وقائع الندوة الوطنية الكبرى المنظمة من طرف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية واتحاد كتاب المغرب

إدريس لشكر: هويتنا وبرنامجنا لا يمكن إنجازهما في دائرة حزبية مغلقة

الرباط: عبد الحق الريحاني

 

 

 

 

 

التقى صفوة من المفكرين ونخبة من الأساتذة الباحثين، وعدد من الكتاب المغاربة المنتمين لاتحاد كتاب المغرب ثم مثقفي ومفكري الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية،  في إطار ندوة وطنية كبرى يوم السبت الماضي بالمقر المركزي للحزب بالرباط، حول «مجتمع  المواطنة وترسيخ قيم الحرية والإبداع»، تناول خلالها هؤلاء  طيلة يوم كامل من خلال أربع عشرة مداخلة مختلفة ونوعية لفعاليات ثقافية وأكاديمية، وباحثين متخصصين، بالدراسة والتحليل والنقد لهذا الموضوع،  في خضم ثلاث جلسات خصص لكل واحدة منها محور يتعلق بها.
افتتحت هذه الندوة التي اعتبرها الجميع عبارة عن منتدى للفكر والحوار ما بين الفاعل الثقافي والفاعل السياسي، وتشريح لجدلية السياسي والثقافي والأسئلة المشتركة لديهما قصد السعي لصياغة الأجوبة الملائمة لها،  من أجل مجتمع ديمقراطي وحداثي تسوده   التنمية الشاملة، افتتحت بكلمة لإدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ثم كلمة أخرى لعبد الرحيم العلام رئيس اتحاد كتاب المغرب   (انظر نصهما جانبا).

كلمة الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي . ادريس لشكر

«السيد رئيس اتحاد كتاب المغرب
السادة الأساتذة الأجلاء
ضيوفنا الأفاضل
حضرات السيدات والسادة

ببالغ السرور والاعتزاز أتشرف اليوم بالمشاركة معكم في افتتاح أشغال هذه الندوة الوطنية الكبرى حول «مجتمع المواطنة وترسيخ قيم الحرية والابداع»، ويزداد اعتزازي أكثر بالنظر الى المكانة الممتازة التي تحتلها في المشهد الثقافي المغربي كل الأسماء التي تفضلت بتلبية دعوتنا ، والمساهمة معنا في هذا النقاش الوطني المفتوح.
كما يزداد هذا الاعتزاز بالنظر الى أهمية الموضوع الذي اخترتموه، والى راهنية المحاور المتفرعة عنه، والتي تندرج ضمن الأولويات الأساسية لاستراتيجيتنا النضالية، الهادفة الى بناء مجتمع المواطنة ودولة الحق والقانون.
لذلك لابد أن أتقدم إليكم باسمي الخاص وباسم قيادة وقواعد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بالشكر الجزيل على استجابتكم ، بل وعلى مشاركتكم في تفعيل هذه المبادرة المشتركة بين اتحاد كتاب المغرب والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، هذه المبادرة التي تكتسي أهمية بالغة في هذا السياق الوطني المتميز الذي بات يسائلنا بإلحاح غير مسبوق حول قضايا الحرية والحداثة، والمواطنة والإبداع.
ولابد كذلك أن أوجه تحية خاصة الى اتحاد كتاب المغرب على انخراطه الوازن معنا في هذه المبادرة الفكرية والإشعاعية، وعندما نقول اتحاد كتاب المغرب فإننا نستحضر معا أكثر من خمسين سنة من النضال الديمقراطي في الواجهة الثقافية، أكثر من نصف قرن من التوتر والقلق والالتزام ، وأيضا من الاشراق والحضور الثقافي المتميز.
ولعل أهم درس نستخلصه جميعا من تجربة هذه المدرسة المفتوحة على الحوار والابداع والاختلاف، هو أن منجزاتكم ومصداقيتكم، ومشروعيتكم واستقلاليتكم، وكل ما راكمتموه من وضع اعتباري لهذه المؤسسة العريقة، لم يكن معزولا عن نبضات المجتمع وعن أسئلته وعن تحولاته، وعن نضالات حركته الديموقراطية.
وليس إشرافكم اليوم معنا على تنظيم هذه الندوة الوطنية إلا دليلا قاطعا على انخراطكم في الأسئلة الثقافية الكبرى المنبثقة عن صيرورة التحولات التي يشهدها المغرب اليوم، وإنني على يقين أن العروض التي سنستمع إليها في هذه الندوة وما سيتمخض عنها من نقاشات وخلاصات، كل ذلك سيؤكد بالفعل أن التقاءنا كان ضروريا ومفيدا، بقدر ما سيؤكد أن الحاجة إلى اتحاد كتاب المغرب، لا تزال قائمة وملحة ربما أكثر من أي وقت مضى، وذلك لسبب بديهي وهو أن النضال الديموقراطي من أجل المواطنة، ومن أجل الحرية، ومن اجل الابداع، محتاج الى اتحاد كتاب المغرب كمنارة شامخة لصناعة أسئلة الحاضر والمستقبل، وكفاعل مدني حامل لمشروع ثقافي حداثي وتنويري.

حضرات السيدات والسادة:
إننا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ندرك تمام الادراك أن صياغة أجوبة واضحة على موضوع هويتنا ومشروعنا، ومهمتنا التاريخية، ووظيفتنا السياسية، لا يمكن أن ننجزها في دائرة مغلقة، نحاور فيها ذاتنا بمعزل عن حيوية مجتمعنا، وبمعزل عن معطيات الصراع السياسي والإيديولوجي ببلادنا. وهو ما أكدنا عليه في أرضية الترشيح التي صوت لها المؤتمر الوطني الاخير بأغلبية مطلقة.
فموضوع الهوية ليس إشكالا فكريا فقط بل إنه أيضا، شأن عملي يستدعي منا مزيدا من الانفتاح على القوى الحية بالبلاد، ومن تظافر جهودنا مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين والفكريين المنتصرين لقيم الحرية والعقل والابداع، لأن المواطنة اليوم انتماء يكسر الانتماءات القبلية والحزبية والنقابية والجمعوية، ليتعداها إلى مفهوم أشمل وأرقى يرتبط بالدولة والاستعداد للعيش فيها والدفاع عنها. وانطلاقا من هذا المفهوم، فإن الاتحاد الاشتراكي يعتبر أن هذا الربط هو جوهر وجوده: بناء وطن ديمقراطي، أساسه دولة الحق والقانون.
ولا داعي للتذكير في هذا السياق بأن الأفق الاشتراكي للنضال الديمقراطي لحزبنا هو الأفق الذي نؤمن بأنه يرسخ مواطنة الانسان، ويحقق تحريره من مختلف أشكال الاستغلال المادي والروحي، ويشكل – بالتالي- البديل الموضوعي عن المشاريع النيوليبرالية والأصولية على حد سواء ، ومما لاشك فيه أن هذا الأفق هو أفق اتحاد كتاب المغرب وكل المثقفين المتنورين والمبدعين الأحرار ببلادنا.
إن هذه المرتكزات الأساسية في هويتنا النضالية، هي التي تجعلنا نلتقي موضوعيا مع مختلف إطارات المثقفين والمبدعين الذين يناضلون بالقلم والكلمة ضد قوى الاستبداد والتخلف والجهل، والذين يضطلعون بدور ريادي في سيرورة التحولات البنيوية التي يتعرض لها مجتمعنا ،متسلحين في ذلك بقناعاتهم التنويرية وأفكارهم الطلائعية.

أيها الحضور الكريم:
إن البرنامج الحافل لهذه الندوة لا يسمح لي بأن أسترسل في الكلام لذلك اسمحول لي بإيجار أن أتوجه لكم في النهاية لأطلب منكم المساهمة معنا في هيأة تحرير المشروع التي سنعمل على إطلاقها في الاسابيع القادمة، ومساهمة المتخصصين في اللجنة العلمية التي سيعهد لها بكتابة تاريخ الحزب. وأخيرا، فإننا نخبركم ومن خلالكم كل الباحثين بأننا جهزنا مقر الحزب بأكدال لنحدث به مؤسسة للدراسات والابحاث، إيمانا منا بأهمية البحث العلمي والأإكاديمي في المساهمة في النشاط الحزبي. وأخيرا، سأكتفي بهذه التحية الوجيزة، مفضلا أن ينخفض قليلا صوت السياسة في هذه القاعة، ليرتفع صوت الفكر والثقافة، ويكون لنا مصدر إلهام وتنوير في نضالنا والتزاماتنا.
ولكم جزيل الشكر على الانتباه».

………

العلام: نروم البحث في كيفيات ترسيخ روح الاجتهاد ومنطق العقل في منظومات الثقافة والإبداع في مجتمعنا

لا يسعني سوى أن أعبر لكم عن مدى سعادتنا  في الاتحاد بتنظيم هذه الندوة الوطنية الكبرى، بتنسيق وتعاون مثمرين مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. لكن السؤال الذي قد يطرح نفسه الآن هو: لماذا تنظيم ندوة وطنية في موضوع مجتمع المواطنة وترسيخ قيم الحرية والإبداع، وفي هذا الوقت بالذات، بين منظمة عتيدة، هي اتحاد كتاب المغرب، وحزب وطني تاريخي، هو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يبدو أن الحضور يعرفون  الجواب الواضح عن هذا السؤال، وغيره. فقد كان الاتحاد ولايزال حصنا من حصون الثقافة المغربية المناصرة لقيم التاريخ والحداثة، وهو يؤمن بأن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قد انخرط، بدوره، منذ عقود خلت، في النضال والعمل المتواصلين، على ترسيخ قيم الديمقراطية والمواطنة والإصلاح السياسي الديمقراطي في مجتمعنا. وإذا كانت بلادنا تواجه في الظروف الراهنة تحديات جديدة، فإن عملنا المشترك اليوم مع الاتحاد الاشتراكي يندرج في أفق المواجهة المشتركة لمختلف التراجعات التي تعرفها بلادنا في مجال بناء مجتمع المواطنة وترسيخ الحريات.
لقد حرص اتحاد كتاب المغرب، منذ تأسيسه في مطلع ستينيات القرن الماضي، على أن يكون فاعلا ومؤثرا في المشهد الثقافي المغربي، بالصورة التي تتيح لأعضائه الانخراط المسؤول في مختلف قضايا مجتمعنا. وطيلة حضوره في العقود الخمسة المنصرمة، ظل الاتحاد مرتبطا بثقافة الإصلاح، ثقافة التحديث التي تؤهل مجتمعنا لتجاوز أنماط التقليد المهيمنة على كثير من أبعاد الثقافة العربية.
كما ظل الاتحاد، طيلة مساره المذكور، فضاء مفتوحا ومنتجا للحوار الثقافي الأكثر حداثة والأكثر تاريخية، محاولا دعم وتعزيز جبهة الفكر النقدي في ثقافتنا، بمثل ما ظل حريصا على ترسيخ فعل التجريب المبدع في مجال التخييل والكتابة، وإنشاء فنون القول الجميل، إبداعا ونقدا وتشكيلا. وقد عمل الاتحاد على تأطير كل هذه الأشكال من النشاط الثقافي والفني رغم شح الموارد المالية، وانعدام الوسائل والأدوات المساعدة والمشجعة.
يتذكر أعضاء الاتحاد، ونتذكر جميعا، أن منظمتنا كانت، في زمن تشكل حكومة التناوب الأولى، التي واكبت المؤتمر الرابع عشر للاتحاد سنة 1998، قد أصدرت ميثاقا ينتصر لقيم الحداثة والتحديث، ويدعو إلى توطين مجتمع المواطنة وترسيخ قيم الحرية والإبداع في مجتمعنا، حيث انخرطت منظمتنا في الدفاع عن قيم التاريخ والتقدم، واتحادنا إذ يشارك اليوم مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في برمجة هذه الندوة الوطنية الكبرى والإعداد لها، التي نعلن اللحظة انطلاقة أشغالها، فإنه يدرج عمله هذا، في باب إسناد وتعزيز كل ما يمكن أن يساعد على مزيد من التفكير، في سبل توطين قيم الحداثة ودولة المؤسسات في بلادنا.
تعرف بلادنا منذ حراك 20 فبراير 2011 وتبلور الدستور الجديد، تحولات تدعو إلى مزيد من مجابهة وخلخلة أنماط التقليد المهيمنة، أو العائدة بفعل خيارات سياسية محددة، الأمر الذي يجعل مهمة الكتاب والمثقفين والباحثين في مغالبة صلابة التقاليد في ثقافتنا ومجتمعنا أمرا مطلوبا. وفي هذا الإطار، نشارك، بكل اعتزاز ومسؤولية، في هذه الندوة، ونحن نتطلع إلى توسيع دوائر التفكير في كيفيات إسناد ودعم مجتمع المواطنة والحريات في بلادنا، وعلى رأسها دعم حرية التفكير والإبداع والرأي. ولأننا نعتبر أن مكاسب الثقافة المغربية المعاصرة، تشكل رافعة إسناد قوي لخياراتنا الكبرى في الديمقراطية وفي الانفتاح على خبرات التاريخ الإنساني، فإننا نروم البحث في كيفيات ترسيخ روح الاجتهاد ومنطق العقل في منظومات الثقافة والإبداع في مجتمعنا.
من هنا، جاء تنظيمنا المشترك لهذه الندوة الوطنية، في هذا الوقت بالذات، بهدف المساهمة في مواجهة مختلف مظاهر التراجع عن مكاسب التحديث ونضالاته، وبهدف العمل المشترك على تعبيد الطريق المساعدة على تبيئة مجتمع المواطنة والحريات في وعينا السياسي. ولا شك في أن أعمال ندوتنا التي ستتواصل طيلة هذا اليوم، والتي سنعمل على نشرها كاملة في أقرب وقت، لأهميتها القصوى، ستمكننا من مراكمة ما يسعف بتطوير الجدل وتعميقه في كثير من أسئلة الحاضر في مجتمعنا. وأعدكم بأن هواجسنا ورغائبنا وأسئلتنا المشتركة لن تتوقف عند هذه الندوة، بل إنها ستتواصل بمثل ما تتواصل خيوط المحبة بين الاتحادين.
لا نريد أن يفوتنا هنا، أن نشكر كل الباحثين والكتاب، الذين استجابوا لدعوتنا، وحرصوا على المساهمة في لقائنا هذا، بهدف تعزيز جبهة الحرية والانتصار لحرية الفكر والرأي، باعتبارها القيم التي تضعنا في طريق الإبداع والتقدم. فشكرا للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على تعاونه المشجع، وعلى انفتاحه الدائم على أسئلة الثقافة والتقدم في مجتمعنا.
الشكر موصول لكل الأساتذة المتدخلين والمقررين على حسن استجابتهم لدعوتنا، في سبيل إغناء هذه الندوة بمطارحاتهم وأسئلتهم، متمنيا للجميع ولأشغال ندوتنا كامل النجاح.
شكرا للأخ الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الأستاذ إدريس لشكر، ولجميع الأخوات والإخوان في المكتب السياسي وفي اللجنة الادارية للحزب، على تفكيرهم المتواصل في منظمتنا، وعلى دعمهم المشكور لأنشطتنا ولمشاريعنا الثقافية. شكرا للصديق العزيز الأستاذ محمد الدرويش، الباحث وعضو المكتب السياسي، على حسن تعاونه وتنسيقه ومثابرته. شكرا للصديق الفنان الكبير أحمد جاريد على استجاباته المتواصلة وتعاونه الفني الدائم، فقد حرصنا أن يحف الجمال، ندوتنا، أيضا، بلمسته الفنية، وبشاعرتنا المتألقة وفاء العمراني، وبوهج حضوركم جميعا…»

أكاديميون وباحثون ومثقفون يقاربون مجتمع المواطنة وترسيخ قيم الحرية والإبداع

التقى صفوة من المفكرين ونخبة من الأساتذة الباحثين، وعدد من الكتاب المغاربة المنتمين لاتحاد كتاب المغرب ثم مثقفي ومفكري الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية،  في إطار ندوة وطنية كبرى يوم السبت الماضي بالمقر المركزي للحزب بالرباط، حول «مجتمع  المواطنة وترسيخ قيم الحرية والإبداع»، تناول خلالها هؤلاء  طيلة يوم كامل من خلال أربع عشرة مداخلة مختلفة ونوعية لفعاليات ثقافية وأكاديمية، وباحثين متخصصين، بالدراسة والتحليل والنقد لهذا الموضوع،  في خضم ثلاث جلسات خصص لكل واحدة منها محور يتعلق بها.
افتتحت هذه الندوة التي اعتبرها الجميع عبارة عن منتدى للفكر والحوار ما بين الفاعل الثقافي والفاعل السياسي، وتشريح لجدلية السياسي والثقافي والأسئلة المشتركة لديهما قصد السعي لصياغة الأجوبة الملائمة لها،  من أجل مجتمع ديمقراطي وحداثي تسوده   التنمية الشاملة، افتتحت بكلمة لإدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ثم كلمة أخرى لعبد الرحيم العلام رئيس اتحاد كتاب المغرب   (انظر نصهما جانبا).
كما عرف افتتاح هذا اللقاء الثقافي بامتياز،  قراءات شعرية للشاعرة الكبيرة وفاء العمراني التي قرأت قصيدتها الجميلة والرائعة «للوطن»، حيث أمتعت الحضور ونالت إعجابهم  وصفقوا لها كثيرا.
وتميز هذا العرس الثقافي أيضا  بتكريم مؤسسة اتحاد كتاب المغرب قاطبة،  ومن خلالها كل مؤسسي ورؤساء الاتحاد ثم كافة الكتاب المغاربة. وكان اللقاء مناسبة سانحة لتكريم محمد اليابوري الرئيس السابق لاتحاد كتاب المغرب،  حيث قدم  له الكاتب الأول للحزب  هدية رمزية عبارة عن لوحة فنية تشكيلية،  فكانت علامات التأثر والفرحة بادية على ذ. اليابوري،  بفعل هذه الالتفاتة الجميلة من حزب الاتحاد الاشتراكي الذي كان ولايزال دائما مدعما للفعل الثقافي المتنور بالبلاد.
وكرمت أيضا الكاتبات المغربيات في شخص الشاعرة وفاء العمراني، حيث سلمت لها هي الأخرى لوحة فنية تشكيلية من طرف الكاتب الأول للحزب وعبد الرحيم العلام رئيس اتحاد كتاب المغرب.
وشهدت الجلسة الأولى  من الندوة،   حول «مجتمع المواطنة في عالم متغير» والتي سير أشغالها محمد درويش عضو المكتب السياسي للحزب، خمس مداخلات قيمة لكل من المفكر كمال عبد اللطيف، والباحث محمد بنعبد القادر، ثم ذ أسماء بنعدادة، والأكاديمي عبد الرحمان العمراني، والحبيب بلكوش.

كمال عبد اللطيف والتفكير في عوائق مفهوم المواطنة في الثقافة المغربية

إن سمك التقاليد وسمك العناء التاريخي يفرض أن تكون الجبهات متواصلة دون عناء ودون كلل أو تشاؤم، لأن عملية التحديث المتعلقة بالذهنيات والعقول تتطلب سنوات، ومشروع التحديث قد استكمل أدواته،  باعتبار أن هناك ثقافة متقدمة مثقلة بالتاريخ والمستقبل خاصة أن جانبا من هذا التاريخ قد تحقق البعض من جوانبه، والذي يستدعي استكمال المعارك المؤجلة.
فانفجارات سنة 2011،  أولا قد وضعت أيديها على الفساد والاستبداد، ما ظلت تناضل من أجل تفكيكه الحركة الوطنية وقواها الديمقراطية منذ بداية الاستقلال، وثانيا الإسلام السياسي يصل إلى السلطة  ولا يعتبر كمال عبد اللطيف الأمر مؤامرة بقدر يعتبر ذلك رهينا بسياقات، وثالثا انتفاضات 2011  عنوان لبداية جهود أخرى بدأتها الحركة الوطنية من أجل مواجهة التقليد والجمود والسير قدما نحو الحداثة.
ووقف كمال عبد اللطيف عند مفهوم المواطنة، الذي يوحي سريعا إلى المستوى القانوني لكنه  يرتبط بالحق السياسي وحق الإنسان، وفيما بعد أصبح المفهوم يشير إلى حركة اجتماعية وإدراج كذا التحول للمفهوم في إطار حقوق الإنسان، إلا أن بالتحولات الجديدة في إطار التعولم أصبح المفهوم مركبا حيث أصبح يستعمل بكلمتين المواطنة المتعولمة ، المواطنة النشيطة، المواطنة الشبكة.
أما في ما يتعلق بالعوائق التي تحول دون ترسيخ قيم المواطنة، فقد حددها كمال في العائق الاجتماعي الثقافي الذي يشتمل على الوعي الاجتماعي  والثقافة السائدة التي تغلب ثقافة اللاهوت والشعوذة، ثم العائق التربوي المتمثل في منظومة التربية والتكوين، ثم العوائق السياسية التي يرى فيها كمال أن معركة الحداثيين مع من يرفضون المشروع الديمقراطي تتطلب جهودا نظرية كبيرة ومبدعة من أجل إعادة النظر في الخطاب، لم يعد هناك وقت لا للمهادنة ولا للمخاتلة.

