اوكرانيا بعد الاستفتاء …

 

ذ. الحسان بوقنطار

 

كما كان منتظرا صوت أغلب سكان شبه جزيرة القرم في الاستفتاء الذي نظم يوم 16 مارس لصالح الانضمام لفيدرالية روسيا. وقد سبق ذلك إعلان البرلمان المحلي للجزيرة عن الاستقلال الانفرادي عن جمهورية أوكرانيا فاتحا بذلك الباب للالتحاق بروسيا.

وفي الواقع تطرح التطورات التي عرفتها أوكرانيا إشكالات قانونية حيث تساءل القانون الدولي عن مشروعية إعلان الاستقلال الانفرادي من جهة . لكن في نفس الوقت ، فإن هذا الاستفتاء لا ينهي الصراع، بل إنه يمثل حلقة ضمن مسلسل الصراع القائم بين الدول الغربية الرافضة لهذه المناورة الروسية ، و بين روسيا بقيادة بوتين الذي يريد أن يعيد أمجاد الاتحاد السوفيتي الزائل .

1 ـ مدى مشروعية استفتاء الانضمام لروسيا

لقد طرح هذا النقاش بحدة بين اتجاهين : الأول الذي دافع عنه برلمان القرم المسنود أساسا من طرف روسيا ، و هو الذي يربط ذلك من جهة بكون أغلبية السكان هي من أصل روسي وتتكلم الروسية ، وتريد الانضمام إلى روسيا حفاظا على بقائها ، خاصة بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس المنتخب ايانوكفتش / وصعود ما تصفه بالقوى اليمينية النازية . فضلا عن ذلك فهي تبرر قرارها ارتكازا على سابقة دولية ، وهي إعلان إقليم الكوسوفو في 17 فبراير 2008 عن الاستقلال الانفرادي بمساندة من الدول الغربية في مواجهة هذا الموقف، يعتبر الغرب أن هذا الاستفتاء غير قانوني و غير مشروع . وهو مخالف للقانون الدولي ، وللاتفاقيات المبرمة بين أوكرانيا وروسيا ، وكذا للدستور الأوكراني .

إن القراءة القانونية المتأنية للرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في 22 يوليوز 2010 بناء على طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يمكن بسهولة إسقاطه على حالة القرم نظرا لاختلاف الوضعيتين .

ينبغي أن نسجل أن ذلك الرأي لم يتخذ بإجماع قضاة المحكمة ، بل عارضه 4 من بين 14 عضو من حيث الجوهر . و هو يحدد بدقة المراد منه . فالمبتغى منه هو القول فقط ما إذا كان إعلان الاستقلال الانفرادي الذي اتخذته مؤسسات الكوسوفو في 2008 يعتبر مطابقا للقانون الدولي أم لا ؟ فلم يكن مطلوبا من المحكمة أن تنظر في التداعيات القانونية للإعلان الانفرادي ، و لا ما إذا كانت الكوسوفو ستكتسب بذلك صفة الدولة أم لا ؟ ولا الآثار القانونية للاعتراف بالكوسوفو كدولة مستقلة .

لقد ارتكزت المحكمة آنذاك في بناء موقفها على معالجة ثلاثة أبعاد:

يتعلق الأول بمعرفة موقف القانون الدولي عموما من الإعلانات التي عرفتها الإنسانية بدءا من القرن الثامن عشر و التاسع عشر. والتي تعززت في القرن العشرين مع قانون تقرير المصير بالنسبة للشعوب غير المتمتعة بالحكم الذاتي أو الخاضعة للهيمنة الأجنبية . واستنتجت إلى أن ممارسة الإعلان الانفرادي لم تكن تجد معارضة من طرف الدول. وفي نفس السياق ، فقد ناقشت المحكمة التعارض المحتمل بين القول بالمحافظة على الوحدة الترابية للدول ، و الإعلان الانفرادي للاستقلال ، وعما إذا كان يشكل ضربا للوحدة الترابية للدول . في هذا السياق ذكرت المحكمة أن القانون الدولي، في مقدمته ميثاق الأمم المتحدة قد كرس الوحدة الترابية للدول . وقد سبق لمجلس الأمن أن رفض إعلانات كما هو الأمر بالنسبة للإعلان الانفرادي لاستقلال روديسيا في سنة 1974 , و كذلك بالنسبة لاستقلال القبارصة الأتراك في سياق التدخل التركي في قبرص . لكن المحكمة اعتبرت أن رفض مجلس الأمن للإعلان لا يتعلق بالإعلان نفسه بقدر ما يرتبط بإدانة الظروف المصاحبة له لكونه يخرق معايير القانون الدولي ، وخاصة منها القواعد الآمرة Jus cogens

