دم، دعوة ويانصيب سياسي

بقلم ..عبد الحميد جماهري

تفرق الدم الذي سال من الطالب عبد الرحيم الحسناوي، بن اللغو الدعوي والتعتيم التاريخي للعنف السياسي في الجامعة.
وإذا كان من واجب الحزب الذي ينتمي إليه الطالب، الذي استشهد على يد التطرف الإيديولوجي، أن يكرم ذكراه وأن يقدم أحقيته بتأبينه السياسي على الآخرين، فليس من حقه بتاتا أن يعيد كتابة التاريخ السياسي للعنف الجامعي ، ولا أن يعيد كتابة الوقائع بما يجعله يخطىء في الرد السياسي.
وبالوضوح التام. الشبيه بوضوح الجريمة المقترفة، فإن المسعى الذي يحاوله وزراء حزب العدالة والتنمية، (وهم المعنيون من دون غيرهم من زعماء الحزب السياسي) هو كتابة الرد السياسي على خصومهم، بدم القتيل ومحاولة تحميل قوى منظمة في أحزاب المعارضة مسؤولية جريمة ارتكبتها قوى غير منظمة ولا معترف بها في الحقل السياسي و لا تعبير مؤسساتي لها.
فالبرنامج المرحلي، كما النهج البروليتاري الجديد أو الكراريس التي أثثت الفضاء الجامعي في «جمهورية» ظهر المهراز، كما سمتها بقايا الإرث الراديكالي، ليس حزبا سياسيا ولا منظمة سياسية ولا هيئة معترفا بها، تحتكم إلى نفس المعايير السياسية والمؤسساتية وبنفس السقف السياسي الذي تلعب تحته القوى السياسية في البلاد.
إنه أي شيء سوى هيئة سياسية.
وهو بهذه الصفة يتحمل مسؤولية انجرافه أو انحرافه السياسي، بدون أن تكون للآخرين مسؤولية التحمل الأخلاقي للمسؤولية، فقط ولمجرد أنهم خصوم الحزب ووزراء الحزب الذي ينتمي إليه الطالب الذي اغتالوه!
الانسجام السياسي للمسؤولية الحكومية تقتضي أن يجيب الوزراء على الإشكال التنفيذي في تقدير العملية الإجرامية.
وأن يكون رئيس الحكومة، هو أول من يلتزم بالحدود الفاصلة بين المسؤولية الدموية للقاتل وحدود الاستثمار السياسي لدم القتيل.
لا يمكن أن تختلط الأوراق حتى يصبح المعارضة المؤسساتية، الخاضعة لقوانين اللعب السياسي، هدفا للمظلومية التي يتبناها الحزب الحاكم.
هو تزنير البرلمان بالدم الموقوت ..
وبأصابع الديناميت ..
وهي عملية اختطاف غير مبررة أخلاقيا أو سياسيا..، لا سيما وأن التيار المعني بالقتل هنا لا يلقى تعاطفا من أي قوى سياسية قد ينتسب إلى مرجعيتها اليسارية. ولم يفكر في يوم من الأيام فيها إلا كعدو وأكثر عدواة من العدو الرئيسي.
والذين عاشوا الحياة الجامعية يعرفون كيف كان الاتحاد الاشتراكي نفسه هدفا لهذه القوى، كيف وصلت درجة التحامل عليه حد التخوين، ومعانقة النظام وبيع نضالات الجماهير وضرورة حسم التناحر الثانوي مع الاتحاد قبل حسم التناحر الأساسي مع النظام.. الخ.
ويتأسس الموقف السياسي السليم على ضرورة اعتماد المواطنة وفداحة الجرم المرتكب وحماية التحصيل الجامعي قاعدة ثلاثية في تقدير الموقف، لا أن تجر المغرب كله إلى شعور بالذنب من الجريمة وتسهيل مهمة الركوب على المظلومية من أجل تسويقها وقبض ثمنها.
لا يحسن بوزير أو رئيس الحكومة أن يتجول بجثة طالب استشهد في حرم الجامعة ويجوب بها المنابر والمؤسسات والملتقيات..بعيدا عن معاقبة القتلى ومن يقف وراءهم لا غير.
مهما كان القاتل والمسؤول فكريا وأخلاقيا عنه.
مما يصعب التفكير الجدي أيضا هو السعي إلى الخلط في التقويم الدموي للجامعة: فالعنف والقتل لم يبدأ، للأسف، من هذه الجريمة النكراء.
أبدا.
لقد سبق أن قتل طلب ومنهم من أفلت بصعوبة من موت محقق (أفكر الآن في العزيز الگاديري . الذي مازلنا نسميه بمشروع شهيد، من أيام حرم وجدة المجيدة). وسيكون من إحقاق الحق أن نتساءل عن ميلاد القتل المعمد بالفتاوى، يسارية راديكالية كانت أو دينية، القتل الذي يستند إلى تحويل الجامعة إلى ساحة استئصال: وهنا تفيدنا الأدبيات الجامعية بأن سنة ميلاد القتل جاءت مع تيارات الإسلام الراديكالي.
ولا نحمل في هذا الباب المسؤولية غير المؤسساتية لمن يمارسها بشكل مؤسساتي.
إنه قتل على قاعدة متعالية عن الجامعة أو سابقة لها، قاعدة الكفر والإيمان.
قاعدة الرجعية والنظام والخيانة والاستسلام.
قاعدة وجدت السياسة لتجاوزها وبناء علاقات محكومة بمنطق مؤسساتي، هو الذي يهدده الضياع في حالة ما ظل الوزراء حاملين لحقائب العزاء وهم يدخلون أو يخرجون من البرلمان، ويمدون في كل منصة رسمية سرادق الحداد دون وضع المسافة بين الجريمة وبين الحساب السياسي البعدي لها.
فلن يجد الوزراء غدا مسؤولي التيار الراديكالي، لا في منافسة انتخابية ولا في استحقاق سياسي، سيجدون رأيا عاما يتضامن مع الطالب وينضم إلى كل الذين استنكروا استشهاده غدرا، ويطالبون الحكومة بمنجزها الأمني والجامعي، ومسؤوليتها في تتفيه الرد المؤسساتي لفائدة الاستثمار السياسي.
لا يليق أن تتحكم في أحزان العائلة تخوفات المغاربة ثلاثية: عبث حزين، دم ودعوة ويانصيب سياسي.

عن جريدة .ا.ش
2 ماي 2014