت دور النشر التابعة للدولة برنامجاً لطباعة نسخ من القرآن الكريم لتوزيعها على المساجد في الداخل، وكذلك إلى أوروبا، وأجزاء من غرب إفريقيا.

توسع النفوذ المغربي في مالي

تستعرض سكثيفيل أبرز ملامح توسع النفوذ المغربي في مالي، حيث تفترض أن المغرب تسعى إلى نقل هذا النموذج الموحّد الذي تقوده البلاد، والمرتكز على الممارسة الدينية المعتدلة إلى مالي، وفي أن تصبح مصدراً للإسلام المعتدل في شتى أنحاء شمال إفريقيا.

ففي سبتمبر عام 2013، وقّعت مالي والمغرب اتفاقاً لجلب 500 إمام مالي إلى المغرب للتدريب الديني، حيث تأمل الحكومتان في أن يكون تدريبهم بمثابة الدرع الحصينة ضد الدعاة المتشددين الباكستانيين والسعوديين. وفي نوفمبر من العام ذاته 2013، وقبل وقت قصير من توقيع البلدين معاهدة الأمن الإقليمي، توصلت المغرب ومالي إلى اتفاق خاص بالشئون الدينية. ومن خلال الشراكة التي جمعت بين وزارتي الشئون الدينية الخاصة بكل منهما، اتفق البلدان على التعاون في العمل على فقه المالكية، وتفسيرها من أجل تعزيز الاعتدال، ومحاربة الأيديولوجيات المتشددة.

وإذا ما كُللت هذه المبادرة بالنجاح، فإنها قد تزيد من حجم تأثير المغرب في مالي، و منطقة الساحل الأوسع، وهو ما تراه سكثيفيل أنه يعزز الآمال الوحدوية التي لا تزال عالقة في أذهان المغرب منذ وقت طويل، والهادفة إلى تأسيس المغرب الكبرى، التي تضم أطراف الصحراء الغربية المطلة على الجزائر، وجميع أنحاء موريتانيا، وشمال غرب مالي، والصحراء الغربية.

وبالإضافة إلى الاتفاقات الأمنية والدينية مع مالي، فقد سعت المغرب أيضاً إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع جيرانها في الجنوب، فأقامت فروعاً لمصارفها في مالي والسنغال. وقد حصل أحدها – “التجاري وفا بنك” – على حصة تزيد على 50% في “بنك إنترناسيونال” في مالي. كما اشترت شركة “اتصالات المغرب” المملوكة للدولة شركات اتصالات في مالي، وموريتانيا، والنيجر، ولديها فروع في بوركينا فاسو. وكثّفت شركة “المكتب الشريف للفوسفات” عمليات التنقيب عن الفوسفات التي تقوم بها في شرق مالي. ولدى مالي موارد طبيعية أخرى يمكن للشركات المغربية أن تتطلع لاستخراجها، مثل الذهب، واليورانيوم، وخام الحديد، وربما الماس.

مستقبل العلاقات المغربية – المالية

تتساءل سكثيفيل في هذا الجزء عن مستقبل العلاقات المغربية- المالية، إذا ما قدر لها أن تكون قائمة على المشاركة العادلة، أم أنها ستكون علاقة تبعية، وهو الأمر الذي قد يكون أول مؤشراته قدرة حكومة مالي على عقد اتفاق تعويضي عادل، إذا اكتشف عمال المناجم المغربية- على سبيل المثال- احتياطيات هائلة من الموارد الطبيعية في مالي.

وتؤكد أن الجزائر ستلعب دورا محوريا في مستقبل تلك العلاقات، فإذا ما أصبحت الجزائر أقل انشغالاً واهتماماً بقضاياها الداخلية، أو إذا أدت حالة عدم الاستقرار المتزايدة على حدودها إلى إجبار حكومتها على الاضطلاع بدور إقليمي أكبر، فيمكنها حينئذ أن تحل محل سياسة القوة الناعمة الناشئة التي تتبناها المغرب في سياستها الخارجية، لأن الجزائر لا تزال القوة الاقتصادية والأمنية الرئيسية في المنطقة، ولها حدود طويلة ونافذة مع مالي.

وتختتم سكثيفيل مقالها بتأكيد أن المغرب قد اكتشفت دورها كوسيط ديني إقليمي، وهو الدور الذي لا يمكن للجزائر أن تلعبه. وبفضل الروابط الدينية التاريخية التي تجمع بين مالي والمغرب، فلن تجد المغرب أية صعوبة في تصدير مذهبها الديني للماليين المعتدلين، وهو الذي سينعكس إيجابياً على عملية القضاء على التطرف. ورغم أن مالي يمكن أن تصبح إحدى الدول التابعة لقوة أخرى في شمال إفريقيا، فإن وجود المغرب في هذا المشهد يشير إلى توافر فرصة مثلى لاقتلاع التطرف من هناك بشكل كامل.

 

تعريف الكاتب:
زميلة الجيل القادم في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدني