يقول تعالى:﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾.

مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء16 ابريل2014

 

إنضبط الشيء : اي اصبح محكما متقنا..

     ومن معاني الانضباط انه  يشمل ضبط النفس وانضباطها  بحبسها عن الشر وإلزامها بالخير
مع الصبر عليها والحزم معها … والانضباط هو تنفيذ المطلوب بتطابق مع مضمون التكليف والالتزام الشرعي والوضعي … ففي الجانب الشرعي لاتصح العقيدة ولا العبادات ولا المعاملات ان انزلت خارج جوهر الواجب.. وفي هذا السياق نسوق مثالا بحديث شريف قال فيه النبي (ص) “” صلوا كما رايتموني اصلي ..خذوا عني مناسككم “.. وقال تعالى ” لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر ..”  وقد قال الخالق سبحانه وتعالى بصيغة القسم  في سورة الشمس  متحدثا عن مكانة النفس وما الهمها من فجور وتقوى ومسؤوليتها في الاختيار بينهما

فقال :( والشمس وضحاها والقمر اذا تتلاها والنهار اذا جلاها والليل اذا يغشاها وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا   وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)

إنّ الإسلام  جاء ليعقلن و يُنظّم حياة الناس  فكرا وسلوكا وممارسات واخلاقا بدءا بالفرد ومرورا من الاسرة الى  الحي والقرية والمدينة وصولا الى مجتمع الدولة والناس كافة في علاقاتهم ببعضهم  … جاء ليتبنى ويحسن ويتمم ابداعات واجتهادات الفكر البشري عبر التاريخ في جميع المجالات اجتماعيا واقتصاديا ومعرفيا و..وسياسيا على مستوى الحكم المحلي او الحكم بمفهومه العام …وجعل للعقل البشري القدرة على الاستنتاج و الاستنباط من محيطه الطبيعي والكوني بالتامل والملاحظة واحيانا التجريب بان كل شيئ يخضع لقوانين وضوابط واليات دقيقة انتظم بها الليل والنهار والزمن و الافلاك والعوالم التي ندركها بالرؤية او ندركها بالعلوم الحقة .. لهذا تجدد المجتمعات والامم والدول قوانينها واعرافها لتتلاءم مع حاجياتها وتطورها حتى تضمن لنفسها انضباطا وتوازنا وتكاملا وسيرا يحقق التراكم المبتغى على المدى القريب والمتوسط والبعيد …وانطلاقا من التفاضل  بين اليات التشريع الملزمة بقوة الدين او الدولة توضع اليات مماثلة تضبط النظام الداخلي للاسرة باختلاف ثقافاتها وانتماءاتها القبلية او الفكرية او المذهبية او الدينية …فنجد ان ما يعتبر ضابطا في اسر شمال المغرب يتقاطع او يتكامل او يختلف كلا او بعضا مع الضابط باسر الجنوب  او اسر تركيا او افغانستان … مع العلم انهم مسلمون  … كما ان التجمعات السكانية كانت قبيلة او حزبا تضع لنفسها قوانين وانظمة  يتوافقون عليها في مجلس القبيلة او هيئات الاحزاب فيسنون  حدودا ومسارات واليات لعمل كل فرد بالقبيلة او الحزب او المنظمة لتحقيق الحد المعقول من الانسجام المحقق للتكامل والتعاون مع وضع الخطوط الحمراء التي لايجب المساس بها سواء في الشق الديني او الاجتماعي او الفكري …ومن هنا وباختلاف جوهر الاخلاق ومضامينها لدى الافراد والجماعات تعتبر تلك الضوابط التزامات فردية وعامة وعهود ومواثيق ينبني عليها الحكم بالانتماء للمجموعة من عدمه …. لهذا ذهب البعض الى تكفير من لايحترم دين الجماعة الواحدة ايا كان الدين ..كما ذهب البعض الاخر الى الحكم على المخالف لنظام الجماعة بانه خارج عنها بفعله ذاك .. ولنا في التاريخ البشري والاسلامي امثلة لاتعد ولاتحصى…