وأما البعد الثاني فهو مرتبط بالسياق الذي جاء فيه إعلان الكوسوفو ، و هو الذي جسده قرار مجلس الأمن رقم 1244الصادر في 10 يونيو سنة 1999 في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لسلطات بلغراد ضد سكان الكوسوفو المسلمين. وهو الذي نص على إحداث وجود دولي مدني في هذا الإقليم لتدبيره بشكل انتقالي في انتظار حل نهائي. وتبعا لذلك فقد بدلت جهود حثيثة للتوصل إلى حل مقبول من الطرفين ، وخاصة من طرف مبعوث الأمين العام الرئيس الفنلندي السابق احتساري الذي ساعد على خلق المؤسسات الانتقالية ، وكذلك إطار دستوري انتقالي . وبعد تحليل العلاقة بين إعلان الاستقلال و قرار مجلس الأمن ، فقد انتهى رأي المحكمة إلى أن الإعلان لا يخرق ذلك القرار.

وأخيرا، فقد اعتبر نفس الرأي بإيجاز أن إعلان الاستقلال لم يخرق المقتضيات الدستورية القائمة ، والتي تظل انتقالية.

بصفة عامة، فقد استنتج رأي المحكمة إلى أن إعلان استقلال الكوسوفو بشكل منفرد عن جمهورية صربيا لم يخالف مقتضيات القانون الدولي العام ، ولا مقتضيات قرار مجلس الأمن ، ولا الإطار الدستوري المؤقت للكوسوفو.

من الواضح أنه من الصعب الحديث عن تشابه بين الحالتين . فإعلان الاستقلال في الكوسوفو كما أوردنا تصاحب مع قرارات مجلس الأمن و الجمعية العامة التي أدانت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لسلطات بلغراد ، وفي مقدمتها ممارسة التطهير العرقي . فضلا عن ذلك ، فهو تتويج لجهود متواصلة فشلت من أجل وضع نظام نهائي للكوسوفو التي ظلت تخضع لنظام انتقالي . لكن الأمر مختلف في جزيرة القرم . صحيح أن هذه الأخيرة ظلت خاضعة لروسيا منذ اجتياحها من طرف الإمبراطورة كاترين الثانية في سنة 1781 و لم يتم إلحاقها ب جمهورية أوكرانيا إلا في سنة 1954 من طرف خروتشوف . وصحيح أيضا أن غالبية السكان من أصل روسي . لكن ما هو إشكالي إنما يكمن في معرفة ما إذا كان من الممكن أن نسمح لإقليم أو لجزء من السكان أن يعلن استقلاله بشكل انفرادي كلما أراد ذلك دون احترام القواعد القانونية والديمقراطية التي تضبط وجوده داخل الدولة ؟ هذا إجراء من الصعب قبوله نظرا لانعكاساته على استقرار الدول، وعلى وحدتها الترابية. فسكان القرم لم يتعرضوا لانتهاكات جسيمة من طرف النظام المركزي ، بل أكثر من ذلك لم تعرف المنطقة ممارسات تجاوزت ما وقع في باقي أجزاء أوكرانيا .

لذلك ، و بقطع النظر عن موقف محكمة العدل الدولية في حالة الكوسوفو التي تتميز بخصوصيات نابعة عن خضوعها لانتهاكات النظام اليوغسلافي ، فإن الاستفتاء الذي عرفته منطقة القرم قد يمثل خرقا واضحا من جهة للشرعية الدستورية . فالدستور الأوكراني واضح حيث إنه لا يمكن تنظيم الاستفتاء إلا بطلب من 3 مليون مواطن . وينبغي أن يجري على كافة التراب الأوكراني . وثالثا : لا يمكن أن يطلب إلا من طرف البرلمان الأوكراني . وفي الحالة الراهنة لم يتحقق أي شرط من هذه الشروط . فالضغوط التي مارسها الرئيس بوتين واضحة بالرغم من حرص السلطات الروسية على أن لا تترك أية علامة واضحة على تدخلها . وهو أمر يرفضه القانون الدولي . أكثر من ذلك ، فإن فرض هذا الأمر يخرق مقتضيات دولية ، من بينها مذكرة بودابست لسنة 1994 الموقعة من طرف أمريكا و بريطانيا و روسيا وأوكرانيا التي نصت على تصفية الأسلحة النووية في البلاد و احترام الوحدة الترابية لأوكرانيا ، وكذلك على إعلان هلسنكي الصادر في سنة 1975 و المتعلق بالأمن و الاستقرار في أوربا ، على أساس احترام الوحدة الترابية للدول .

فبصفة عامة ، إذا اعتبرنا أن هذا الاستفتاء قد تم تحت الضغط ، فهو يصبح غير مشروع حتى من ناحية القانون الدولي . فما يمكن استنتاجه من الرأي ا الاستشاري لمحكمة العدل الد ولية و كذلك من الممارسة الاستفتائية أنه لا يمكن منع استفتاء إذا كان حرا و نزيها و محترما للشرعية الدستورية للدولة. ففي شهر نونبر ستشهد اسكتلندا استفتاءا للاستقلال أو البقاء ضمن المملكة المتحدة . وهو لا يطرح أي إشكال قانوني من حيث تنظيمه . فما هو مرفوض إنما هو الإعلان النابع عن الضغط و التدخل الأجنبي الذي لا يحترم الإرادة الحرة لكافة مواطني الدولة.

2 ما بعد الاستفتاء

من الواضح أن هذا الاستفتاء لا يغير بشكل فوري مركز القرم . وهو يشكل حلقة في مسلسل قد يقصر أو يطول سيحدده سلوك الفاعلين البارزين في هذه الرقعة . فلا بد من الفاعلية ، أي تفعيل هذا القرار على أرض الواقع من خلال إجراءات تنظيمية . فمن الواضح أن تصويت سكان القرم من أجل الالتحاق بروسيا يعكس الرغبة في عدم الاكتفاء باستقلال لا يتم الاعتراف به إلا من طرف روسيا ، كما وقع بالنسبة لجمهوريتي أبخازيا وأوستيا الجنوبية اللتين أعلنتا استقلالهما عن جيورجيا.

في هذه النازلة يبدو مجلس الأمن المجسد مبدئيا للشرعية الدولية عاجزا عن تحمل مسؤولياته بفعل امتلاك روسيا لحق الفيتو الذي يسمح لها بالاعتراض على مشروع أي قرار قد يدين هذه الإجراءات المتخذة في شبه جزيرة القرم . وبفعل ذلك ،فإن السؤال الأساس لا يتعلق بمستقبل القرم وأوكرانيا بقدر ما يطرح بعمق كيفية التعامل مع الدور الروسي الذي يسعى إلى إعادة التموقع بشكل فعال في المنطقة ، و في العالم كما نلاحظه في سوريا . يحاول الأوربيون كبح جماح الرئيس الروسي الذي تنامت شعبيته كبطل قومي يسعى إلى استرجاع أمجاد الإمبراطورية الروسية من خلال التلويح بالعقوبات ، أي محاولة التأثير من خلال فرض سلسلة من الإجراءات الردعية التي مازالت محدودة و محتشمة . وهي تأخذ طابعا تدريجيا . لكن هذا المسار لا يخلو من صعوبات . فليس هناك اتفاق كامل بين الأطراف الأوربية على جدوى هذه العقوبات . من جهة ثانية ، فإن هناك إقرار بصعوبة عزل روسيا كلية لكونها تشكل ورقة جوهرية في الإستراتيجية الأوربية . ومن ثم ، هناك تأرجح بين تعميق العقوبات و بين التروي لترك خط الرجعة لبوتين لتليين مواقفه ودفعه إلى التفاوض . تساير الولايات المتحدة هذه المقاربة . وهي تدرك أن العقوبات ليست فعالة بشكل كبير . في نفس السياق تعي أن تسوية هذا الملف كما هو الشأن بالملف السوري يبقى مرتبطا بنجاح المفاوضات مع روسيا.

بالمقابل ، لا يمكن للرئيس بوتين أن يتجاهل كلية سلاح العقوبات و تأثيرها على اقتصاد روسي يبقى رهينا بصادرات المحروقات إلى أوربا . لكنه في نفس الوقت يحاول أن يعزف على تناقضات الغرب نفسه في التعامل مع تطورات القضية . فهو يعتبر أن ما وقع في أوكرانيا لا يمثل ثورة شعبية ، و إنما هو نتاج لحركة نازية متطرفة ، و أن السكان من أصل روسي سيكونون ضحية ذلك . ومن واجب روسيا حماية مواطنيها . فضلا عن ذلك من الناحية الواقعية ، فإن الحضور العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم، وخاصة في المجال البحري موجود بشكل مكثف بفعل الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين.

في هذا السياق ، قد يبدو من الصعب أن لا يساند الروس هذه الإجراءات، لكن قد يقع نوع من التروي في تفعيل القرار ، و استعمال هذه الورقة للتفاوض . فحتى الغرب نفسه لا ينتقد مبدئيا إعلان الاستقلال ، و لكنه ينتقد في العمق الشروط التي تم فيها ، و التي يعتبرها في العمق اجتياحا لهذه المنطقة قصد إلحاقها بروسيا وليس تعبيرا حرا عن إرادة السكان . ومن ثم ، قد يبدو أن ما هو أساسي اليوم بالنسبة للغرب ، وكذلك بالنسبة للأوكرانيا نفسها ، هو إعادة بناء ترتيبات تقوم على احترام وحدة و استقلال أوكرانيا بدون شبه جزيرة القرم التي قطعت خطوة بارزة في مسيرة انضمامها إلى روسيا بالرغم من الجدل المصاحب لهذه التفاعلات.

20 مارس 2014

.