الفتنة أشد من القتل

رسالة في حدود الفتنة

د.عدنان عويّد

     وجه لي أحد الأصدقاء رسالة على صفحتي في الفيس بوك يطلب مني أن أعجب بصفحة الشيخ محمد العريفي, وقد استغليت هذه الفرصة بعد أن فتحت صفحته كي أوجه له رسالة على صفحته ذاتها, تضمنت قسماً كبيراً من الأفكار الواردة في هذه الرسالة, التي أحببت أن أنشرها بعد أن أجريت عليها الكثير من التعديل كي يطلع عليها من يهمه أمر ما يجري من إجرام في وطننا العربي اليوم بإسم الدين.
 

     منذ بداية ما سمي بثورات الربيع العربي وأنا أتابع الفتاوى التي أصدرها العديد من السادة المشايخ الوهابيين, عبر بعض القنوات الدينية التي يمولها البترودولار الخليجي, وبخاصة تلك القنوات المحسوبة على المملكة العربية السعودية. وأكثر ما شد انتباهي واستغرابي معاً مسألة توظيف تلك الفتاوى الدينية خدمة لمشروع سياسي يتبناه أصحاب تلك القنوات ومموليها, وهو مشروع يصب نهاية المطاف في خدمة محور أمريكا والغرب والكيان الصهيوني وأمراء الخليج الشركاء الحقيقيين للرأسمال الاحتكاري العالمي, ضداً بمحور آخر مواجه له هو محور روسيا والصين وإيران وسورية وقوى المقاومة. بيد أن المؤسف والمحزن معاً, هو استخدام المحور الأمريكي للدين الإسلامي الحنيف  من خلال توظيف الفكر الوهابي وبعض مشايخه وأنت على رأس هؤلاء المشايخ يافضيلة الشيخ,حيث وظِفْتٌمْ خير توظيف لتأجيج الفكر الطائفي البغيض وتحويل الصراع بين المحورين من صراع مصالح على الجغرافية والثروات والسلطة, إلى صراع طائفي, تحول فيه الشعب البسيط في منطقتنا بإسم الدين, إلى حطب أو وقود لنيران هذا الصراع, مؤمنين من خلال ما تصدّرونه من فتاوى, بأن ما يقوم به المسلم من قتل لأخيه المسلم الذي يختلف معه في المذهب, هو أمر مشروع ومبرر دينياً وأخلاقيا.

     إنهذه الفتاوى التي تصدّرون يا فضيلة الشيخ قد أدخلت الأمتين العربية والإسلامية في صراع دموي لن يستفيد منه إلا أعداء الأمة والإسلام معاً, وأنتم تعرفون هؤلاء الأعداء حق المعرفة, وتعرفون أيضاً أن من يدفعونكم لإصدارها, قد تاجروا بالدين واستغلوه منذ مئة عام للحفاظ على حكمهم ومصالحهم الأنانية الضيقة, وهم أبعد الناس عنه.

     إن ما يجري اليوم في سوري ومصر والعراق من قتال بين العرب بكل أطيافهم الدينية, بناءً على الهويّة الدينية والفرقة الناجية, يندى له جبين كل مسلم, أو من يقول لا إله إلا الله, يا فضيلة الشيخ… وإذا كنت يا شيخ تؤمن بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخرة, فأنت أعلم بأن القتال في سبيل الله لم يكتب على الفرقة الناجية التي حددتموها أنتم, أو الفكر الوهابي السلفي,وإنما كُتب القتال على كل المؤمنين من المسلمين والمسيحيين واليهود كما يقول الله في كتابه العزيز ” : (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله, فَيَقْتِلونَ وَيُقْتَلَون وعداً عليهم حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده من الله؟. فاشتروا يبيعكم الذي بايعتم به, وذلك هو الفوز العظيم.), وهذا يعني أن القتال كتب على كل من يؤمن بالله وأسلم له ولم يكتب على فرقة أو جماعة محددة من المسلمين تدعي بأنها هي الفرقة الناجية وكل من خالفها في الدين أو المذهب, كافر وملحد, محلل دمه وماله وعرضه.

