بلاغة الحوار : المجال والحدود

محمد العمري

تعريف :

“الحوار، في معناه العام: خطاب (أوتخاطب) يطلب الإقناع بقضية أو فعل. وفي معناه الخاص: كل خطاب يتوخى تجاوبَ متلقٍّ مُعين، ويأخذ رده بعين الاعتبار من أجل تكوين موقف في نقطة غير معينة سلفا بين المتحاورين؛ قريبة من هذا الطرف أو ذاك، أو في منتصف الطريق بينهما.

صورتُه المُثلى مناقشةٌ بين طرفين أو أكثر، وقد يكون تعقيبا بعد حين على صفحات الجرائد أو غيرها من وسائط الاتصال التي تتيح فرصة للتعليق على رأي الآخرين، وقد يكون في أي صيغة أخرى”().

الذي يشغلني، وأنا أقترح هذا التعريف التقريبي، هو الخطاب السياسي في معناه العام، أي الخطاب الذي يتناول تدبير الاختلاف في الحياة المدنية. ولذلك لم أعتمد تعريفا سابقا يقيدني بمرجعيته أو مجال تطبيقه. وأحيل، قصد الاستئناس والمقارنة، على تعريف دوكلاس والتون وهو يهتم بالأنماط الحافة بالحوار النقدي المتداخلة معه، مثل: المناقشات والمفاوضات والتحقيقات والمشاحنات(). كما أحيل على بيرلمان وأولبريشت تيتيكا، وهما يهتمان، في الطرف المقابل، بالحجاج الجدلي ضمن هم منطقي فلسفي، اختارا له اسم البلاغة الجديدة، وسنورده لاحقا. فبين هذ العريف والتعريفات الأخرى تداخل في الجوهر واختلاف في التفاصيل. وأستبعدُ، من باب أولى وأحرى، المفهوم النقدي الأدبي لكلمة “حوار” مما يتصل بالتناص، أو حوار النصوص.

وبلاغة الحوار هي العلم الذي يتناول مكونات الحوار وأخلاقياته وآليات اشتغاله. وهي تنتمي إلى النظرية العامة للإقناع التي هي فرع من البلاغة العامة، (أو البلاغة، دون زيادة)، في مقابل فرع التخييل(). وقد اقترحنا تصورا لـ”دائرة الحوار” في كتابنا المعنون بهذا الاسم مشفوعة بالتعليق التالي:

“دائرة الحوار هي… دائرةُ الممكن، دائرة ما يتطلب إنجازه أخذ “الآخر” بعين الاعتبار. متعاونا (مشاورات) أو منازعا (مناظرات)، أو منقادا دون روية (استهواء). وخارج هذه الدائرة توجد دائرة المطلق (أو المطلقات). لكل صيغة من صيغ الحوار، أو جنس من أجناسه امتداد: ففي امتداد التشاور توجد المعرفة في بعدها التخزيني، أي نشاط الذاكرة بشكل أساسي، وفي امتداد المناظرة يوجد التأمل والاعتبار والمعرفة المنطقية والبرهانية، أي نشاط العقل بصفة أساسية. وفي امتداد الاستهواء يوجد العنف السيكولوجي والرمزي، أي نشاط الوجدان بشكل أساسي”.

وهكذا فإن الحوار يجري داخل دائرة الممكن، ولكنه قد ينزلق خارج الدائرة حين يصادر أحد الطرفين حق الآخر في المعرفة أو النظر أو الاعتبار (حيث يستغفله أو يستخف به). وقد يتم الانزلاق من مقام إلى مقام فيختل الحوار أو يضطرب، كما يحدث حين القفز من المشاورة إلى المنازعة، أو من المناظرة إلى الاستهواء.

