الاصلاح والتغيير شرعا ووضعا ضرورة مجتمعية…

مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعء 2 ابريل 2014

قال تعالى  على  لسان النبي شعيب حيث قال لقومه (يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد ان أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب)….

وقال تعالى: {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}

 وقال تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ 

 

…..فالإصلاح كما يقولُ أهل اللغة   نقيضُ الإفساد،  ويقابله في القرآن والاحاديث النبوية  الفساد  …والإصلاح    يتطلب حمل فكرة او منهجا ورؤية  صالحين  وقدرة على فهم الفساد وتمييزه  موضوعا واسبابا ومالات.. كما يتطلب عزيمة لتحويل المشروع الاصلاحي الى بديل بالواقع في افق التغيير  الذذي  يحقق المصلحة العامة ،والاصلاح لايتم على الوجه الافضل اذا كانت نية الذي يدعيه  فاسدة او كان هو نفسه مفسدا يتذثر بزي الصلحاء والمصلحين ..لهذا وجب عقلا وشرعا اصلاح النفس وتقويمها وتحصينها من الغرور والانحراف والانتهازية والانانية حتى يكون العمل عقلا يحقق مصلحة الناس وشرعا يحقق اضافة الى مصلحة الناس ابتغاء مرضاة الله  .. …….وبهذا يمكن القول ان  الإصلاح هو كل تغيير نتحول فيه نحو الأحسن سواء تعلق الامر    بالافراد او الجماعات او الامم…

..ومن المسلم به ان البشرية عبر تاريخها الطويل كانت تعمل  وتسعى -حسب خبراتها وفهمها – من اجل اصلاح  وتغيير ظروف العيش والعمل والحياة  بتطوير الافكار والمعارف بالفهم والتاصيل  …ففي كل مرحلةو الى ان يرث الله الارض ومن عليها  اشتغل ويشغل وسيشتغل الناس جميعا  كل حسب ادراكه ومستواه ودرجات تجربته وافكاره من اجل اصلاح ما يرون  انه  فاسد ..او انه صالح يحتاج الى الاصلح …فيعتمد في ذلك على سياسات وفلسفات ومعتقدات وعلوم وخبرات و…..قد تكون متناقضة في مرجعياتها او متنافسة او متكاملة … لكن عموما توجد قواسم اخلاقية وفكرية حول الاصلاح ومتطلباته وطبيعته …فالقديم اليوم هو جديد امس والمستجد اليوم قد يصبح متجاوزا في الغد القريب او البعيد وذلك من حكم الله في الخلق وفي سنن التدافع والتكامل والتواصل بين الحضارات والتجارب الانسانية وعينا بذلك او لم نع …….

….وفي طريقة الاصلاح و التغيير هناك من يعتقد  بأنه  لا  يتحقق  إلا بإصلاح القيادات التي تحكم  الدول والمؤسسات والمنظمات ،  فتختزل العملية في المنطق الانقلابي الذي يتطلب ازالة المسؤولين من مسؤولياتهم وتعويضهم بوجوه اخرى فقط دون  فهم لحالة الفساد وطبيعة الاصلاح وطبيعة البدائل  مما يؤدي الى التناوب على الفساد والافساد ليس الا…، وهناك من يتبنى للاصلاح من اجل  التغيير   التوجه للقواعد باصلاحهم واقناعهم وكذا اشراكهم في العملية برمتها …ونجد في هذا الصنف من يقوم بذلك ايمانا واقتناع وصدقا ومن يقوم به في استغلال للناس الذين طالهم ضرر الفساد لتجنيدهم من طرف نخب تدعي الصلاح حتى يستتب لهم الامر فينكشف ما اخفوه عن  الناس.. بل قد يتهمونهم ان خالفوهم الراي  بانهم ضد الاصلاح ومتامرين وخونة ولم لا حتى مارقين ومبتدعة واحيانا يتهمون بالكفر والخروج على الحاكم … وما يحير العامة ان لكل فريق من هؤلاء حججهم  التي يؤسسون عليها احكامهم وسياساتهم وقراراتهم  ..فمرة يعتمدون من القران او السنة ما يدعم رايهم في الاصلاح ومرة يستندون على نصوص تفرض الطاعة والخضوع والانصياع للحكام المفسدين …

ويقوم البعض عمدا  بتقسيم تعسفي سياسوي للمطالبين بالاصلاح الى  مسلمين من جهة   والى علمانيين واشتراكيين  وليبراليين بايهام المتلقي  بان الصنف الثاني كلهم غير مسلمين وهذا منتهى فساد الراي والعقل والبصيرة وجهل بسنن الله في خلقه للانسان الذي كرمه بالعقل وما يحمله من دلالات نفسية وفكرية ومعرفية وتدبيرية و…..فالاصلاح ان تحققت ووضحت  اهدافه وطرق انجازه بخدمة الناس ومصالحهم وظروف عيشهم وتنمية قدراتهم ما لم يخالطه حرام او ما يناقض الشرع فهو عين المطلوب ايا كان مصدره وعقيدة منشئه … وان كان هناك افساد وفساد من اي كان فلا ينفع معه ايمان ولا دين ليصبح صلاحا لمجرد اسلام صاحبه فالفساد فساد ايا كان المعتقد …