بنعبد القادر وسؤال المواطنة بين المدرسة والمجتمع

يرى بنعبد القادر أن في المغرب نظاما تعليميا بدون مشروع تربوي، ذي مبادئ وقيم منسجمة، وليس برامج تعليمية مسنودة بشعارات متضاربة تجمع بين أربع دوائر قيمية هي: قيم العقيدة الإسلامية وقيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية وقيم المواطنة وقيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية.
إن الإطار المرجعي للشأن التعليمي في المغرب والمتمثل في «الميثاق الوطني للتربية والتكوين» يوجد في حالة المنزلة بين المنزلتين، فلا هو يفرض توجها إيديولوجيا شموليا متجانسا، ولا هو يؤسس لمشترك مرجعي انطلاق من التعددية القائمة مما يجعلنا أمام نوع من التلفيق المتمثل في ترتيب تجاوري للمبادئ والغايات المعلنة، أكثر منه تركيبا لها أو توافقا حولها وعندما يغيب التوافق فإن الصراع يحضر بالضرورة.
واعتبر أنه في غياب التوافق حول جملة من القيم التي يلتقي حولها المربون والآباء ومختلف المعنيين بالشأن المدرسي، فإننا نفتقر في المدرسة المغربية الى مثال نموذجي للمواطن، من هو المواطن الأمثل أو الصالح هل هو المواطن الناجح؟ هل هو المواطن النافع، هل هو المواطن المحافظ؟ هل المواطن المتحرر، أم هو المواطن المؤمن  وهل نهيئ تلاميذنا ليعيشوا مجتمع المواطنين أم في مجتمع المؤمنين؟
وسجل بنعبد القادر كذلك أن أخطر شيء تغفل عنه المدرسة المغربية في تصورها للتربية على المواطنة، هو الحق في تناول الكلمة، وهو التمتع بالحق في الكلام، بل وفي إتقان الكلام، ليس الكلام على عواهنه، بل الكلام هنا كوظيفة سيكولوجية وتواصلية وتعلمية.

أسماء بنعدادة وقيم المواطنة
والمجتمع الديمقراطي

لا مواطنة ولا ديمقراطية بدون مشاركة حقيقية للنساء نصف المجتمع، فإذا كان مفهوم المواطنة يعود إلى الثقافة اليونانية والمواطنة التي كانت موجهة الى نخبة من الرجال الأحرار وتقصي النساء والعبيد، فبالنسبة  لبنعدادة اليوم لم يعد مناسبا أو مسموحا بإقصاء أطراف من المجتمع من ممارسة حقوقهم وفي مقدمتهم النساء.
فالمواطنة ليست غاية في حد ذاتها فهي وسيلة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، فالمواطنة الفاعلة تتحقق من خلال تحريض الأفراد والجماعات، نساء ورجالا، للمطالبة بحقوقهم على جميع المستويات. وأكدت أيضا بنعدادة على أنه من غير المقبول الحديث عن المواطنة في غياب المساواة، ولم يعد مستساغا الحديث عن المواطنة خارج المفهوم الكوني للمواطنة.

عبد الرحمان العمراني ومخاطر الشموليات العقائدية على البنيان الفكري الديمقراطي: عودة إلى جون راون

اعتبر العمراني أن راهنية فكر جون راون والرجوع إليه تأتي بارتباط  بما عشناه إبان الربيع العربي الأخير، ففكر راون يسائل دائما شعب اليسار لأنه كان له مشكل مع كل ما مسطري، له تشبع بثقافة جوهرانية تستصغر كل ما هو مسطري، ومن هنا يرى العمراني حضور فكر عبد الله العروي الداعي إلى ضرورة استيعاب الفكر الليبرالي ، يجب استيعاب روح الديمقراطية أي كيفية إيجاد قواعد ومساطر تتجاوز المذاهب.

الحبيب بلكوش والحقل الحزبي
وأسئلة البناء الديمقراطي

شدد بلكوش على أن الحقل الحزبي يلعب دورا أساسيا في التربية على المواطنة، باعتبار الحزب آلية للتأطير  والوساطة بين المجتمع والدولة، وكذلك باعتبار الحزب آلية لإنتاج الفكر والحكامة ومساءلة المؤسسات المنتخبة.
وانتقد بلكوش بعض الفاعلين الحزبيين الذين يغوصون في الكلام الساقط، غير آبهين بأن الحزب فضاء لإنتاج الفكر والسياسة وفضاء للتربية على المواطنة، كما لاحظ بلكوش أن هناك فضاءات جديدة أصبحت أمرا واقعا انضافت لتخلق مساحات للتغيير والتربية على المواطنة كشبكات التواصل الاجتماعي، ودور الإعلام والمدرسة في هذا المجال.
وفي الجلسة الثانية التي كان محورها «حرية الرأي والتعبير والاعتقاد» التي أدار أشغالها عبد الرحيم بنحادة عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، كانت هناك خمس مداخلات لكل من السوسيولوجي إدريس بنسعيد، وأستاذ الفلسفة محمد المصباحي، ثم عزالدين العلام أستاذ القانون العام الإسلامي، وبنيونس المرزوقي أستاذ القانون الدستوري، والأستاذ رشيد الجرموني.

