تقريرُ “بَانْ كِي مُون”
 حول الصحراء لم ينصف المغرب

بقلم حسن بوقنطار

بينَ تقديرِ الصوابِ فِي خطاب العاهلِ محمدٍ السادس، يومَ استمهلَ البرلمانيين، قائلًا إنَّ التعقيد لا زالَ يلفُّ قضيَّة الصحراء، بالرغمِ من درء مقترح أمريكي كانَ يرمي إلى توسيع صلاحيات المينورسُو ليشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء، ورسمِ الأرضيَّة التي يُبحثُ فيها عنْ حل لنزاع الصحراء بالأمم المتحدَة، يقدمُ الدكتور الحسن بوقنطار، قراءةً فِي طبيعة الصراع، والمعركَة الحقوقيَّة التِي اقتيدَ إليها، المغرب من خصومه، رغمَ توفرهِ على آليَّات وطنيَّة لحقوق الإنسان وإحرازهِ عدَّة نقاط إيجابيَّة في مضمارها.

الدكتورُ بوقنطار يبسطُ في مقالٍ خصَّ به هسبريس، صيغ معالجة قضيَّة الصحراء في مجلس الأمن، سواء بالاستنادِ إلى الفصل السادس، باعتبارها نزاعًا تتظافرُ فيه عدة قرائن، أو بالنظر إلى كونها أضحتْ نزاعًا دوليًّا بعد استكمال المغرب وحدته الترابيَّة في 1975، لافتًا إلى أنَّ إشارة التقرير الأممي الأخير، إلى تقرير المصير، تنجمُ عنها تداعياتٌ خطيرة فِي علاقة المغرب بجنوبه، الذِي حقق طفرةً كبرى على مستوى التنمية، لم تثن خصومه عن رميه باستنزاف ثروات المنطقة.

في خطابه الافتتاحي للبرلمان في 11 اكتوبر 2013 ، نبه الملك محمد السادس إلى أن وضعية الصحراء تبقى معقدة بفعل تحركات خصوم وحدتنا الترابية ، وسعيهم إلى نسف المبادرات المغربية الرامية إلى إيجاد تسوية لهذا النزاع المستمر منذ أربعين سنة .

ولقد أبرز تقرير الأمين العام الذي سيعرض على أنظار مجلس الأمن صحة هذا التقدير الملكي . فالإطلاع على محتواه يشي بكونه يتضمن مجموعة من الاستنتاجات والملاحظات التي لا تسير في اتجاه البحث عن تسوية نهائية لهذا النزاع المفتعل تقوم على احترام مقررات مجلس الأمن. أكثر من ذلك ، يبدو واضحا رغبة بعض الأطراف على التركيز على قضايا لا يمكن إلا أن تعقد مسلسل التسوية لكونها لا تأخذ بعين الاعتبار المجهودات التي يقوم بها المغرب من أجل تحقيق هذا الهدف . ويبدو هذا التقرير ، وكأنه يشكل تراجعا عن التقدم الذي تم إحرازه سابقا ، و يعطي نوعا من الانطباع بكونه يسعى إلى إقرار نوع من التوازن . لكنه في العمق توازن غير منصف لبلادنا كما يبدو ذلك من القضايا التي تمت إثارتها ، والتي سنشير إليها تباعا.

في تحديد طبيعة الصراع

لقد ظل مجلس الأمن يعالج قضية الصحراء من منطق الفصل السادس على أساس كونها نزاع تتداخل فيه حجج مختلفة و أطراف منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو خفي كالجزائر التي هي طرف معني دون أن تعترف بذلك . وهو ما ميزه دائما عن الجمعية العامة التي تخضع لاعتبارات أخرى في إدراكها لهذه القضية . صحيح أن القضية معروضة منذ سنة 1963 على أنظار اللجنة الرابعة المكلفة بقضايا تصفية الاستعمار بطلب من المغرب آنذاك ، لكن استكمال المغرب لوحدته الترابية منذ سنة 1975جعل القضية تدرج ضمن الصراعات الدولية.

وعندما يشير التقرير إلى اعتبارها كقضية تصفية الاستعمار ، فإنما قد يرتب أشياء خطيرة على العلاقة القائمة بين المغرب و مناطقه الجنوبية . وبالتالي ، فإنه يغلب فكرة تقرير المصير على البحث عن الحل السياسي الذي هو مطلب مجلس الأمن بعدما تجلى منذ نهاية التسعينات استحالة تنظيم الاستفتاء للاعتبارات المعروفة ، ومن أبرزها صعوبة تحديد الجسم الانتخابي.