يقول تعالى:﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً

…وقال صلى الله عليه وآله وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفِ إذا وعد”

……إن سلوك الإنسان يرتبط  بفكره وعقيدته ومذهبه وبيئته . وهو مرآة لما يؤمن به الشخص ويضبط توجهاته وممارساته وفي مثل هذا قال سقراط لاحدهم حسن الهياة والهندام  ” تكلم حتى اراك..”وقال ابو حنيفة “.. الان يمد ابو حنيفة رجليه ..”-بعد ان جمعهما احتراما لرجل وقور-

…… ان الإنضباط هو السمة الأولى التي تقوم عليها حياة الانسان العملية, فبدونه لا يمكن للمرء ان يحقق أي  تقدم او نجاح  في مسيرته و  لا  يستقر  على حال ولا يكون محل ثقة ..ويصبح نتييجة لذلك  في حكم  فاقد الأهلية‏ والهوية‏..‏تتحكم فيه  أهواؤه ونزواته‏ ومزاجه المتقلب بتقلب الاحوال والظروف ..‏ فلا هو يندرج ضمن  من يؤمن بالقيم و المثل الانسانية ولا من يؤمن بالدين ولا من يؤمن بهما معا ‏..‏ فهو  بناء على ذلك يبعد نفسه  عن اي  التزام‏ او تعهد ..‏ ويضع نفسه خارج عن كل نظام‏ او ضوابط ..‏.ولقد وصف رب العزة هؤلاء  بقوله  ” قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا‏.‏ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا‏.‏.. ‏” الكهف‏

…ونختصر قولة للراحل الدكتور ابراهيم الفقي التي جاء فيها  “… من السهل على الشخص ان يقوم باضاعة الوقت في الاشياء غير المجدية وربما يكون من السهل عليه ان يداوم على عادات سيئة وسلبية التي قد تعطيه متعة لمدى قصير وهي في نفس الوقت تعطيه  الالم والمعاناة على المدى المتوسط والطويل …”

ونستانس هنا بما كتبه الامام المجدد والمتنور محمد عبده في الموضوع وهو يتحدث عن الحقل الدعوي  فقال ((..فمن صور الانضباط التنظيمي أن يتقبل كل فرد داخل فريق العمل الدعوي موضع الجندية بنفس الروح والهمة العالية التي يستقبل بها وضع المسؤولية والقيادة، وألا يتبرم أو يخرج على الصف أو يضيق صدره أو يتغير وجهه، وألا يقل عطاؤه وإتقانه للعمل إذا تغيرت مهمته وتحوَّل من موضع المسؤولية إلى الجندية، فإن ذلك من صميم العمل التنظيمي، وغضبه أو تذمره أو خروجه على الصف يكشف خللاً واضحًا في نيته وصدق توجهه في العمل الدعوي.

ومن صور الانضباط التنظيمي الالتزام باللوائح والقوانين المنظمة للعمل الدعوي التي وضعتها الجماعة لتحقيق ذلك، وألا يطلب أي فرد فيها استثناءً لنفسه يراه واجب التنفيذ لعطائه المتميز في إنجاح الأنشطة التي كُلف بها، أو لإمكاناته العالية في الإدارة والإبداع، أو لثقته الزائدة في نفسه التي تجعله يرى أن مصلحة العمل تستوجب ذلك وغيره.

ومن صور الانضباط التنظيمي الالتزام بعرض رأي الجماعة في الموضوعات التي تُطرَح على الساحة، خاصة على المنابر الإعلامية أو التصريحات الصحفية، ممن لهم صفة قيادية داخل الصف، أو ممن يعتبرهم الإعلاميون قياديين وإن لم يكونوا كذلك؛ حتى لا يُحدث بلبلة في الصف، أو يختلط الأمر على المتلقي، وتظهر الجماعة أمام الناس وكأنهم متناحرون مختلفون.

