خبراء يجمعون على ان المجلس الدستوري لا يرقى الى المرحلة ولا يستوعب روح دستور 2011 استمرار عمل الحكومةبالبرنامج

الحالي يهددها بالانفجار

  

عقد الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلسي البرلمان لقاء دراسيا حول «القضاء الدستوري ورهانات التحول الديمقراطي» احتضنته مدينة مراكش زوال السبت الماضي. واكد نور الدين مضيان رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب ان هذه الحلقة الدراسية تندرج ضمن استمرار دينامية الفريقين بين الدورتين التشريعيتين، حيث تم اختيار هذا المحور لما يكتسبه من راهنية وانشغال لدى الجمعيات والهيئات والمنتديات التي فتحت بشأنه لقاءات ونقاشات أفضت الى توجيه انتقادات لقرارات صادرة عن المجلس الدستوري بدءا بالنظام الداخلي لمجلس النواب وانتهاء بقرار إلغاء نتيجة المقعد النيابي لدائرة مولاي يعقوب والذي آل الى مرشح حزب الاستقلال حسن الشهبي.
وعبر نور الدين مضيان كذلك ان اختيار هذا المحور يندرج ضمن الاقتناع الراسخ بمبدأ سمو أحكام الدستور لتحصين حقوق الإنسان والحريات العامة واحترام إرادة الناخبين في سياق استحقاقات بمجريات نزيهة وشفافة، وبذلك تنتصب عدة استفهامات من قبيل الى اي حد ساهم القضاء الدستوري في بناء دولة القانون والمؤسسات وتحصين الحريات المدنية والسياسية؟ ولأي مدى تمكن من مجاراة روح الإصلاح الدستوري واحترام متطلبات السند القانوني؟
وفي الاتجاه ذاته اوضح محمد الأنصاري رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس المستشارين ان قيادة الحزب اختارت بتنسيق مع الفريقين مدينة مراكش الغراء من اجل التلاقي وفتح المجال لمحور يستأثر بالنقاش لدى المتتبعين للشأن القانوني والسياسي وهو المحكمة الدستورية، مشيرا الى ان من أسباب اللقاء مشروع القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية الذي أحالته الحكومة على البرلمان وقرار المجلس إلغاء المقعد الذي فاز به الحزب.
واعتبر ان هذه المستجدات وخصوصا مشروع القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية استاثرت بنقاش واسع من الحقوقيين والسياسيين على اعتبار ما يعتري ذلك من اختلالات وثغرات ستشكل ورطة إذا لم يسد المشرع تلك الثغرات، لا سيما وان المحكمة الدستورية مؤتمنة على القوانين الدستورية والتنظيمية وسيتاح لكل مقاضي ان يطعن في دستورية قانون ما مما يخول لهذه الهيئة دورين مزدوجين.
وتابع قائلا لقد اردنا ان نفرمل تلك الاختلالات حيث قدمت المعارضة بالغرفة الثانية 15 تعديلا، وبالتصويت عليها سيرجع مشروع القانون التنظيمي للغرفة الاولى كي يفتح النقاش حوله من جديد.
وانطلق الحسين اعبوشي في عرضه تحت عنوان «دور القضاء الدستوري في توطيد دولة القانون في الأطوار الانتقالية» من استفهامات حول هوية القضاء الدستوري ومدى تفعيله دوره في حماية الدستور واحترام الشرعية الدستورية، وهل استوعب روح دستور 2011 ام لا يزال مستمرا في المنهج السابق للعمل وبالتالي هل يحقق الامن الدستوري والثقة على مستوى القرارات التي تصدر عنه؟
واعتبر المتدخل ان هذه الاسئلة جوهرية على اساس ان الدستور عول على هذه الهيئة كثيرا في تدبير المرحلة الانتقالية.
اثر ذلك اكد ان المجلس الدستوري على مدى سنوات عمله اصدر 934 قرار من بينها 140 قرار بعد دستور 2011 مشيرا الى ان القضاء الدستوري لا يزال يبحث عن نفسه ويدبر بالفصل 176 في إطار المرحلة الانتقالية.