وهذا المنطق لا يستقيم مع روح مقررات مجلس الأمن الداعية إلى الحلول الوسطى و إلى التحلي بالواقعية التي لا تلغي بشكل نهائي فكرة الاستفتاء ، ولكن تعتبرها تتويجا لا تفاق سياسي بين الأطراف ، ومن بينها الجزائر التي لا يمكن استبعادها ، والتي اشار إليها ضمنيا القرار 1999 عندما أشار إلى أهمية مساهمة دول المغرب الكبير في البحث عن تسوية لهذا النزاع . 

حقوق الإنسان

لقد ظلت هذه المسالة من القضايا التي بات خصوم الوحدة الترابية يعزفون عليها. ونتذكر المعركة التي خاضها المغرب ضد المقترح الأمريكي القاضي بتوسيع صلاحية المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء . يشهد تقرير الأمين العام بالخطوات التي قام بها المغرب في اتجاه ترسيخ هذه الحماية . يتمثل ذلك في التعاون البناء مع مجلس حقوق الإنسان من خلال استقبال مقررين خاصين بقضايا تهم حقوق الإنسان كما هو الأمر بالنسبة للتعذيب والاختفاء القسري. وفي نفس الوقت، إصلاح المنظومة الحقوقية من خلال إعادة النظر في اختصاص المحكمة العسكرية حتى تبقى مختصة فقط في قضايا أطرافها عسكريون.

هناك جهود بذلت لخلق الانسجام و التناغم بين الشرعية الدستورية التي أقرها دستور 2011 ، وبين الممارسة الحقوقية في كل مناطق المغرب ، ومن بينها الصحراء . بل أكثر من ذلك هناك إرادة في إعادة تغيير المنظومة التنموية في المنطقة لمحاربة اقتصاد الريع والتطلع إلى القطع مع العلاقات الزبونية المناهضة للتنمية والعدالة الاجتماعية.

لكن تقرير الأمين العام وهو يسجل هذه الإجراءات الإيجابية لا يعطيها دلالتها الحقيقية، بل يعتبر أن الهدف الأسمى يبقى هو إقرار رصد دائم ومستقل ومحايد لحقوق الإنسان . مما يترك الباب ، كما هو الأمر في السنة الماضية لاحتمال طرح مشروع لخلق آلية في هذا الشأن يسعى خصوم المغرب من خلالها إلى الانتقاص من سلطة ونفوذ المغرب على الصحراء . وهو أمر لا يمكن القبول به لكونه لا يعترف بشكل سليم بإرادة المغرب في معالجة قضايا حقوق الإنسان بشكل شمولي يمتد إلى جميع مناطق المغرب.

الثروات الطبيعية

هذه أيضا من القضايا التي يستند إليها خصوم الوحدة الترابية للتشويش على الجهود التي يبذلها المغرب في المجال التنموي. ويزعمون بأن وجود المغرب في صحرائه هو فقط من أجل استغلال ثرواتها الطبيعية. وهو في العمق موقف يتنكر للجهود التنموية الكبرى التي بذلها المغرب من أجل إخراج هذه المناطق من الوضعية التي كانت توجد عليها تحت الاحتلال الإسباني.

ويشهد الملاحظون الموضوعيون بالطفرة التي تحققت، والتي تكلف خزينة الدولة إمكانيات ضخمة. وعلينا في هذا الشأن أن نعرف أكثر بهذه الجهود . وليس عناك أي ضير في إشراك السكان الصحراويين في تدبير هذه الثروات. وهو الهدف من المقترحات التي تضمنتها المبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي ، وكذلك هي في صلب المقترحات التي تقدم بها المجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، و التي ينبغي العمل على تفعيلها من خلال نقاش و طني معمق تساهم فيه كافة القوى الحية المغربية.

أي تقييم للمسلسل التفاوضي ؟

توحي ملاحظات التقرير، نوعا من الإحباط التي بات يشعر به الأمين العام بفعل عدم تسجيل تقدم ملموس على درب التسوية . وهو يذكرنا بنوع الشعور الذي كان قد عبر عنه تقريبا منذ عشرين سنة الأمين العام الأسبق بطرس غالي أمام مصاعب تنظيم الاستفتاء،والذي كان قد أشار إلى احتمال انسحاب الأمم المتحدة من الصحراء . لكن مجلس الأمن لم يسايره في نفس التوجه.