ومن صور الانضباط التنظيمي ألا تُحل الخلافات ومشاكل العمل الدعوي على الملأ وفي جو من التشاحن أو التلاسن، بل يجب أن تُحل الخلافات وفق الأطر العامة للعمل ومن خلال القنوات الشرعية لذلك، لا اعتلاء المنابر الإعلامية والصحفية وعرض وجهات النظر الشخصية وازدراء وجهة النظر الأخرى، بل يجب النزول والاحتكام إلى نظم الجماعة ولوائحها والرضا بما تحكم به اللجنة الموكول إليها البت في هذا الخلاف….ومن صور فقه الانضباط التنظيمي أن يعلم الأخ أن هناك دوائر مختلفة للشورى وليس من الضروري أن يتم تداول كل الأمور في كل المستويات الشورية، حتى تصل لأقل وحدة تنظيمية، بل إن هناك قضايا يتم مدارستها وتقليبها على كل الأوجه والاحتمالات وتمحيص عواقبها ونتائجها الإيجابية منها والسلبية في مستوى أعلى، ثم تنزل إلى المستويات الأدنى للتنفيذ، فيجب هنالك السمع والطاعة وعدم إضاعة الوقت والجهد في مدارستها مرة أخرى، مع كفالة الحق لأي فرد أن يبدي ملاحظاته وآراءه حولها، ويتقدم بذلك رسميًّا إن أراد، فإن جاء الجواب بالسلب أو الإيجاب طويت الصفحة وانخرط الجميع في التنفيذ الموافقون والمعارضون…))

لهذا وجب شرعا ووضعا الانضباط  عند الحديث عن البناء والالتزام .. اذ لاشيئ يستقيم ويكمل بدونهما .. فالصفة الدالة على اي انسان كالمسلم او النصراني مثلا او المهندس و الطبيب او الفقيه والعالم لاتكون حقيقية وصادقة الا اذا  تجسدت مكونات ومقومات  الصفة في الفكر والسلوك والعلاقات العامة وخلفيات ونتائج الاعمال ..وتنعدم ولو كان الشخص مثلا طبيبا حقا الا انه لايشفى على يديه الناس بل يزداد مرضهم …

=====إن الإسلام  يريد للفرد أن ينجح في حياته باستقامة اموره و تزكية نفسه وصقلها مع الاخذ   بالأسباب  الموصلة للنجاح والفوز في الدنيا بتدبير الخاص والعام والمشترك مع الغير  وخاصة ما يعرف  بسياسية امور الناس  ..فتنظيم الشؤون العامة  وحسن تدبيرها وادارتها كون  بالاستفادة من كل القدرات  التي منحها الله  للإنسان بتوظيفها ايجابا بالارتكاز على  الايمان الصادق والتطبيق الحسن والانضباط الامثل ..

… فالالتزام بالوفاء بالعهود  ضروري تحقيقها  مع الناس كافة  وحتى مع خصومك واعدائك .. وفي هذا قال أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه  في كتابه  لمالك الأشتر، بقوله: “وإنْ عَقَدْتَ بينَكَ وبينَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً أوأَلبستَهُ منكَ ذِمةً فحُط عَهدَكَ بالوفاء وارعَ ذمتك بالأمانة” وقال  “وَأَشْعِرْ قلبَكَ الرحْمَةَ لِلرعِيةِ والمَحَبةَ لهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ، ولَا تكُونَن عليهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغتَنِمُ أَكلَهُمْ، فَإِنهُم صِنْفَانِ: إما أخٌ لكَ في الدين، وإما نَظيرٌ لكَ في الخَلقِ

ونختم هذه الاطلالة على بعض دلالات الالتزام والانضباط بالتامل العميق في قوله تعالى ” ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ” سورة الرعد

وقال تعالى “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا” الاحزاب