عن التضليل باسم التحليل

 

 بقلم محمد إنفي

نقصد بالتضليل (مصدر ضلَّل) الخداع والغش والتمويه والخلط وما إلى ذلك؛ أي القيام بدفع الغير إلى الاعتقاد في صواب أمر هو غير صائب، وذلك بواسطة تحريف الوقائع وتزييف الحقائق، لإيهام هذا الغير بأن الحقيقة المزيفة المقدمة له هي الحقيقة بعينها. وبمعنى آخر، التضليل هو الدفع إلى طريق الخطأ لتبني مواقف أو اعتناق أفكار أو إصدار أحكام بناء على حيثيات مغلوطة واستنادا إلى معطيات غير صحيحة، لكنها تقدم على أنها الحقيقة.
أما التحليل (مصدر حلًّل)، فيعني تفكيك الشيء إلى أجزائه وتبيان وظيفة كل منها. وبمعنى آخر، فهو عملية تقسيم الموضوع الخاضع للتحليل إلى عناصره وأجزائه، حتى تكتمل الرؤيا وتتضح الصورة بجلاء حوله. فتحليل الذات، مثلا، هو دراسة المرء لذاته وعواطفه. بمعنى أن التحليل، في أي مجال كان، هو للتفسير والتوضيح حتى يكتمل الفهم وتتم المعرفة وتحصل الفائدة. وإذا كان من المطلوب أن يُتخذ موقف ما بعد التحليل، فإن ذاك الموقف سيكون مُؤسَّسا على اليقين الذي حصل (ولو نسبيا) بعد أن تمت الإحاطة بكل جوانب الموضوع، ومعززا بالمعرفة (ولو جزئيا) بالحيثيات والملابسات المرتبطة به.
وقد اخترت أن أتحدث عن هذا الموضوع (موضوع التضليل بواسطة خطاب يُقدَّم على أنه تحليل) بشكل عام ومجرد؛ أي دون التركيز على مثال (أو أمثلة) محدد(ة) من التحاليل التي تعمل على تضليل القراء (أو المستمعين أو المشاهدين، حسب وسيلة التواصل المستعملة)، سواء من خلال تقديم صورة (أو صور) وردية لواقع مأساوي بهدف إخفاء مظاهره أو بعضها على الأقل، أو من خلال عرض صورة (أو صور) سوداوية لواقع ليس بذلك القدر من السواد ومن البؤس.
وسوف لن يكون عسيرا على القارئ أن يجد – في قراءاته اليومية (سواء في الجرائد الورقية أو الإليكترونية أو في المواقع الاجتماعية) أو فيما سمعه من تعاليق وخطابات أثيرية أو فيما شهده من برامج حوارية- ما يكفي من الأمثلة ليؤثث بها قراءته لهذه المساهمة المتواضعة التي أوحت لي بها بعض الكتابات التي يعتبرها أصحابها تحاليل، أو على الأقل يقدمونها كذلك، بينما هي أبعد ما تكون عن مستلزمات التحليل وعن التناول الموضوعي للقضية المطروقة. وكثير من هذه الكتابات، يمكن أن نصنفها، دون الخوف من الوقوع في الخطأ، إما في خانة الارتزاق (ونقصد، هنا، الأقلام التي تُلمِّع صورة أصحاب النفوذ والمال وتُدبِّج مقالات لتبرير قرارات الحكام، بعد أن تصفها بالحكيمة والشُّجاعة، حتى وإن كانت صادمة ومخيبة للآمال ومجحفة في حق الفقراء والمساكين ومخلة بالوعود والالتزامات…، بل ومخلة حتى بالقوانين، وعلى رأسها القانون الأسمى في البلاد، ألا وهو الدستور) أو في خانة الخواطر والهواجس التي يغذيها الغل والحقد وينعشها التحامل…للنيل من الأشخاص أو من التنظيمات المجتمعية، سياسية كانت أو اجتماعية أو حقوقية أو غيرها…!