مرة أخرى يعتبر الأمين العام أن الأمم المتحدة ستكون مضطرة إلى مراجعة مقاربتها إذا لم يتحقق تقدم في مسلسل التفاوض في أبريل 2015 . هنا أيضا لا يمكن أن نضع في نفس الكفة المغرب وخصومه . منذ سنة 2007 ، قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي ، والتي وصفت بالجدية وذات المصداقية . ولم نتوفق في دفع مجلس الأمن إلى إقرارها كقاعدة للتفاوض . بل إن خصوم المغرب سعوا إلى الالتفاف عليها والعمل على إضعاف حمولتها من خلال التركيز على قضايا ثانوية لا تدخل ضمن صلب الحل السياسي النهائي. بل أكثر من ذلك يحاولون الرجوع إلى أفكار جيمس بيكر ، وكذلك إقحام الاتحاد الإفريقي المعروف بمواقفه المناوئة لوحدتنا الترابية ليعود كطرف في العملية التفاوضية.

لا يمكن للمغرب أن يقبل بذلك وهو خارج هذا الإطار القاري الذي خرق الشرعية بضمه لما يسمى بالجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية. في نفس الوقت ، فإن المغرب يظل متشبتا بالمقاربة التفاوضية ارتكازا على مقتضيات الفصل السادس ، وعلى البحث عن حل وسط. يقتنع المغرب أنه كامن في مبادرة الحكم الذاتي التي ليست مقترحا منغلقا . إن هذا المقترح لا يلغي الاستفتاء بل يعتبر أن الهدف الأساس هو التوصل إلى حل سياسي يتم تكريسه باستفتاء لا يمكن إلا أن يرسخ الوحدة الترابية القائمة على التنوع . فالكرة في مرمى الخصوم الذين لا يقدمون مقترحات بقدر ما ينغلقون في مطلب واحد وهو مطلب الاستفتاء الذي استعصى إجراؤه بالرغم من كافة جهود الأمم المتحدة . 

إن إشارة الأمين العام إلى إعادة تقييم الأمم المتحدة لمقاربتها في الصحراء قد يدخل القضية ضمن عدة افتراضات:

هل يتعلق الأمر بمجرد ضغط لدفع الأطراف إلى تقديم تنازلات للتوصل إلى تسوية مقبولة لهذا النزاع . و في هذه الحالة ما هي نوعية التنازلات المحتملة بالنسبة للمغرب إذا أدركنا أنه عبر دائما عن رغبته في الحوار و التفاوض من خلال مبادرات ملموسة ، أبرزها مبادرة الحكم الذاتي التي توجد على الطاولة؟

أم إن الهدف هو الانتقال من الفصل السادس إلى الفصل السابع ، أي فرض مجلس الأمن لتسوية ملزمة للأطراف. وفي هذه الحالة ما هي الإمكانيات التي يتوفر عليها في ظل وضعي جيو سياسي معقد؟

أخيرا ، هل يوحي ذلك بتهديد مبطن موجه إلى الأطراف بانسحاب المنتظم الدولي من مقاربة هذا الملف؟

مما لا شك فيه أن مجلس الأمن ، المقرر النهائي ليس ملزما بتبني كل ملاحظات و توصيات الأمين العام . فالتقرير سيكون محل نقاش سينتهي بتصويت على مشروع قرار. وما هو مهم بالنسبة للمغرب هو استبعاد كل قرار يحيد عن البحث عن تسوية سياسية بالدرجة الأولى،وإثارة انتباه المنتظم الدولي إلى مخاطر كل مقاربة غير منصفة وغير محايدة لتعقد هذا النزاع . وذلك هو جوهر روح المكالمة الهاتفية للملك محمد السادس مع السيد الأمين العام للأمم المتحدة . فهناك تأكيد على التزام المغرب بالبحث عن تسوية متفاوض حولها ومقبولة من جميع الأطراف. وفي نفس الوقت إثارة الانتباه إلى ما قد تحمله من مخاطر كل مقاربة لا تتمسك بروح مقررات مجلس الأمن الذي يتولى تدبير هذا الملف منذ أواسط الثمانينات.

على غرار السنة الماضية التي واجه فيها المغرب بنجاح مشروع القرار الأمريكي القاضي بتوسيع اختصاصات المينورسو لتشمل حقوق الإنسان ، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة للدبلوماسية المغربية بكل مكوناتها لمواجهة مناورات خصوم الوحدة الترابية الذين يسعون إلى فرض مقاربتهم للنزاع . فمرة أخرى ستكون هناك معركة شرسة داخل أروقة مجلس الأمن لإقناع الحلفاء و الأعضاء بمصداقية المقاربة المغربية و الإصلاحات المستمرة التي يقوم بها المغرب لضمان الاستقرار في المنطقة الحبلى بالتحديات الجيو سياسية ، ولتحقيق شروط التنمية والديموقراطية لجميع ربوع الوطن.