والمسؤولية إذ سقطت..

عبد الحميد جماهري

السياسة هي أولا لغة، ومحمد الوفا يعرف أنه كلما «رش» قاموسه بكلمات عن تاريخ بعيد، زاد القرب من البلاد التي يحكي سيرتها. والمقصد هنا فرنسا. ففي قاموس وزير الحكامة (الشتامة تحديدا )، ليس هناك ما يفيد بأن إضراب الخبز ممكن نجاحه في بلاد المغرب.
فالمغاربة الذين يأكلون الخبز كثيرا ويتجولون في الأسواق بحثا عنه ويقولون عنه الأمثال والقصص، ليسوا في حاجة إليه، عندما يباع في الأسواق، وكان من الممكن، لو أن الخبازين في المغرب (دولة المخابزات بالذات) أضربوا في باريس، لنجح إضرابهم وسقطت حكومة ايغو الاشتراكية.
من سوء حظهم أنهم أضربوا في المغرب ولم يتوقف المضغ.. بكرة وأصيلا.
السيد الوزير لا يعرف بأن احتقار المغاربة، في عز الاستبداد، كان باسم الخبز: كان رجل قوي، يملك البلاد بواسطة الملفات والأجهزة يدعى ادريس البصري قد استصغر القتلى في شوارع الدار البيضاء وسماهم شهداء كوميرا.
وكل الذين يقلدونه (والحال أن التاريخ عادة ما يفضل الأصل على النسخة الركيكة) يسعون جاهدين إلى احتقار المغاربة مما يخرج من الأفران (وواحد موجود في .. وجه الوفا، أسفل الأنف وفوق الذقن مباشرة، لمن يريد أن يطبخ خبزا غير سياسي).
الذي لا يمكن إغفاله، في الوقت ذاته، أن السيد الوفا عادة ما يستشعر الحاجة، رمزيا وضمنيا، إلى الإحالة على فرنسا، وهاكم ثلاثة دلائل:
الأولى أنه سمى عاصمة دولة فولتير والسيدة ماري أنطوانيت بالاسم ، وهو يتحدث عن الخبز.
وباريس نفسها هي الذي عرفت واحتضنت حياة الملك لويس الرابع عشر، الذي قال أنا الدولة والدولة أنا.
والمغاربة يذكرون أن وزير الحكامة قال ما يشبه ذلك، بسحب الدولة على الحكومة في برنامج حواري «مباشرة معكم »والذي يديره الزميل جامع كلسحن.
وثالث الإحالات الدالة في مضمره الفرنسي القروسطوي هي إحالته على الملوي. فبعد أن كان قد اعتبر الخبز الذي يباع ضارا بصحة المغاربة (قبل أن يصبح دليله على فشل الإضراب ويدافع عن حب المغاربة له )، اقتنع السيد وزير الحكامة والشتامة أنه يمكن أن يعوض بالملاوي، فهي أحسن وأبقى.
وهو ما يذكرنا بما قالته آخر ملكات فرنسا عندما اندلعت الثورة الفرنسية ماري أنطوانيت، كما نقل ذلك العالم والفيلسوف جان جاك روسو في اعترافاته« ماري انطوانيت».. زوجة الملك لويس السادس عشر، آخر ملوك فرنسا، وهي آخر ملكات فرنسا ( ذات الأصل الألماني من آل هابسبورغ)..
وعلى قياس ذلك، فعندما طرحت قضية الخبز في البرلمان، سارع الوفا إلى اقتباس التاريخ الفرنسي هذه المرة، فعوض الكعكة عند ماري أنطوانيت اختار الوفا ، .. الملاوي .
لدينا إعجابه بالملك الذي قال إنه الدولة…
ولنا إعجابه وتقليده الأعمى للملكة وهي تأمر الشعب الجائع بأكل الكعكة عوض الخبز، وهي لا تفهم أن المشكلة هي أنه لا يملك قوت يومه..
ولنا إحالته على الباريزيات اللواتي لا يدلكن العجين.. ولهذا ينجح الإضراب.
وبعيدا عن خبز الأفرنة، أصبح من المسيء للسياسة، فعلا، أن الأسلوب المتهدل والارتجالي صار «الخبز» اليومي للسلطة الحكومية.
وصرنا نتمنى، فعلا، وندعو الله : متى يا رب نصل إلى .. المستوى الصفر. بعد أن بلغنا القاع وما تحته..
وقبل الخبز، لنتذكر كانت التربية (التعليم) نقطة السقوط في حياة الوفا.
وقد بلغ الأمر، أن أصبح الوزير يعتبر أن مشاكله الخاصة وعواطفه الذاتية جزء ضروري لاستمرار السياسة الوطنية، وأن تصفية حساباته مع حزب وطني ( تربى فيه على كل حال) ربما يعطيه بطولة ما.
لن يتحامل أحد على انتماء الوفا إلى الاستقلال (وإن كان هو الذي عليه أن يفسر تخليه عنه، وليس من بقوا فيه والتزموا بقراراته)..
ولن يتحامل على حقه السياسي كاملا (بما في ذلك الانتحار السعيد بالقرب من رئاسة الحكومة)، ولن يتحامل أحد على حقه المضمون في التشبه بالملك الفرنسي أحيانا وبالملكة الفرنسية أحيانا أخرى. وبحقه في أن يرى الباريزيات حجة ضد أرباب المخابز،
الذي ليس من حقه هو أن يتكلم كمسؤول سياسي فقد أبسط حدود المسؤولية ويحتقر شعبا، كل مرة، فرادى وجماعة..!
اللغة الحكومية لا تنقصها المسؤولية (الأخلاقية فقط)، بل المسؤولية (تو كور!).
فالوزراء المفروض فيهم أن يكون خميرة السياسة والمسؤولية، يتحدثون لغتنا نحن الذين نطالبهم بالمسؤولية كما لو أننا معهم في .. دائرة خارج القرار.
الوزراء، بعد السلطة الأخلاقية التي تسقط عن البعض، يسقطون المسؤولية الدستورية عن أعمالهم: أصبحنا، بالفعل، نسمع الخطابات من نوع: نحن معهم في التحليل، ونحن معهم في الملاحظة. والله غالب واتونا بالاقتراحات.. إن كانت لديكم.
وهو الوجه الآخر غير المرئي من اللامسؤولية، والتحلل من التزامات الدولة، وهو ما لم يقدر عليه أعتى وزراء التقنوقراط في أعتى التحكم السياسي في التدبير العام.
إلى أين نسير يا ترى، إذا لم تكن الوجهة فعلا هي .. الجدار!

عن جريدة .ا.ش.

3/28/2014