ولاحظ استنادا على تحليله لعدد من القرارات من بينها قرار 817 المتعلق بتمديد انتداب ثلث اعضاء مجلس المستشارين والقرار المتصل بالنظام الداخلي لمجلس النواب ان المجلس الدستوري يحاول كمتتبع ان يعطي إجابات ولو لم تُطلب منه ويرمي بنفسه في معتركات ومنازعات تساهم في التأثير عليه خاصة التجاذبات والصراعات الدائرة في الأوساط الحزبية.
من هذا المنطلق سجل ان المجلس الدستوري لم يرق الى مستوى المرحلة التي طبعتها متغيرات ما بعد دستور 2011 لتوطيد دعامات دولة القانون.
واتصالا بقرار إلغاء المقعد الانتخابي لدائرة مولاي يعقوب رقم 934 اكد ان هذه النازلة أثارت نقاشا وجدلا واسعين في الأوساط السياسية والإعلامية على اعتبار انه قرار ينطوي على حمولة خطيرة وغير مسبوقة، تتضح جليا عند تمحيص المادة 89 من الدستور والمتعلقة بدواعي او حالات إلغاء نتائج الاقتراع، ولا يرد ضمنها اي إشارة حول الخطاب السياسي او مضمونه، وفي غياب الحالات المنصوص عليها اعتمد المجلس الدستوري على القياس لمعالجة نازلة حول قرص مدمج وجد المَخرج منها عبر تكييفها ضمن وسائل السمعي البصري وابتداع لفظة «تحقير»، وهي معالجة ضعيفة السند على المستوى القانوني فضلا عن إقحام شخص لا علاقة له بالطاعن والمطعون.
لهذا عاد المتدخل ليؤكد ان القرار يحمل خطرا على مراقبة السلوك الانتخابي والحياة السياسية،
وتزداد الخطورة تجليا عند محاولة البحث عن العلاقة السببية بين هذا السند والتأثير على الهيئة الناخبة يوم الاقتراع وتوجيهها للتصويت لفائدة الشخص الفائز ضد الشخص الذي قدم الطعن، متسائلا هل كان الذين أنصتوا فعلا للخطاب هم الذين أدلوا بأصواتهم في الصناديق؟
هذه الوقائع أدت بالمتدخل الى بلوغ عدة استنتاجات منها ان عددا من المؤسسات تعرف استمرارا للسلطوية في الذهنيات والسلوكيات وتمارس اختصاصات أوسع من مجالها وتمارس العمل وفق روح الدستور السابق، فيما تحتاج المرحلة الانتقالية الى مؤسسات تدبر المرحلة في احترام للقواعد الديمقراطية وتساهم في تبديد عوامل القلق والتردد التي عادة ما تشوب مراحل الانتقال.
وأوضح منار السليمي في مستهل تدخله ان وظيفة القضاء الدستوري هي ضبط التوازنات بين المؤسسات.
وسجل عدة ملاحظات منها ان رئيس الحكومة يجد صعوبة في ممارسة صلاحياته ويلبس بذلة الوزير الأول في الدستور السابق مضيفا ان المشهد يتسم بهيمنة الحكومة على البرلمان وتوجه الحكومة نفسها نحو اعتبار البرلمان غير مؤهل وانها مؤهلة أكثر ما يفتح المجال لوصايتها عليه.
ونبه الى ما اعتبره أخطاء تمارس من البرلمان من قبيل إحالة الحكومة المخطط التشريعي والذي هو في صلبه عمل داخلي لكن البرلمان قبله ليتحدث عن خطا آخر وهو ان الجلسة الشهرية تقدم للشارع وليس للبرلمان.
وقال ان قرار المجلس الدستوري رقم 829 ينطوي على خطورة كبيرة حيث يدفع بان المجالس الاستشارية غير خاضعة لأي سلطة ولا يمكن لرؤسائها ان يحضروا لجن البرلمان، لكن االمقارنة بالتجارب الدولية توضح ان هذا الاتجاه غير صائب.
وبخصوص قرار المجلس الدستوري رقم 931 المتعلق بالتنصيب الحكومي فقد اعتبر ان هناك تاويلا خاطئا للفصل 47 من الدستور بحيث لم يتم توضيح ماهية التنصيب، هل تهم البرنامج الحكومي ام الاعضاء الحكوميين؟ وذهب الاجتهاد حسب تعبيره الى اعتبار ان الحكومة مادامت لم تغير برنامجها الأصلي فلا مجال للمثول مجددا أمام البرلمان، وفي ظل إعداد الحكومة لبرنامج جديد يلزم رئيس الحكومة المجيء الى البرلمان من اجل طلب الثقة مجددا، وأشار في هذا الصدد الى ان الحكومة يصعب عليها الاستمرار بالبرلمان الحالي وإلا ستتعرض لانفجار.
