سـر المعـري

 

عبد السلام بنعبد العالي

 

 

 

يميز عبد الفتاح كيليطو(*) بين صنفين من القراء: “قراء لا يرون في الكتاب إلا عرضا موافقا ومطابقا للآراء الشائعة” وقراء “يلمحون فيه شيئا مختلفا لأن لهم طريقة في القراءة لا يمتلكها الآخرون. فهم مثلا يتنبهون لتناقضات المؤلف ويتجنبون عزوها إلى نقص أو خلل في نمط استدلاله، خصوصا عندما يشير المؤلف نفسه إلى احتمال وجودها […] كما أنهم يبذلون جهدا لفهم مقاطعه الغامضة وتعابيره الملتوية دون نسبتها إلى ضعف في أسلوبه أو فنه”[ص49].

يحاول المؤلف أن يضع نفسه، وهو يقرأ المعري، ضمن هذا الصنف الثاني من القراء. وهو لا يسعى إلى الكشف عن “حقيقة” المعري فيما وراء التأويلات المتضاربة والآراء المتناقضة، ولا يهدف إلى إصدار القول الفصل في مسألة تدين المعري أو “سوء عقيدته”، بل يحاول أن يظهر لنا الكاتب في تناقضاته وصراعه بين الإفصاح والإضمار، والانكشاف والإخفاء.

لا ينهج كيليطو هذا النهج فحسب استجابة لقول صاحب اللزوميات:

“ويعتري النفس إنكار ومعرفة      وكل معنى له نفي وإيجاب”

وإنما تقيدا بمفهوم المعري عن الكتابة.

ذلك أن الكتابة عند شاعرنا لا تهدف إلى القول بقدرما ترمي إلى صد القول، إنها صراع عنيف عنيد مع ما لا تجوز كتابته، وما لا ينبغي قوله. فالإفصاح عند المعري لا يعني بالضرورة الوضوح والشفافية:

نقول على المجاز وقد علمنا        بأن الأمر ليس كما نقول

لهذا يؤكد أبو العلاء، أكثر من مرة، “أن لديه سـرا لا يود أو لا يستطيع إفشاءه:

ولدي سر ليس يمكن ذكره    يخفى على البصراء وهو نهار

وأيضا:

بني زمني هل تعلمون سرائرا     علمت ولكني بها غير بائح

كون السر يخفى وهو نهار، وكونه معلوما من غير البوح به، ذلك ما يدفع المعري إلى الكتابة.

بوده أن يخلد إلى الصمت:

“لو قبل النصح لساني ما نبس”

غير أن اللسان لا يمكن أن يجبر على السكوت إنه “يأبى إلا أن ينطق فيفلت من سيطرته ويفشي سره” وحتى إن هو لاذ بالصمت فإنه لا يرضى بهذه الحالة فيشعر بالحاجة إلى الإعلان عنها أو الإيحاء بها. ومعلوم أن مجرد الإيحاء بخطاب غائب هو دعوة لاستحضاره، للتنقيب عنه والكشف عن حروفه الخفية “إن الصمت ليس بصمت ما دام هناك لفظ يومئ إلى وجوده”[48].

هذا الصراع بين الإفصاح والإضمار، بين الكلام والصمت ليس مجرد رغبة عابرة ولا هو مجرد وسيلة تشويق وإنما هو عائد لبنية السر ذاتها. ذلك أن السر لا يكون سرا إلا إذا عرف، لكنه لا ينبغي أن يعرف إلا كسر، أي أن يعرف كشيء لا يعرف. فمعرفى السر تعني الحفاظ عليه، لكن الحفاظ عليه لا يعني السكوت عنه، لا يعني الصمت وإنما محاولة الإفصاح عنه، وهذا لا يعني إفشاءه، وإنما محاولة إظهاره كسر وكشفه كاختفاء/

ومن تأمل أقوالي رأى جملا    يظل فيهن سر الناس مشروحا

نحن أمام شاعر يجد نفسه مضطرا لأن يفصح كي يخفي، وأن يخفي كي يظهر. إنه متورط في الكتابة على رغمه، لكن ليس في أي صنف من الكتابة، بل في الكتابة الماكرة التي تغلف القول وتبعد معناه عن المباشرة:

وليس على الحقائق كل قولي     ولكن فيه أصناف المجاز

بل وتعتبر أن القول يخفي أكثر مما يظهر: “وإذا رجع إلى الحقائق فنطق اللسان لا ينبئ عن اعتقاد الإنسان” فـ”ربما كان الجاهل أو المتجاهل ينطق بالكلمة وخلده بضدها آهل”.

هذا الالتباس أمر كان النقاد الأقدمون قد تنبهوا إليه فقد كتب أحدهم أن المعري “لم يقتصر على ذكر مذاهب المتشرعين، حتى خلطها بمذاهب المتفلسفين، فتارة يخرج ذلك مخرج من يرد عليهم، وتارة يخرجه مخرج من يميل إليهم، ربما صرح بالشيء تصريحا، وربما لوح به تلويحا”.

إذا كان أشخاص ألف ليلة وليلة ينقذون حياتهم برواية حكاية من الحكايات، وكان أشخاص الغفران ينالون المغفرة “بفضل بيت من الشعر أو أبيات قلائل أنشؤوها تعظيما للدين أو حثا على عمل الخير”[24]، فإن المغربي لم يستطع أن يحفظ نفسه إلا بالمحافظة على سره، ولم يستطع أن يحافظ على سره إلا بممارسة نوع معين من الكتاب كان هدفها الأساس إقامة نوع معين من الكتابة كان هدفها الأساس إقامة سد منيع ضد ما لا تجوز كتابته.

هذه الكتابة التي كانت تهدف إلى أن تحفظ للسر بنيته وتجعله “يخفى على البصراء وهو نهار” لا شك أنها كانت طريقا صعبة تحفها المخاطر ويطبعها التوتر الذي يظهر أنه أصيب قبيل وفاة الشاعر بنوع من الفتور مما جعله يملي “على بني عمه غير الصواب” فإذا بهم “يقومون بكبت أقواله الأخيرة وطمسها، معتبرين إياها هذيانا لا يجوز بحال من الأحوال صيانته ونشره بين الناس”، أي لا ينبغي عده ضمن كتابات المعري، وبالضبط لأنه لم يعد يحفظ السر.


 


(*) قراءة في كتاب أبو العلاء المعري أو متاهات القول لعبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2000.

عن موقع منبر   الجابري عابد