نحيل الراغب في مزيد بيان على المرجع المذكور. ونخصص هذه المناسبة لمعالجة ثلاث نقط وهي: 1) مجال الحوار، و2) الفرق بين الحوار والحجاج ذي التوجه المنطقي (أو الاستهواء الحواري والحجاج المنطقي)، ثم 3) الفرق بين نقد الخطاب الحواري وإبداء الرأي (أو نهاية العلم وبداية الرأي في بلاغة الحوار). وقد بدت لي هذه القضايا ـ عند تأليف كتاب دائرة الحوار ـ بديهية، ثم تبين أن عدم وضع النقط على الحروف بصددها يعوق الفهم والتفاهم في هذا المجال.

1 ـ مجال الحوار: تدبير الاختلاف حول القيم

يلتقي منظرو بلاغة الإقناع من أفلاطون إلى بيرلمان في التأكيد بأن مجال التخاطب الحواري (أو الحجاج) هو مجال القيم. فهنا يتدخل الرأي وتؤثر المقامات الخطابية. وقد عُمقت هذه القناعة، حديثا، من طرف نظرية الحجاجٍ. وذلك في مسعى منها لبناء منطق غير شكلي يهتم بالإقناع في مجالات متعددة. يقول ج.مورو في مقال له بعنوان “البلاغة والجدل وأولى الضرورات:

“قال سقراط لأوطيفرون Euthephron : إذا اختلف رأينا، أنا وأنت، حول العدد (عدد الأشياء الموجودة في سلة)، أو حول الطول (طول قطعة من نسيج)، أو حول الوزن (وزن كيس من قمح)، فلن نتنازع من أجل هذا؛ ولن ندخل في نقاش؛ سيكفينا أن نعُدَ أونقيس أو نزن وسيسوى الخلاف. إن الاختلافات لا تتسع وتتسمم إلا حين لا تكون هناك إجراءات للقياس من هذا القبيل، حين تغيب المقاييس الموضوعية. وهذا هو الشأن، حسب سقراط، حين نختلف حول المصيب والمخطئ والجميل والقبيح والخيـِّر والشرير، وبكلمة واحدة : حول القيم. (Platon.Euthephron.7d)”. وعليه فإذا أردنا، في مثل هذه الحالات تلافي تحول الخلاف إلى أزمة، وتلافي الحل المعتمِد على العنف فليس هناك من سبيل غيرَ الرجوع إلى نقاش عقلاني. ويبدو الجدل، باعتباره فنا للمناقشة، المنهج الملائم لحل المشاكل التطبيقية، تلك التي تُعنى بالأغراض العملية حيث تتدخل القيم”().

وما دام الحوار أو الجدل (لا فرق في هذا المستوى) لا يتصور إلا في مستمَعات (مستمعون في مكان وزمن محددين) فقد ثار الصراع منذ القديم بين الفلاسفة والبلاغيين حول هوية الميدان: طبيعة الحقيقة الممكنة، ومن هو أجدر بالوصول إليها. فأية حقيقة يقيمها الفيلسوف في هذا المجال تصبح، من غدها، موضوع خلاف يقتضي المجادلة والإقناع، أي استعمال الأدوات البلاغية المرصودة لمعالجة الرأي وما هو نسبي في إطار المقامات.

بناء عليه فإن الحوار يغطي، عندنا، كل المجال الذي يفلت من الصرامة البرهانية المعتمدة على البداهة (أي مجال القيم كما تقدم)، غير أن الحديث عن القيم يطرح إشكال النسبية والإطلاق.

فحين يقال بأن القيم هي مجال الإقناع يتبادر إلى ذهن غير المختص الاعتراض بكونية القيم الكبرى مثل الحق والخير والحرية والجمال… وهي كذلك (أي كونية) بالنسبة لكل العقلاء المندمجين في المسار الحضاري للإنسانية، بل حتى الطغاة لايتنكرون لها بصريح اللفظ. غير أن إطلاقية هذه القيم وكونيتها لا تتجاوز مستوى النظر والشعار الذي ينبغي رفعه والذود عنه على الدوام. فبمجرد ما نحاول تنزيل هذه القيم على الواقع فإنها تصبح موضوع أخذ ورد حسب المستمَعات (les auditoires) عير تدرج من المستوى التشريعي إلى المستوى العملي الحياتي. فما تراه الطبقات الفقيرة عدلا (توزيع الثروات) تراه الطبقات المتحكمة في الثروة مصادرة لحرية الكسب والمبادرة (أي ظلما لها). وليس من حل في هذه الحال غير الحوار العقلاني الذي يحتكم لترتيب الأضرار والمنافع بالنسبة للمجموعة ككل حسب موازين القوى الآنية. قد تتغير هذه الموازين لاحقا فيستأنف الحوار من أجل تراتبية جديدة حسب الأسبقيات أو الضغوط. ومع عملية الترتيب تبدأ التنازلات: يتنازل كل طرف عن جوانب لتحصيل جوانب أخرى يتنازل عنها الطرف الآخر راغبا أو مضطرا. ويتم هذا الحوار ضمن عملية تنظيم المجتمع ككل لأسبقياته حسب الإمكانيات والإكراهات.

ولذلك اعتبر بلاغيو الحجاج ترتيب القيم أهم من معرفتها وتمجيدها. قال بيرلمان: “لا شك أن تراتبيات القيم، منظورا إليها من وجهة نظر البنية الحجاجية، هي أكثر أهمية من القيم نفسها. فالواقع أن أكثر القيم مشترك بين عدد كبير من المستمَعات. وتكمن خصوصية كل مستمَع في الطريقة التي يرتب بها هذه القيم أكثر مما هي كامنة في القيم التي يقبلها)(”. والبلاغة هي العلم المؤهل لتحقيق تخاطب إيجابي في مثل هذه المقامات الملتبسة. ليس ببيان كيفية الدفاع عن الحقوق فحسب، كما كان مبتدأ أمرها عند اليونان، ولكن بكشف أساليب التضليل والمغالطة الهادفة إلى سلبها أيضا.

فمن القيم النبيلة التي تغتال بها حرية الشعوب في العصر الحديث مفهوم المواطنة. وذلك حين يختزله المستبدون في ضمير “نا”. موهمين الاشتراك في السراء والضراء، والحال أنه أشبه بحصان طروادة الذي يقتحم به المستغلون قلعة المستضعفين. وهذه هي المعركة البلاغية اليوم بين الشعوب العربية وحكامها: معركة “نا”، حيث نجد الصوت العالي اليوم هو: اخرجوا من طريقنا لنواجه أعداءنا. وهذا أمر وعاه البعض وبحث عن مخرج وتجاهله البعض فوقع في الحرج.

وفي خضم الصراع العملي أفرزت المجتمعات هيئات تحكيمية انبثقت عنها مؤسسات تشريعية. تمثل هذه الهيئات الصمام الأول بين المطلق والعابر. فالتداول أو الحوار بين المشرعين ليس من أجل الوصول إلى الحقيقة المطلقة، بل من أجل ضبط الحوار الأدني (أي التطبيقي السياسي) موقتا في انتظار أن تتغير معطيات الحياة أو يختل التوازن بين المتحاورين وهذا ما يجري عادة في تجديد الدساتير والقوانين والمدونات، حيث يُلتجأ في الأخير إلى الاستفتاء، ليسلم الأمر للأغلبية، وليس للحقيقة المطلقة التي لا وجود لها إلا في أذهان الطغاة. وقد قضى المغاربة نصف قرن من الصراع من أجل حق الحوار حول الدستور.

وكما يستعمل المتداولون في شأن القوانين والدساتير كل كفاءاتهم الإقناعية في التقريب بين آرائهم، مؤولين وموجهين للمرجعيات المعتمدة لديهم سيقوم المطبقون في المستوى العملي (السياسي) بجهد مماثل في تأويل النصوص التشريعية وتوجيهها طالبين التسليم والقبول من محاوريهم في المقامات الخاصة، ثم متتبعيهم في المقام التحكيمي، أي المصوتون.

إن هذه العملية التحويلية الإقناعية (من المطلق إلى النسبي) عملية معقدة يلتبس فيها الفكر باللغة والحقيقة بالخير. ورفض هذا المسلسل أو التحايل عليه طريق معبد نحو العنف المادي.

2 ـ الاستهواء الحواري والحجاج المنطقي

قد يؤدي حديثنا عن الاستهواء في الخطاب الحواري الإقناعي إلى الارتياب، خاصة إذا ما وقف نظر المتلقي عند النظرية الحجاجية الفلسفية المدعوة “البلاغة جديدة” التي نستفيد منها إلى أقصى الحدود، ولذلك لزم توضيح المقصود منه ووجه العناية به.

لعل القارئ لا يجد صعوبة في فهم المقصود عامة من الاستشارة والمناظرة؛ فلا مانع من الربط ـ موقتا ـ بين ما يلوح من مفهوميهما هنا وبين الخطابة الاستشارية والقضائية (الاحتكامية) عند أرسطو. كما أنه لا مانع من انصراف الذهن مؤقتا إلى مفهوم المناظرة في التراث العربي وعلاقتها بالجدل، لا مانع من كل ذلك ما لم يفكر في المطابقة بين هذا وذاك، وإلا صارت تلك المُلابِسات (بالكسر) عائقاً للفهم. فنحن نهتم بالانزلاقات في الخطاب السياسي أساسا.

لقد حاولنا، بعد عمل تطبيقي موسع على النص الخطابي الحديث (في دائرة الحوار)، أن نجد كلمة تستوعب ما لا يستوعبُه الاستعلامُ والتشاور، من جهة، والمنازعةُ الحِجاجية المحتكمة إلى العقل والمسلماتِ المشتركة للطرفين، من جهة أخرى، فكاد ذلك يتعذر. وترجع هذه الصعوبة إلى أن مكونات المنطقة التي لا يُغطيها التشاورُ والتناظر مختلفةٌ في طبيعتها، متباينة في قيمتها الوجدانية والأخلاقية؛ الاستمالة والمشاحنة والمغالطة (يستقر طرف منها داخل دائرة الحوار ويمتد طرف آخر خارج الدائرة). وبعد تأمل طويل استقر رأينا على كلمة “استهواء” من الهوى أي الميل النفسي، خيرا أو شرا، دون احتكام إلى العقل والعرف وما هو مشترك. والمجال الأثير للاستهواء هو الإشهار؛ إشهار البضائع والمواقف والأفكار…الخ

وبهذا الامتداد الاستهوائي ينزاح تصورنا للحوار عن نظرية الحجاج الفلسفية ذات الهم المنطقي (كما نبين في الفقرة الموالية)، مع اعترافنا بعظيم الفائدة التي تقدمها لنا هذه النظرية سواء في التأطير النظري أو في وصف التقنيات الحجاجية وتصنيها؛ إننا معها وضدها في الوقت نفسه.

لقد ميز بيرلمان وأولبريشت تيتيكا فعلا بين مستويين من التسليم (أو القبول بالرأي المعروض): التسليم الآتي من الخارج حسب المقام وتترجمه كلمةpersuasion ، والتسليم المنبعث من داخل النفس باطمئنان وتترجمه كلمة conviction . وهذا النوع الثاني هو الذي يَنتج عن مخاطبة مستمع كوني حيث تلتقي أفهام العقلاء. وهو موضوع الحجاج بمعناه الحق في نظرهما؛ ففي إطاره تتحقق الحرية، (أي الإفلات من الإكراهات الخارجية). ونص كلامهما في ذلك: “إن الحجاج غير الملزم Non contraignant وغير الاعتباطي هو وحده القمين بأن يحقق الحرية الإنسانية من حيث هي ممارسة لاختيار عاقل. فأن تكون الحرية تسليما اضطراريا [إلزاميا] بنظام طبيعي معطى سلفا معناه انعدام كل إمكان للاختيار. فإذا لم تكن ممارسة الحرية منبنية على العقل فإن كل اختيار يكون ضربا من الخور، ويستحيل إلى حكم اعتباطي يسبح في فراغ فكري”().

غير أن صواب هذا النظر الفلسفي (وهو يدمج العلمي والخلقي) لا يمكن أن يشغل البلاغي (والبلاغي الواصف على وجه التحديد) عن واقع إنتاج الخطاب وأحوال متلقيه، ويظل الحوار النقدي الذي يجري في المقام الكوني حيث تلتقي العقول غاية يسعى البلاغي نحوها دون أن يرتهن بها وجودا وعدما. فقديما لاحظ أرسطو أن الحاجة إلى الأسلوب نابعة من أن عامة الناس “يتأثرون بمشاعرهم اكثر مما يتاثرون بعقولهم”().

ويرجع هذا التقارب والتباعد إلى الالتقاء في الموضوع والغرض(الإقناع)، والاختلاف في مجال التطبيق. فمن حيث المنطلق نلتقي في استلهام خطابة أرسطو. فقد قادت طبيعة الموضوع هؤلاء المناطقة ـ كما قادتنا النصوص الخطابية المختلفة ـ إلى رحاب البلاغة الأرسطية. يقول بيرلمان في كتابه: حقل الحجاج: “موضوع نظرية الحجاج هو دراسة التقنيات الخطابية الهادفة إلى حث النفوس على التسليم بالأطروحات المعروضة عليها، أو تقوية ذلك التسليم. كما تفحص أيضا الشروط التي تسمح بانطلاق الحجاج ونموه، وكذا الآثار المترتبة عنه)(.

فهذا التعريف يستلهم التعريف الأرسطي المشهور الذي نلتقي حوله. وهو، حسب الترجمة العربية القديمة: “الريطورية قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور المفردة”()”. غير أننا في الوقت الذي نسعى فيه نحن إلى استيعاب كل الخطابات الشفوية والكتابية ومراعاة خصوصياتها، وكذا الاهتمام أكثر ب”الكوارث” الخطابية، فإن البلاغة الحجاجية تقلص موضوعها بحسب الهموم المنطقية، وهذا ما صرح به بيرلمان رابطا لاحق كلامه بسابقه:

“إن نظريةً للحجاج من هذا القبيل توجه الذهن، حين النظر إلى موضوعها، إلى البلاغة القديمة، ولكنني إذ أعالجها من زاوية هموم عالم المنطق سأضطر لتقليص مباحثي من جانب وتوسيعها من جانب آخر”().

فمن الجوانب التي تتضمن توسيعا وتضييقا في الوقت نفسه المتن (أو المدونة)، حيث يتم إهمالُ خصوصيات الخطاب الشفوي واستيعاب الخطاب المكتوب اقتصارًا على الحجج المقنعة فيهما معا الموصلة إلى الإذعان. ويكمن وراء هذا الإجراء عدم إيلاء أهمية كبيرة للمحافل الخطابية في مقابل الامتداد إلى المحاججة الخاصة؛ مع شخص واحد أو حتى مع الذات؛ يتداول المرء مع نفسه حول ال”مع” و “الضد” لاختبار مدى قيمة أطروحة وصلابة حجة.

وبهذا التوجه تقترب نظرية الحجاج الحديثة من مبحث الجدل أكثر من قربها من مبحث البلاغة ببعديها الشعري والتداولي، وذلك برغم اختيار الانتماء لما سمي بلاغة جديدة. يقول:”من هنا احتلت الطوبيقات الأرسطية (باعتبارها صياغة للجدل السوقراطي القائم على السؤال الجواب والنقد والدحض) حيزا من النظرية الفلسفية للحجاج. فمن الملاحظ، أن فن الحجاج (كما نما وتطور مع جورجياس، وبروطاغوراس وزينون) يهتم دائما بإحداث التسليم بأطروحات توجد في حالة تعارض (ص.13). فيُقوي هذا التسليم أو يُنقص من قوته بواسطة حجج متنوعة، إذ يعتمد التأثير على الشخص في كليته ليدفعه نحو الفعل، “ففي الحجاج لا يفرق بين الإرادة والفعل، ولا بين النظرية والتطبيق”. (نفسه. ص.13-14).

من البين إذن أننا نلتقي مع البلاغة الجديدة في توسعها نحو المقامات المختلفة، ونبتعد عنها فيما تقلصه، فنعتني بالخطاب الشفوي سواء في المحافل الخطابية من النمط القديم أو المنقولة على الشاشات. ومن هنا يصبح لدينا امتداد ثالث نحو الصورة باعتبارها عنصرا أساسيا في بلاغة الحوار، وبالموسيقى أيضا كما هو الحال في الخطاب الإشهاري. وعموما فإن الحديث عن الاستهواء يستعيد بعدا غائبا عن “البلاغة الجديدة” وعن علم المناظرة الإسلامي على حد سواء، وهو البعد التخييلي الشعري. وهو استرجاع طبيعي بحسب اختلاف الاستراتيجيات الموجهة؛ ففي المناظرة والحجاج يحضر التشريع والمنطق ويغيب التخييل، والتخييل عندنا قسيم التداول في امتلاك أرض البلاغة. فهما يشتركان في ملكية أرض المحتمل كما بينا في مقال سابق بعنوان: البلاغة العامة والبلاغة المعممة().

وبقدر ما تجذب الحجاجية المنطقية نحو الجدل بقدر تستحضر بلاغة الحوار الآفاق السفسطائية مؤمنة بأن الوقاية لا تغني دائما عن العلاج: لا يكفي أن تعلم الناس كيف يتحاورون، بل لا بد أن تبين العقاب الذي ينتظرهم حين يخطئون.

3 ـ نهاية العلم وبداية الرأي في بلاغة الحوار

من القضايا التي تعتبر بديهية في المجال التداولي الحجاجي التباس الأداة بالموضوع، فهذا أمر معروف عند المنظرين والمؤرخين على حد سواء. ويرجع ذلك، في الأساس، إلى التباس اللغة بالفكر، والتباس الخطاب بالقصد والفعل. ولا يتسع المقام هنا للخوض في إشكال اللوغوس اليوناني والمنطق (من النطق) العربي، فضلا عن “الكلام” ملفوظا وعلما للحجاج (علم الكلام)، كما لا يتسع للحديث عن تغير التراكيب حسب المقاصد كما هو معلوم في مبحث “علم المعاني” . فقد تجاوز المنظرون هذا الإشكال بوضع الحدود بين الحقول. ولذلك فقد كان يبدو بديهيا أثناء (تاليف كتاب دائرة الحوار)، أن القراء المستهدفين سيميزون تلقائيا بين التحليل البلاغي العلمي والموقف السياسي، غير أنني فوجئت بوجود من التبست عليه هذه الحدود، أو فرضت عليه الظروف تجاهلها تمثلا بالحكمة: “الباب اللي يجيك منو الريح سدو واستريح”، فوجب البيان().

صور التعرض لنقد الخطاب التداولي

صور التعرض لـِ “نقد الخطاب الحجاجي” متعددة يمكن إجمالها في منحيين كبيرين: التعرض من الداخل والتعرض من الخارج،:

أ – ب ـ التعرض من الداخل (النقد الوجيه)

أي من داخل منطق الخطاب، وهذا يكون من زاويتين: أولاهما: مناقشة المستندات النظرية، والثانية: مناقشة الإجراءات التطبيقية. وهذا هو الطريق القويم الذي لا اعتراض عليه، ومن أجل التفاهم فيه كانت الاجتهادات التنظيرية في مجال البلاغة والإقناع. فينبغي، في نظري، أن يتوجه النقد إلى صريح دعوى الخطاب، فالذي يقدم دعوى علمية أو فرضية واضحة، أو يشغل آليات معروفة في منطق الجدل والمناظر والنظرية الحجاجية عامة يُناقش من خلال هذه النظرية؛ بدحضها أو التشكيك في ملاءمتها، أو بيان الخلل في تطبيقها، وما سوى ذلك هروب. ومن المؤسف أن هذا النوع من النقد غائب، ولذلك لن نطيل الحديث فيه، إلى حين ظهوره.

