الديمقراطية ونشأة الوعي المستقل

 

محمد كداح

في معجم علم النفس (Doron – Parot. 1991. P. 184) وردت كلمة الديمقراطية مقرونة بالصناعة. فالديموقراطية الصناعية (Démocratie industrielle) تشير من الناحية النظرية إلى تسيير للمنظمات (gestiondes organisations) يعتمد على مبادئ احترام الحريات الفردية وتساوي الحظوظ وحق التعبير، وذلك بالتعارض مع التسيير الديكتاتوري والاتوقراطي. ومن الناحية العملية، تدل الديموقراطية الصناعية على مجموعة من ممارسات التسيير تتضمن إعداد المهام بطريقة تسمح لكل فرد بتحقيق إمكانياته، وبتحمل المسؤوليات والحصول في عمله على الاستقلالية المتلائمة مع ضرورة التنسيق بين الأنشطة، وأيضا المساهمة في اتخاذ القرارات.

 

هذا الربط ما بين الديمقراطية ومجال الشغل بصفة عامة، يرجع إلى عوامل منهجية تحرص قبل كل شيء على إجرائية المفاهيم أي قابليتها للتجريب والقياس.

 

وكمثال على ذلك التجارب الشهيرة التي أجراها White، و Lippitt ثم من بعدهما Lewin (1967). تتلخص هذه التجارب في توزيع أطفال في سن العاشرة على أربعة نواد للتسلية أمكنت المعادلة بينها باستخدام منهج Moreno السوسيومتري. وقد دلت النتائج على أن ردود الفعل العدوانية اتجاه الأحداث المحبطة تختلف باختلاف نوعية الزعامة التي يمارسها المعلم: سلطوية، ديموقراطية أو فوضوية. فالعدد المتوسط للاعتداءات (داخل المجموعة أو ما بين المجموعات الأربع) يتراوح ما بين 38 في الجو الفوضوي، إلى 30 أو 2 في الجو السلطوي، و 20 في الجو الديموقراطي.

 

وبهذا يكون الجو الفوضوي أكثر إنتاجا للعدوان، بينما يتميز الجو السلطوي بازدواجية نسبة العدوانية، الشيء الذي يؤكد ما يعلمه لنا التاريخ حول “النوم الزائف” للشعوب التي تعيش طويلا في حالة إخضاع، لكنها تعرف من حين لآخر حالات من الانفجار الرهيب. أما الأداء الجيد نسبيا للديموقراطيات فقد تمت على العكس من ذلك البرهنة عليه، مما يفسر الشعبية التي تحظى بها هذه التجارب عند الأمريكيين، في فترة يحتاجون فيها إلى الثقة في أنفسهم، في سياستهم وفي تربيتهم الليبرالية.

 

حاليا، وفي زمن العولمة، أصبحت الديموقراطية، ليس فقط، شعارا رائجا، بل ومطلبا مستعجلا لتحقيق الرخاء والتنمية الشاملة. لكن هل يكفي أن يعلن الشخص انتماءه للديموقراطية حتى يكون ديموقراطيا بالفعل؟ كيف يمكن إذن تبني الديموقراطية كممارسة وسلوك؟

 

من وجهة نظر سيكولوجية، لا يولد الإنسان ديموقراطيا، بل يتعلم كيف يكون كذلك عبر التفاعل، مع محيط ثقافي واجتماعي، له تاريخ وخصوصيات. لكن ماذا لو كانت هذه الخصوصيات بالذات، هي التي تعوق الانتقال الديموقراطي؟ كيف يمكن للفرد أن يستوعب استيعابا حقيقيا، وليس لفظيا، مفهوم الديموقراطية، دون أن ينتقد ما تعلمه سابقا، من قيم، ومعايير، وأدوار، وعادات، ونماذج التفكير، تنتمي في مجملها إلى عصر آخر؟

 

إن إمكانية تحليل الخصوصيات الثقافية، ونقدها، تفترض نزع صبغة القداسة عنها، وهذا بدوره يتطلب زوال علاقات القهر، المبنية على الاحترام غير المشروط أو الاحترام وحيد الجانب (respect unilatéral)، وظهور علاقات التعاون، القائمة على الاحترام المتبادل (respect mutuel).