وتدخل في هذا الباب بعض الكتابات التي تصنف فيما يعرف بوجهات النظر. فوجهة النظر، إما أن تكون محايدة وإما أن تكون متحيزة. وتقتضي الحيادية التناول الموضوعي لقضية ما بناء على معطيات دقيقة واعتمادا على مصادر موثوقة. وعند وجود تعارض بين هذه و/ أو تلك أو بين الآراء المُكَوَّنة على أساسها، فالحيادية تقتضي عرض كل الآراء دون تقديم أي منها على أنه الحقيقة، وإلا سقطنا في التحيز. والتحيز، لا يخرج عما قلناه في الفقرة السابقة فيما يخص الأقلام المرتزقة أو الأقلام المتحاملة؛ مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة تعتمد كثيرا على الإشاعة، اختلاقا وترويجا. وكلا السلوكين مضلل ومقترف إثم التغليط العمد. إنه جرم أخلاقي وحقوقي وسياسي واجتماعي…وبمعنى آخر، فهو اعتداء على الغير، بكل ما في الكلمة من معنى!!!
وربما لهذا السبب، اعتبر الشهيد «عمر بن جلون» التضليل»أداة من أدوات القمع»؛ ذلك أن المضلل يعتمد الخداع والكذب ويروج لمعلومات مغلوطة بهدف إخفاء الحقيقة وتغليط الرأي العام وأساسا الجماهير الشعبية؛ مما يعتبر اعتداء على حق من حقوقها الأساسية، ألا وهو الحق في المعرفة. ولوسائل الإعلام دور خطير في هذا الباب. فهي، إما أن تقوم بوظيفة التنوير وتحرير العقل والتفكير من القيود المترسبة ومن الأفكار الخاطئة… وإما أن تقوم بوظيفة التضليل بممارسة الخداع والكذب وترويج الإشاعة. وتحضرني، هنا، بعض الملفات الصحفية التي تتخذ لها عناوين معبرة وموحية من قبيل «الاعترافات» و»المذكرات» و»التحقيقات»…لكن، حين تقرأها، تكتشف أن أصحابها يعتمدون خلط الأوراق وتشويه الحقائق لأهداف قد تكون معلنة أو غير معلنة، وقد تكون ذاتية أو من أجل تقديم خدمة لجهة (أو جهات) معينة.
وتزداد خطورة الوضع، حين «يُدَرَّحُ» هذا كله بآراء لأناس يُقَدَّمون على أنهم خبراء ومتخصصون إما في التاريخ أو في العلوم السياسية أو في تحليل الخطاب، أو في غيرها من العلوم الإنسانية والاجتماعية، أو حين يزعم منبر من المنابر الإعلامية بأنه يقدم «تحقيقا» في نازلة معينة (ويكون التحقيق، كفن من فنون التقرير القائم على الحقائق والمعلومات من مصادرها، منه براء)، فيتخفى التضليل في عباءة التحليل أو في رداء التحقيق. وهذا ما دفعني في ماي 2013 إلى إطلاق صرخة بعنوان « لا لثقافة الخلط والتضليل ولا لخطاب التهويل والتطبيل» (انظر «هسبريس»، 31-5- 2013). وقبل ذلك، أي في مارس 2013، كتبت مقالا بعنوان «احتراف التلفيق باسم التحقيق…» (انظر»تلضي بريس»، 1 مارس 2013)، بينت من خلاله، بالحجة والدليل، مدى تحامل المنبر الإعلامي، صاحب «التحقيق» المشبوه، على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومدى تحيزه للجهات التي تناصب العداء لهذا الحزب، وتعمل جاهدة على النيل من سمعته ومن تاريخه النضالي لأسباب لا يتسع المجال، هنا، للخوض فيها.
وحتى لا يعتقد البعض أني، بهذا الموقف من المنبر المشار إليه (وهذا ليس هو الموقف الوحيد الذي لي معه، بسبب تلفيقاته المتكررة ضد حزب القوات الشعبية)، أرفض النقد وأتعصب للحزب الذي أنتمي إليه (بكل فخر واعتزاز)، أود أن أنبه إلى أني أميز بين النقد وبين الانتقاد (حتى لا أقول بين النقد والافتراء). فالنقد، كما هو متعارف عليه، يلتزم الموضوعية قدر الإمكان، وهو، في كنهه، هادف وبنَّاء. أما الانتقاد (أو النقد غير الموضوعي)، فهو يستقصد الآخر ويتهمه بشتى أنواع التهم ويحمله كل الأخطاء؛ وذلك بدافع الانتقام والتشفي… وحتى لا نبتعد عما يُكتب عن حزب الاتحاد الاشتراكي وعن قيادته، نشير إلى أن هناك كثيرا من الكتابات، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تفتقد إلى الموضوعية والحيادية، وبالتالي إلى المصداقية. وهي لا تهدف إلا لشيء واحد: تصفية حساباتها إما مع الأشخاص وإما مع التنظيم كله، وذلك إما لأسباب ذاتية أو لأسباب سياسية.
ويكتسي أمر التضليل خطورة خاصة حين ينضاف، إلى ما هو سياسي، ما هو ديني. لقد أصبحت منابر بعض مساجدنا مجالا لتمرير الخطاب السياسي بلبوس ديني لتصفيات الحسابات مع الخصوم السياسيين، دون مراعاة لحرمة المكان وقدسيته ولا لتنوع المشارب الفكرية والسياسية والثقافية للمصلين. فكم من خطيب لا يتورع عن تحريف أقوال خصوم الاتجاه السياسي الذي يتعاطف معه (أو ينتمي إليه) حتى يجعل منهم زنادقة وفُسَّاقا وفُجَّارا وملحدين، الخ. وبهذا، يُلبس المتكلم خطابه التضليلي رداء الدين والتدين، فيصبح خطابا تحريضيا قد يصل به الأمر إلى مستوى التحريض على القتل.
بالمقابل، تجد هؤلاء الخطباء يدافعون ويرافعون بقوة، ولو بطرق غير مباشرة أحيانا، عن قرارات حكومية موجعة وظالمة في حق الضعفاء والمساكين؛ لكنهم، يبحثون لها عن تبريرات ويجدون لها مسوغات؛ وذلك، لسبب بسيط، هو أن هذه القرارات صادرة عن حكومة يرأسها حزب العدالة والتنمية الذي يوظف الدين في السياسة بادعائه المرجعية الإسلامية. فرغم أن العدالة الوحيدة التي حققها الحزب المذكور إلى الآن هي عدالة توزيع البؤس على من هم بؤساء أصلا، فإن المدافعين عنه لا يرف لهم جفن وهم يحرفون الحقائق وينشرون الأوهام ويتسترون على فشله الذريع في تحقيق ولو جزء يسير مما وعد به سواء خلال الحملة الانتخابية أو عند تقديم البرنامج الحكومي. أما فيما يخص التنمية، فالشيء الوحيد الذي ينمو مع هذه الحكومة، هو الفقر والحاجة، بالإضافة إلى التراجع عن المكتسبات السياسية والاجتماعية والحقوقية… التي حققها الشعب المغربي بفضل نضالاته وتضحياته الجسيمة؛ مما جعل ترتيبنا بين الدوال يتراجع درجات إلى الخلف في مجالات متعددة.
خلاصة القول، يتخذ التضليل عدة أوجه ويتعامل المضللون بمنطق الغاية تبرر الوسيلة، فيستعملون كل الوسائل (بما فيها الدنيئة، كالكذب وغيره) التي تساعدهم على تحقيق أهدافهم. ويصبح الخطاب الديني (وليس الدين)، في بلدنا الذي تنتشر فيه الأمية والجهل والفقر…، أخطر وسيلة للتضليل على الإطلاق. فبحكم قدسية أماكن العبادة وبحكم الثقة التي يضعها الشعب المغربي في علمائه وفقهائه، يصبح خطاب هؤلاء، بالنسبة للكثير، معادل للحقيقة. ويستفيد الخطباء «الدنسيون» (موظِّفو الدين في السياسة) من هذه الوضعية، فيقدمون الخصم السياسي في صورة شيطان؛ في حين يصل ببعضهم الأمر إلى تقديم السياسي الذي يتناغمون مع توجهه في صورة نبي، حتى لا نقول ملاك. فمثلا، نجد، في الوقت الذي انحاز فيه السيد «بنكيران» إلى أصحاب النفوذ والمال والجاه… ووجه ضرباته الموجعة إلى الفئات الفقيرة والمحرومة من خلال قرارات لا تزيد إلا في تأزيم وضعيتهم الاجتماعية الهشة، نجد من يريد أن يجعل منه نبي عصره وحكيم زمانه…! فهل هناك خطاب تضليلي أخطر من ذاك الذي استغل منبر المسجد في يوم الجمعة لتشبيه رئيس حكومتنا الفاشلة بخير البرية، نبي الرحمة، محمد صلى الله عليه وسلم؟؟ !!!

3/4/2014

عن جريدة .ا.ش