وأضاف منار السليمي ان تاريخ القضاء الدستوري لم يسبق ان شهد ضعفا مماثلا لاسيما حين اعتبر ان اعمال اللجن الدائمة بالبرلمان تحضيرية، ولم يفته خلال حديثه عن قرارات المجلس الدستوري التطرق للقرار 934 والذي قضى بإلغاء نتائج دائرة مولاي يعقوب حيث اكد ان القرار ينطوي على مخاطر موضحا ان الدعوى الانتخابية شخصية والحال انه في هذه النازلة تم إقحام أمين عام لتنظيم حزبي وهو شخصية رمز فضلا عن تساؤله عن العلاقة بين شعارات رفعت ونتائج أفرزتها صناديق الاقتراع، واختيار المجلس لفظة «تحقير» والتي تستوجب التوفر على إثباتات.
وأضاف ان تحديد هوية القرص المدمج طرح في حد ذاته اشكالية واستفهامات كذلك، فعلى ماذا تم الاعتماد في فحص القرص وهل يرتقي الى درجة وسيلة إثبات وهل قرأه خبير؟ ليخلص الى القول ان هذه الحالة تفتح المجال أمام إحالة شاحنات من الأقراص المدمجة في استحقاقات موالية على المجلس الدستوري.
كما سجل ان المجلس الدستوري اعتمد في احد قراراته عبارة «الشعب المغربي»بشأن الاستفتاء فيما تمت دعوة المغاربة للاستفتاء بصفة» مواطنات ومواطنين»، معتبرا ذلك احد المنزلقات والتي تطرح سؤالا كذلك حول الشرعية التي استمدها من اجل تمديد تمثيلية ثلث مجلس المستشارين.
واستنتج بناء على ما تقدم ان المجلس الدستوري يعبر عن توازنات 2007 وليس 2011 ويشتغل بعقلية سنة 1996.
من جهته اعتبر عبد الرحيم المصلوحي ان المجلس الدستوري أضحى فاعلا من الفاعلين السياسيين في المرحلة الراهنة نظرا لما تنطوي عليه قراراته من بعد سياسي وتأثيرهامن جهة في رسم الخريطة الديمقراطية واجهازها من جهة ثانية على مكتسب الدستور المتقدم، مشيرا الى انه على مدى عشرين سنة من عمر هذه الهيئة يمكن القول ان القضاء الدستوري اخفق في الوظيفة الأساسية وهي حماية الدستور، والذي عزز النظام البرلماني وأبرز دور المؤسسة وهياكلها في التشريع وأناط بالأحزاب دور التأطير، والمفترض ان يواكب الاجتهاد الفقهي الدستوري هذا التوجه، وهو ما يفنده الواقع حيث ان القوانين العادية التي أحيلت على الهيئة لا تتجاوز العشرة ما يعكس المدى لضبط الخريطة السياسية.
ولاحظ ان البرلمان كان سيقع ضحية قراءة متعسفة بحرمانه من حقه الطبيعي في التشريع على مستوى مقترحات القوانين التنظيمية، وهو حق زكته المبادرة الملكية، مقابل ذلك ذهب المصلوحي الى اعتبار ان الحكومة والمجلس الدستوري لهما تأويلات ضيقة لفصول الدستور.
ونبه الى ان قرار المجلس رقم 934 ضعيف في سنده وفي قياسه الذي ربط القرص المدمج بوسائل الاعلام، وهو ما فتح الباب للنقاش والنقاش والانتقادات، شان ذلك ما ذهب اليه المجلس حول تعيين الأمين العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي واستقلالية المؤسسات عن رقابة البرلمان، موضحا كيف يعقل ان تكون الحكومة تحت مراقبة البرلمان ولا تكون مؤسسة استشارية تحت رقابة ممثلي الأمة، وتطرق في هذا الإطار الى تجارب دولية مثل السويد وإسبانيا التي تضع المجلس الأعلى للحسابات تحت سلطة الكورتيس.
واتصالا بتقييم اللجن البرلمانية للسياسات العمومية اكد ان البرلمان له الحق من خلال النظام الداخلي ان يصرف هذا الحق بالشكل الذي يراه ملائما.
واشار المصلوحي الى ان المجلس سيصبح محكمة قائمة الذات وهو ما يفتح المجال للتساؤل عن حق الترافع والطعن وعلنية الجلسات، مادام المجلس سيدرج في هيكلة المحاكم، لكن لا شيء من هذا ورد في النص المعروض على البرلمان والذي كرس في المادة 17 من المشروع السرية وعدم حضور الجلسات، مشيرا على سبيل المقارنة الى ان ألمانيا مثلا تمنح بالنسبة للمحكمة الفدرالية الدستورية الحق للمتقاضين في ان يكونوا مدعومين بمحامي او استاذ جامعي.

الرباط: “العلم”

عن جريدة العلم

2/4/2014