ب ـ التعرض من الخارج (التعرض غير الوجيه)

وهو الذي يشغنا هنا؛ لأنه يشكل عائقا علميا. ونقصد به التعرض باعتبارات من خارج منطق الخطاب، مع عدم إنكار ذلك المنطق، بل مع التنويه به أحيانا. وقد ظهر لنا منه صورتان، أو عاينا من صورتين: التعرض بالمقاصد، والتعرض بالمثيل.

أ .1 . التعرض بالمقاصد

صورته:

يقول الخطيب (أو من ينوب عنه): انتقدت منطق خطابي لأنك تخالفني الرأي!

فيجيب البلاغي: رأيك خاص وقواعد البلاغة عامة، فهي تتناول رأيك ورأيي ورأي غيرنا، على حد سواء.

التعرض بالمقاصد هو المستوى الأدنى من مستويات التعرض من الخارج، وأجْلى صُوره الهروب إلى المقاصد السياسية والمواقع الفئوية. كأن يقال – وهذا مثال حي – بأن فحص الخطاب الدائر حول الخطة، فيما سميته: “الإعنات والمغالطة، في مقام الأخذ والعطاء” ينطوي على رأي، أي على موقف فكري، ثم يَنـزلق الاعتراض في حمأة السجال من كلمة “ينطوي” إلى عبارةٍ حاسمة، وهي: “ليس إلا..”! وشتان ما بين الصيغتين؛ ما بين وجود موقف مطوي، أي “كامن” لا يطغى على “الحكم” (المفترض بناؤه على قواعد عامة مسلمة)، وببن أن يحل الموقف محل “الحكم”. فالقاضي نفسه قد يتعرض للتنازع بين رأيه الشخصي وميله العاطفي، وبين القواعد العامة التي ارتضت المجموعة الاحتكام إليها، فيختار الحكم بحسب القواعد المشتركة إخلاصا لصفته(حكم)، وقد يُضيع صفته بالميل مع هواه.

فعلى فرض صحة ادعاء وجود اعتبارات خارج نصية فالأمر لايعدو محاسبة النوايا، ولا يعفي صاحبَ (أو أصحاب) الخطاب المختل حجاجيا من المآخذ المتعلقة ببناء الخطاب. فالتخاطُب الإيجابي في تدبير الاختلاف يقتضي حتماً الارتقاء إلى مستوى “المناظرة” لتلافي العنف القائم على التهافت والسفسطة، وإلا فلا جدْوى من الحوار أصلا. والحَكَم في هذه اللعبة ككل لعبة، هو الخبير بها، العالم بقوانينها. وإذا ما لجأ أحد الأطراف إلى استعمال العنف وعُوقب من طرف الحَكم فهو المسؤول عما أصابه.

وعموما فليس من المعقول الدخول في جوهر الموقف المعبر عنه (أي موضوع الخلاف) مع مَن لا يحترم المبادئ الأولية لتخاطب العقلاء. لا بد من ضبط قواعد اللعبة أولا. والطغاة وحدهم من يفضل اللعب بدون قواعد.

ومن الملائم جدا ـ ولغرض التقريب مع شيء من التسامح ـ تشبيه قضية الحوار بعملية التقاضي، بل الحوار تقاضٍ فعْلاً، كما نص أرسطو. فمن المعروف أن القَضاءَ الذي يحترم نفسه يرفض النظر في الدعوى التي تشوب مسطرتها عيوبٌ، فيُعتبر ذلك رفضا من حيث الشكل، أو لِعيْبٍ مسطري.

فاحترام “الشكل” شرط مقدم للنظر في المضمون. إن استعمال العنف الرمزي من تهافت وسفسطة (فضلا عن الكذب والإشاعة والقذف والتهديد الصريح والمبطن) يوازي استعمال العنف الجسدي والمعنوي في تكوين ملف الاتهام. فلا فرق بين أن يُكرهَ “الظنين” على تحمُّل تهمة ملفقة عن طريق التعذيب البدني والنفسي، وبين العنف المنطقي المضلل/المعنت الهادف إلى الإكراه لإجبار الآخر المخالف على قبول أفكار أو مواقف زائفة. بل يمكن الاستئناس بما هو أكثر من ذلك بما نراه في المحاكمات الجنائية حيث يعترض المحامي والاتهام معا على الأسئلة الاستدراجية الهادفة إلى الإيقاع بأحد المتقاضين أو الشهود، وللقاضي أن يقبل الاعتراض وله أن يرفضه().

إن موضوع النظر بالنسبة إلى البلاغي هو الخطاب في بنيته، في شروط الإقناع المطلوبة في كل حالة ضمن إطار عام من القيم الأخلاقية التي لا ينبغي أن يَتنكَّر لها من قَبِل أن يعيش في الإطار المدني بين بني البشر، من عدل وحرية وكرامة …الخ، وتصريف ذلك هو مجال الرأي،وطريق الرأي الإقناع بالحوار ضمن قواعد اجتهد العقلاء في بلورتها واعتبارها مبادئ عامة منذ اقدم العصور. فما الذي يعنيه إسكات نقد الخطاب التداولي الحجاجي بشتى صور الكيد؟

قد نفهم في سياق حضاري محدد بأشراطه عدمَ الحاجة إلى مناقشة “خطاب توجيهي عام” يتناول القيم المجمع عليها في مناسبة عاطفية دينية أو وطنية، أما حين يدخل الخطاب في مجال تدبير الممكن فإنه ينزع عن نفسه القدسية، ويصبح عُرضة للأخذ والرد.

لقد اختلف المسلمون في تنزيه الأنبياء والرسل وعصمتهم من الخطأ، مع إيمانهم باتصال هؤلاء االأنبياء والرسل بعالم الغيب، واليوم – يا لَلمسافة! – نتحرج من نشر مغالطات زعماء سياسيين وخطباء دين أكثرهم استهوته السهولة وطال عليه أمد استسلام المخاطبين، ومداهنة المقربين.

أ . 2 . التعرض بالمثيل

صورته:

يقول البلاغــي (للخطيب): في كلامك خلل حجاجي!

فيجيب الخطيب : يوجد مثله عند غيري!

يمثل التعرض بالمثيل المهرب الثاني للمتهافتين والسفسطائيين والمغرضين. ويقوم هذا الاحتجاج على البحث عن المثيل في خطاب المنتقد إن كان طرفا معروفا في القضية، أو الجهة التي هو محسوب عليها أيديولوجيا أو سياسيا.

وقد تكون لهذا التعرض مشروعية نسبية حجاجية اِنطلاقا من مبدأ “القُدوة الحسنة” الدالة على الصدق، في حال ما إذا عمد المنتقد إلى مقارنة خطاب فئة مُعينة منعوتة بالعيب بخطاب فئة أخرى، ولكنه ، أي الاعتراض بالمثيل، لا يقوم دليلا على مشروعية التهافت، بل هو اعتراف بشمول الإعاقة، والتعميم لا يهون المصاب في هذه الحالة. وقد يكون هذا المسلك بداية لتلافي العيوب من الطرفين.

غير أن الخطير في أحوال مثل هذه هو ميل الأطراف المتهافتة إلى التساكت والمسالمة كتابة ونشرا معتمديْن حُصول “الغفلة بين البايع والشاري”، ما دام الضحيةُ طرفاً ثالثا؛ هو عموم الجماهير التي ينظر إليها المتهافتون المغالط ون كدهماء عاجزة عن النقد، حظها الانقياد. وقد يعدو الأمر ذلك إلى ما هو أشنع: الصمت الكيدي (الانتقام بوسائل أخرى).