إدريس بنسعيد والمواطنة وشرط الحرية ما بين الخصوصية والعولمة

يرى بنسعيد أن مفهوم المواطنة مفهوم حديث  ومتأخر نسبيا ولم يظهر إلا في القرون الثلاثة الأخيرة، في علاقته بشرط الحرية وشرط الإبداع يجب الركون إلى توطينه إذ أن مفهوم المواطنة سجل على فترة تاريخية ولايزال مجموعة من القطائع وحقق انتقالا استراتيجيا.
فالمواطنة لا تتأسس حول مفهوم عقائدي، مفهوم تدبير المواطنة والتدافع فيه يتأسس بالرأي، كما أن مفهوم المواطنة ارتبط بمفهوم المساواة باعتبار أن المواطنين هم أفراد وهؤلاء المواطنون كل فرد  منهم يساوي صوتا.
وسجل السوسيولوجي بنسعيد أن وضعية المواطنة في المجتمع المغربي،  كمصطلح رائج والكل يحاول تملكه لكن يتم توظيفه في مشاريع مختلفة تعيش  أزمة على مستوى الفكر والمستوى السياسي.

محمد المصباحي مطلب المواطنة
بين الذاتية والهوية

المصباحي المواطنة بالارتفاع عن الحيز الشخصي والخاص للفرد الى الوضع العام ليصبح المواطن كائنا عاما، كائنا سياسيا يخدم الصالح العام. وحين تقارن بين الهوية والمواطنة يعتبر المصباحي المواطنة هي تحرير الإنسان من انتماءاته التقليدية والهوياتية ليصبح كائنا سياسيا، فالمواطنة مرادفة للسياسية والمواطن مرادف للسياسي.
فالمواطنة هي التي تجعل الإنسان إنسانا، إذ لم يعد التعريف الأرسطي «الإنسان مدني بطبعه» ذا دلالة أمام مفهوم المواطنة.
وحذر المصباحي من زوال المواطنة في المغرب، حيث قال إن «المواطنة مهددة بالزوال»، موضحا في هذا السياق على أن في فترة المطالبة بالاستقلال وبعده كان الشعور بالمواطنة قويا وكان للوطنية والمواطنة ارتباط وثيق وكانت لهما وشائج قوية، أما اليوم فهناك تخوفات على زوال المواطنة والذي يهدد وحدة ومصير البلاد.
ويرى المصباحي أن للمواطنة ثلاثة أبعاد، الأول بعد سياسي، والثاني بعد علماني، والثالث بعد عقلاني. واعتبر ان المواطنة رابطة سياسية وليس عقائدية أو هوياتية، فهي رابطة قابلة للتفاوض وقابلة للتحسين والتطوير وقابلة للمحاسبة والنقد، كما أن المواطنة لا تخشى العقل، فتعتمد على آلياته المتعددة الحجاجية والاستدلالية والحوارية من أجل المشترك بين المواطنين الذين يشكلون الشعب الذي هو مصدر السلطة، وهنا تصبح المواطنة ثمرة الديمقراطية وثمرة العلمانية من جهة أخرى.

بنيونس المرزوقي والمواطنة والانتماءات

قدم المرزوقي قراءة بصفة عامة في الوثيقة الدستورية بصفة عامة والمواطنة بصفة خاصة، حيث اعتبر أن هناك مصطلحات غامضة وغير مفهومة تصاحب مصطلح المواطنة، بل الأكثر من هذا هناك خلطا والكلمة المناسبة في غير محلها، وساق مثالا صارخا في هذا السياق على أن ما نعتبره حقوق مواطنة في الدستور هي حقوق مسندة إلى المواطنين والمواطنات في عدد من الفصول تسند إلى الدولة في ما بعد بقانون تنظيمي. وبعبارة أوضح يقول المرزوقي إن الوطن يمنح لذويه أي المواطنين حقوقا، وكل ما يمنحه الوطن يتم تنظيمه من طرف الدولة وأجهزتها.

رشيد الجرموني والمغرب وتحولات القيم: مقاربة سوسيولوجية

شدد الباحث  الجرموني على وجود تحولات عميقة داخل المجتمع المغربي إلى درجة التقاطع بين الفكر والسلوك، وهو التحول الذي ظهر جليا إبان فترة ثورات الربيع العربي، حيث هناك قيم يعاد ترميمها لتكون مناسبة مع اللحظة التاريخية الراهنة.
وانتقد  الجرموني فكرة التسليم بتحول المجتمع التقليدي إلى الحداثة في الحالة المغربية، «يجب أخذ الحذر في تنزيل تلك القراءات التي تتم فيها استنتاجات بناءً على دراسات»، مشيرا إلى أن التحولات العامة التي حدثت تستند إلى خمسة معطيات، وهي «تسريع عملية التغيرات المجتمعية» و»توسع ظاهرة الدّمَقرطة واللّلَبرَلَة»، و»حدوث ثورة تربوية عالمية» و»ارتفاع حالة الإشباع في الحياة»، إضافة إلى «السيرورة المتقدمة للعولمة»، وهي التحولات التي ساهم فيها تقدم وسائل التواصل في العالم والتغيرات السياسية، وفقا للجرموني.
وفي الجلسة الثالثة التي تمحورت حول «الاجتهاد وأسئلة التاريخ»، والتي سير أشغالها ذ كمال عبد اللطيف، شهدت أربع مداخلات لكل من ذ أنور المرتجي، ذ سعيد بنكراد، ذ محمد العمري وذ المختار بنعبدلاوي.

أنور المرتجي والإبداع والبدعة
والحق في التلقي المتعدد

سجل المرتجي على أن الموقف من الإبداع الفني والشعري في الثقافة الإسلامية يتأرجح في ما نسميه بالأورثودوكسية الإسلامية التي تقوم على ذهنية التحريم أو الحلال، فهناك كوكبة من المصطلحات: الإبداع، الابتداع، البدعة، وهناك مصطلح آخر هو الاجتهاد لها اختلاف في الأشكال الدلالية، سيعود معنى واحد لهذه المصطلحات ما لم تقترن بالاجتهاد، أما الاجتهاد فهو مقترن بالخطاب الديني، وأشار المرتجي في ذات السياق الى أن الثقافة العربية ستقع في موقف أساسي ألا وهو موقف الإسلام من الشعر.
فالإبداع أحد تجليات الخيال، والابتداع أن يبدع الشاعر معنى لم يسبقه أحد إليه والبدعة مرادف للهرطقة ككلمة يونانية ابتدعتها الكنيسة على كل من يخرج عن طريقها، فالشعر في هذه المرحلة قد دخل الى باب الخير، كثير من الشعراء من رفضوا أن تكون مهمة الشعر غير مهمة فنية، بحيث ستحاسب القصيدة على مبدأ آخر خارج مبدأ الإبداع الفني الذي تحتكم إليه المتعة الإبداعية.

سعيد بنكراد والمواطن والمؤمن

أكد بنكراد أن التقابل الذي بنى عليه مداخلته يعود الى تصورنا  للثوابت، فلدينا تراث إنساني نستقي منه حين نقارن الثوابت لدينا والثوابت لدى الغرب . فنحن ننتمي إلى نظام قيمي محكوم بمردودية وهذا الأمر يبدو بسيطا وهو عكس ذلك بالمرة.
ويقول بنكراد فكرة الإلحاد تقود إلى الخوف والمواطنة تقود إلى حرية الاختيار، لذلك نحن أحيانا مواطنون وأحيانا من الرعية، المواطن يخضع للقانون والمؤمن يحاسبه الله.

محمد
العمري
نحو سوسيولوجية الاجتهاد

أشار العمري إلى أن مصطلح الدينسيين مصطلح بريء أطلقه على ما يصطلح عليه بالإسلاميين أو الإسلام السياسي، وأكد أن هؤلاء الدينسيين ظلوا دائما متدحرجين في مواقفهم، يرفضون ثم تغطيهم الموجة ومن بعد يقبلون، أغلب هؤلاء الدينسيين هم تجار وليس لهم في التكنولوجيا.
ودعا العمري في نفس المداخلة إلى مواجهة السؤال الديني من داخله بلغة يفهمها الجمهور العام،  ثم إخراج هذا الجمهور من ثنائية الإسلامي والعلماني وهذا يتطلب إيضاحات في ما يتعلق بالفصل بين العقيدة والشريعة، بين ما هو فردي في الممارسة الدينية وما هو جماعي تعاقدي.

المختار بنعبدلاوي الاجتهاد وضرورته

شدد العبدلاوي على أن الاجتهاد يكون في دولة دينية ونحن انتقلنا من الدولة الدينية الى الدولة الوطنية التي يحكمها القانون،  والاجتهاد لا يمكن أن يكون إلا في دولة يحكمها الدين، والاجتهاد هو تشويش وإضعاف لهذه المؤسسة الحديثة المبنية على القانون، يعني الدولة الوطنية.
وأوضح بنعبدلاوي في ذات السياق أن الدولة الوطنية لا يمكن ان تصبح دولة اضطهاد ديني، لابد من الاعتراف للمتدينين والاجتهاد يمارس حقه شريطة أن يكون هذا الاجتهاد رأيا فرديا وليس للتحكم في العلاقات الاجتماعية، لأن الدين حق للجميع.

 

3/17/2014