 

لقد بينت الأبحاث التي أجراها Piaget (1978)، منذ ما يزيد على ستين سنة، أن إدراك الطفل للقاعدة، يشهد تحولات عميقة، بفضل العلاقات التي يربطها مع الأطفال الآخرين.

فابتداء من سن معينة، يتكون لديه الوعي، بأن “سلطة الراشدين”، ليست هي المصدر الوحيد للقواعد الأخلاقية، وأن القواعد المهمة، بالنسبة إليه، هي التي تنتج عن التراضي (consensus)، وهي قواعد، يمكن تغييرها، بمجرد ما يظهر تراض جديد…

 

لم تعد القاعدة إذن، كما هو الشأن في السابق، مقدسة، غير قابلة للتغيير، بل أصبحت نسبية، وبالأخص، قائمة على اتفاق بين كل الأفراد المعنيين (Guedah. 1992. P.60).

كيف ولماذا، يظهر هذا التحول في إدراك القاعدة؟ خلال اللعب الجماعي، لعبة الكريات مثلا (Jeu debilles)، يتعلم الطفل أن يقارن نفسه بالأطفال الآخرين، ويدخل معهم في المنافسة. لكن المنافسة تقتضي وجود قواعد مشتركة، وبالتالي وفاقا متبادلا. وحيث إن مثل هذه القواعد غير موجودة، فإنه من اللازم إبداعها. وإبداع القواعد، لا يتم بدون احتجاجات وعوائق. إنها الثمن الذي ينبغي دفعه لتعلم المعاملة بالمثل (la réciprocité)، واكتشاف أنه، بدون هذه المعاملة، لا يمكن أن تستمر “اللعبة”…

 

في هذه المرحلة من النمو، يختفي عنصر الخوف المادي، الذي كان يتدخل في الاحترام وحيد الجانب، ليحل محله، تدريجيا، الخوف المعنوي، من الوضاعة أو السقوط، في نظر الشخص المحترم (بالفتح): حاجتنا إلى أن نحترم (بالفتح)، تتوازن مع احترامنا للآخرين، وتصبح المعاملة بالمثل، التي تترتب عن هذه العلاقة الجديدة، كافية للقضاء على أي إكراه أو قهر. وموازاة مع ذلك، تمحي “التعليمات”، وتتحول إلى اتفاق متبادل. أما القواعد، التي أصبحت تقوم على التراضي الحر، فإنها تفقد طابع الإلزام الخارجي.

 

إن هذا المستوى من النمو الأخلاقي، هو ما يطلق عليه Piaget، مفهوم الوعي المستقل (Conscience autonome)، تمييزا له عن الوعي الخاضع (conscience hétéronome)، القائم على الطاعة، أو “الاعتقاد المشابه لما هو موجود في المجتمعات التقليدية والتي تربط جميع قوانينها وعاداتها بإرادة متسامية” (Piaget. 1978. P.68).

 

إن السلوك الديموقراطي، لا يتبناه إلا وعي مستقل… ومن العبث التوهم أن بإمكان الشخص، أن يكون ديموقراطيا، متى أراد، دون أن يتزحزح من موقعه، أي دون أن يمر بسلسلة من التحولات، في اتجاهاته وتصوراته البدائية…

 

إن المسلسل الديموقراطي الحقيقي، هو الذي ينخرط فيه كل فرد، ليس حسب التاريخ المحدد في يوميات الإدارة، بل التاريخ الذي يحدده نمو الفرد ذاته، أي خلال تلك “الفترات الحاسمة” التي تتواجد، أساسا، في الطفولة وأوائل المراهقة، ليس معنى هذا، استحالة تعلم الديمقراطية خارج تلك الفترات، ولكن، على الأقل، وجود صعوبات كبيرة ومزمنة، يمكن أن تتخذ، في بعض الأحيان، طابع النكوص الجماعي الحاد.

المراجع:

DORON.R., PAROT. F., – Dictionnaire de Psychologie, Paris, PUF, 1991.

GUEDAH.M – Ladélégation comme processus interactif délictogène dans le groupe familialmarocain,

Thèse deDoctorat, université de Liège, Faculté de Psychologie, Liège, 1992.

LEWIN. K., – Psychologie dynamique, trad. Paris, PUF, 1967.

PIAGET. J., – Le jugement moral chez l’enfant, Paris, PUF, 1978.