أن الشريعة تتضمن ضوابط واليات  الصلاح والاصلاح لكن تجاربنا ومستوى الادراك عندنا ودرجات التشبع والاقتناع به اضافة الى متطلبات الواقع المتجدد من اجل التكامل بين العقل والنقل ايجابا رهين بفهمنا العميق لاهداف الاصلاح ومنظومانه انيا ومرحليا وعلى المدى المتوسط والبعيد .لتجنب السقوط في مطبات ادعاء الايمان دون الوعي به في اعتقاد ان ذلك هو المطلوب وذلك هو الهدف ……

…ان  الإصلاح  والتغيير يتطلب المعرفة  بالتعليم  والتعلم والتربية  والممارسة  وخلق تراكم له في واقع الناس يجعلهم مقتنعين به وبمن يدعو له ويعلمه الناس ….لان ادعاء الاصلاح ومحاربة الفساد  من قبل المسؤولين وتقديم الوعود بذلك للعامة وافراز نقيضه بعد تحمل المسؤولية قصدا او جهلا لاشك انه لايخدم لا الاجتهاد البشري الساعي الى التطور وبناء المجتمع العادل والمنصف ولا شرع الله الذي اساسه العدل على كل المستويات ذاث الصلة بالحياة اليومية للناس سياسة واقتصادا وتعليما و….

. ولقد اوضح الامام المجدد محمد عبده ان الاصلاح لايمكن ان يتم مادامت شعوبنا جاهلة وامية ويستشري فيها التخلف ومتزمته ومتعصبة ورافضة لكل ما هو مخالف لرايها ولوكان هو الاصلح وتهتم بالقشور والشكليات وادمان المهاترات واصدار التهم والاحكام الجاهزة  لمواجهة كل ما هو متنور ومتجدد ولو كان من صميم العقيدة ومن روح الصلاح والاصلاح فقال ..     « لابد من قرون تبث فيها العلوم، وتهذب العقول، وتذلل الشهوات الخصوصية، وتوسع الأفكار الكلية، حتى ينشأ في البلاد ما يسمى بالرأي العام، وبذلك نصل إلى مستوى ديموقراطي سليم كمستوى أمريكا، وعند ذلك نستحق ما تستحق أمريكا»

فالضرورة الشرعية  تثبث  بالقرآن  والاحاديث النبوية الشريفة من مثل قوله تعالى: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}

والضرورة العقليةوالانسانية منبعها الفطرة المهذبه التي فطر بها الله الناس ومنحهم العقل لادراك وتمييز الصالح من الطالح والحميد من الخبيث وما ينفع مما لاينفع وما يؤدي الى البناء وما يؤدي الى نقيضه…

فباب الصلاح والصلاح  يكون بالتوبة والعودة الى النفس بالاعتراف والتعرف على الاخطاء وتصحيح ما يتطلب التصحيح وتغيير ما لايتم الاصلاح الا به  وممارسة محاسبة النفس و النقد الذاتي المولد للعمق المعرفي بالوضع الخاص والعام …

 و عند الحديث عن  الأصلاح الدينى فلا يجب ان يؤول او يفهم على انه  يعنى الاصلاح فى مجال العقيده الدينيه ذاتها ولكنه يعنى تصحيحا للفهم وللمفاهيم الخاطئه فى مجالات التفكير الدينى و التى اختلطت عند البعض بما جاء الدين اصلا لتصحيحها من امثال الخرافات والبدع الفاسدة عقلا وشرعا والتواكل  والجمود المخالف للسنن الالهية وكل ما يؤدي الى التخلف والتحجر والجمود والانعزالية  .. و ايضا تطهير الدين و الممارسات الدينيه من بعض البدع و الخرافات و الطقوس  الموغلة في الجاهلية…

 

 ان الانبياء والمرسلين  جاؤوا من اجل  الاصلاح  والتغيير  بالاسترشاد بالوحي ونور العقل   و العلم جامعين بين ما هوصالح مما سبقهم من الامم وما هو افضل لصلاح الناس في ازمنتهم ..قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

كما انهم اعتمدوا المقاربة التواصلية البناءة من اجل التربية على اصلاح النفس كما المجتمع ..ولم يكونوا قط عنيفين ولا متسلطين ولا مستبدين..  قال تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ

 

إننا ونحن في زمننا هذا نعيش وسط امواج الفكر المتزمت والمتعصب  والتكفيري مطالبون ومدعوون إلى خوض حركة تصحيح شاملة  وعلمية وممنهجة لتنوير الناس  بثقافة السلم والتسامح ونبذ كل اشكال العنف الكلامي والمادي و….والانفتاح على كل ما هو طيب ومبارك ومفيد للناس كافة ..  فالقهر والقمع والترهيب ليس  أسلوباً معتمدا في الايمان الديني ولا يصح ايمان المكره ولايدخل الجنة كما لايخرج من النار …………

…. ونختم بقوله  تعالى الذي يجمل بعض حقائق واقع صنف من الناس  : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ

فالله نسال ان ييسر لنا سبل الاصلاح ويوفقنا في مساعينا ويهدينا جميعا الى مافيه خير الناس دنيا واخرة …

 

..