     إن الإسلام يا شيخنا, لم يكن في تنزيل عز وجل مقتصراً أو محدداً على أنصار الدين الإسلامي فحسب, بل على كل من أسلم أمره لله. فهذا الله عز وجل في كتابه بقول : (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون.). كما جاء أيضاً في تنزيل كتابه الحكيم في سورة يوسف : (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين.). كما جاء أيضاً : (فلما أحسَّ عيسى منهم الكفرَ قال مَنْ أنصاري إلى الله؟, قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون).

      من هذه الآيات الكريمة نرى بأن المسلم ليس هو من اعتنق الدين الإسلامي فحسب, بل هو أيضاً كل من أسلم لله وفوضه أمره, وهو كل من  آمن بالغيب وأقام الصلاة وأنفق مما رزقه الله, وبما أنزل على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم, وما أنزل على من قبله, وكل من آمن باليوم الآخرة وهم موقنون.

     إن ما تصدرون من فتاوى التكفير يا شيخ محمد العريفي, دمرت بيوت الناس, وأسالت دماء الأبرياء, ويتمت الأطفال, ورملت النساء, وشردت الناس وانتهكت أعراضها تحت ما سمي فتوى (جهاد النكاح), وحاربت أهل الكتاب من المسيحيين, ودمرت دور عبادتهم, في الوقت الذي نرى أن من أخذ بتلك الفتاوى راح يطبع مع الكيان الصهيوني ويمدح قادته الصهاينة أعداء الإسلام والمسيحية وحتى المؤمنين من اليهود.

     إن ما تصدرونه من فتاوى يا شيخ محمد, ليس من صلب الدين الحنيف الذي أمرنا الله به, وهو القائل عزل وجل: (فأقم وجهك للدين حنيفاً, فِطْرَةَ الله, ذلك الدين القيم, ولكن أكثر الناس لا يعلمون.)

     إن الله عز وجل يا شيخ يقول: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون). وطالما هم جهله بدينهم ودنياهم كما يقول الله, فالواجب والحكمة على العارفين بالدين أمثالك أن يدعوا الناس إلى دين الله (با الحكمة والموعضة الحسنة..) وليس بالقتل وذبح الناس بالسكاكين والسواطير لأنهم يختلفون في العقيدة والرأي, أو لجهلهم بدينهم…

     أنت تعرف أن أول آية يا شيخ نزلت على الرسول الكريم تقول: (أقرأ باسم ربك الذي خلق.) ولم تقل إقتل باسم ربك الذي خلق

    ختاماً أقول : لا تأخذوا الناس بالضن في دينهم وأفعالهم يا شيخنا الجليل, ولا تحكموا عليهم في إيمانهم أو كفرهم بالضن, بأن تحددوا هذا مسلم مؤمن, وذاك كافر, وهذا من الفرقة الناجية وذاك من الفرقة الكافرة … فهذه مسائل لا يعلم بها إلا الله وحده, (وهل شققت على قلبه.. ). فلنتق الله جميعاً في قوله عز وجل):  إن الظن لا يغني من الحق شيئاً(.

   وختاماً أقول: إن من وظفكم في إصدار فتاوى القتل والفتنة, هو ذاته من راح يُشَهِرَ بكم على قنواته بأنكم أسأتم التصرف ووظفتم الدين بفتاويكم لتوريط المسلمين في أعمال كما يقولون, ليست من صلب الدين الحنيف. بل لم يتوانوا في وضع كل من فِتِيْتٌم لهم بقتل المسلمين وحرضتموهم على الفتن الطائفية بأنهم إرهابيون… والخوف كل الخوف أن يضعوكم أنتم أيضاً وفي الوقت القريب على قائمة الإرهاب, وهذا ليس مستبعداً لأنكم أدوات, والأدوات دائماً هم من سقط المتاع عند الأنظمة الاستبدادية التي تستخدمهم أدوات لها .

كاتب وباحث من سورية… لنشرة المحرر