قال صلى الله عليه وآله وسلم :

“الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل”

مصطفى المتوكل /تارودانت

الاربعاء 9 ابريل 2014

قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما *}

وجاء في حديث اسامة بن شريك ” قالوا ..يارسول الله  من احب عباد الله الى الله ؟ قال .. احسنهم خلقا ..”

     ان المتامل لحال وواقع الشؤون العامة ببلادنا وغيرها من بلدان العالم سيقف على العديد من المفارقات والمتناقضات التي تخص الفهم الخاص المعلن في الواقع تطبيقا وكلاما وقرارات في مجالات يتشارك الجميع في المطالبة بها وتبنيها والدفاع عنها وتطوير ظروف عيش الناس من اجل الرخاء والازدهار والعدالة ..فتتباين اليات تنفيذها وسياساتها اليومية في الواقع انطلاقا من ان اهل الحل والعقد بالاسر والحكومات والهيئات والمنظمات يتبنون ما يرونه  او يتوهمون انه هو عين الصواب لادارة افكارهم وامورهم وواقعهم فترتقي احلام  وتنهار اخرى ….فاذا كان الانسان يسعى لابراز تحضره ورقيه وذكائه بانتهاج سياسات معقولة ومقبولة لدى الغالبية من المعنيين بها ويشحن روحها بحمولات اخلاقية تلقى الاستحسان والرضى عند المعنيين … فان عدم العلم بسياسة الاولويات المعقولة في اطار تحقيق المصلحة المشتركة التي تحمي الجماعة وتضمن استمرارها ونماءها وفقا لقواعد العمل التي يجب ان يخضع لها الجميع …تعلق الامر بالنظام في مجالات  العبادات او المعاملات او مسائل التدبير التي يلتزم بها الجميع ويحددون اجالها وسقفها وطرق تنفيذها ..  -قلت فان عدم العلم .. -سيؤدي الى اختلالات في الفهم والادارة وتفكك في الهياكل  وضياع مصالح الغالبية ان لم نقل الامة …

وانطلاقا من هذا سنؤكد على ما ذهب اليه الفيلسوف والمعلم الصيني  كونفوشيوس الذي اكد على ان السياسة تبدا من اصغر وحدة بالمجتمع اي البيت واكد على انه اذا كان من يسوس اموره – اي البيت-  فاضلا وصالحا .. فان التاثير سيمتد الى عامة المجتمع .. ولقد رد على احد الاسئلة  ” …لماذا لاتعمل بالسياسة ؟ فقال . ليست السياسة العمل في الوظائف الحكومية فقط .ان تبر والديك وتعامل اهلك بالحسنى هي نوع من السياسة ”

فالأخلاق  مظهر من مظاهر  الوعي  والنضج الأجتماعي و كيفيات تنفيذه  بالواقع المعيش  ،و التي تعتبر ضرورة حياتية حتى يكون للوجود البشري معنى ودلالات ورمزية ومكانة متميزة ترتفع به الى مستويات متحضرة ونموذجية ذاث جمالية يدرك بهاءها  الجميع ايا كانت انتماءاته ….فان يسوس الشخص  امور الناس او جماعة منهم فذلك  يتطلب حدا ادنى من الاخلاق في التعامل وتصريف الامور وان لايعمد الى مخالفة الراي -القاعدة- المتوافق عليها دينا وعقلا ووضعا لمنفعة ومصلحةانانية وفئوية قد تخرق سفينة ما او تتلف وتعطل منفعة ومصلحة كبرى بترجيح لايستقيم فهمه ولا شرحه ولا حتى جبر اضراره ….

وفي مثل هذا  لاحظ أرسطو أنه من الضروري أن يعاد تشكيل الإنسان  ليكون مواطنا جيدا، وهذا لا يتم في اعتقاده  إلا في مجتمع جيد  وفق  قوانينه المعتمدة .وراى كذلك  ضرورة وجود الدولة ،لانها  مرتبطة بالحياة الأخلاقية ، فالدولة والمجتمع عنده  هما القاعدة التي يقوم عليها النشاط الحر والفعلي للأخلاق…

….كما  اكد  روسو على  أن “القانون لا ينظم الأخلاق فقط وإنما هو الذي يخلقها، لأنه إذا ضعف التشريع انهارت الأخلاق”

… ان الأخلاق والسياسة يشكلان  منظومتين  مختلفتين تتكاملان وتتبادلان اداء ادوار  وانجاز اي عمل  .. وإذا كانت السياسة تعني وسائل ادارة وقيادة وتدبير شؤون  الجماعة البشرية  لما يتاكد  أنه خير لها ويحقق منفعتها.. فالأخلاق هى مجموعة القيم والمثل التي توجه السلوك الانساني  نحو ما يعتقد أنه  يحقق الخير والمنفعة و ينبه للشرليبعد الناس عنه    ..لهذا فالسياسة والاخلاق تسعيان الى  ان يملك  الناس رؤية قريبة وبعيدة  تجعل لحياتهم هدفا ومعنى وقيمة..

……قال  هوبس: ” العيش بدون سياسة هو وجود غير إنساني ولا أخلاقي ولا يطاق”. فالأخلاق لا تستطيع تنظيم حياة الأفراد دون تدخل من القانون لإلزامهم….”

…وقد سبق لروسو أن قال: “من يريد التعامل مع السياسة بعيدا عن الأخلاق أو العكس سوف لن يفهم شيئا لا في الأولى ولا في الثانية…”.

…..فما الذي نراه في سياسيينا يوميا خاصة ان ابتعدت السياسة عن الاخلاق او ان ساءت اخلاق السياسيين التي يرى فيها الناس امورا لايمكن القبول بها .. قد يؤدي الى تعدد ردود الافعال بين العزوف وكراهية السياسة والسياسيين والتطرف في الاختيارات والقرارات ….

 
…لهذا لايمكن ان نقبل بما ذهب اليه المفكر الايطالي ماكيافيللي عندما دعا “الأمير” إلى “أن يستغل من الصفات ما يشاء غير ناظر إلى أي قيمة دينية أو أخلاقية فهناك من الفضائل ما يؤدي إلى سقوط حكمه وهناك من اللافضائل ما يؤدي إلى ازدهار حكمه  فصاغ لهذا التوجه قاعدته المشهورة   [ الغاية تبرر الوسيلة والضرورة لا تعترف بالقانون].
 …فهل السياسة فاسدة ام ان بعض ممارسيها هو الفاسدون ؟… ان فساد السياسة يعني وجود انحراف للسياسي في سياسته من السليم الى السئ لغرض غير سوي ..واحيانا لغرض معقول ومنطقي  يعتقد واهما انه لن يصل اليه الا بالطرق غير المنطقية ولا المعقولة واحيانا باحطها …
 ان الفصل بين ما هو سياسي وما هو  أخلاقي  قد يؤدي إلى إنتاج العنف  كما يؤدي  إلى الهدم او المساس بصلابة وتماسك   المجتمع … وقال في هذا السياق   المفكر مالك بن نبي رحمه الله: “إذا كان العلم دون ضمير خراب الروح فان السياسة بلا أخلاق خراب الأمة “
…ويرى كارل سميت ..”أن السياسة تتموضع في فضاء صراعي وكأنها حرب داخلية، فتخضع لتحالفات واستراتيجيات. وإذا كان كل مجال يخضع لمعيار محدد له, فالسياسة تقوم على معيار الصديق والعدو كما أن مجال الأخلاق يقوم على معيار الخير والشر ومجال الجماليات على معيار الجميل والقبيح”
  ونختم بالحديث القدسي عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) مسلم
قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )