نظام “الرامد” والعلاج الشارد !

بقلم..

اسماعيل الحلوتي

في محاولة لمعرفة دواعي تعثر نظام المساعدة الطبية “الرامد” منذ بدايته، استوقفني حديث شريف لنبينا الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يقول: “إن الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”، وتساءلت دون تفكير في الرد: لماذا نحن قوم لا نربط القول بالفعل، وإذا ما عملنا يأتي فعلنا ناقصا؟

فبناء على القانون 65.00 بمثابة مدونة التغطية الصحية، كما وافق عليه البرلمان في غرفتيه، وتكريسا لمبدأ الحق في الصحة المنصوص عليه في المواثيق الدولية، جاءت تجربة المساعدة الطبية، لتعزيز الحقوق المكتسبة، والسماح للفئات المعوزة والأكثر هشاشة بالولوج المجاني إلى الخدمات الصحية، في انتظار أن يعم التأمين الصحي الإجباري كافة الشرائح الاجتماعية، ذلك أنه في إطار التوافق الوطني تم اعتماد هذه الصيغة التضامنية وسيلة أساسية، لتحقيق التنمية البشرية والحماية الاجتماعية، عبر مقاربة شمولية ومندمجة تهدف إلى محاربة الفوارق الطبقية وضمان المساواة والعدالة الاجتماعية، ولا بأس هنا من التذكير أنه قبل الإقدام على تعميم هذا النظام، سبق للسيد: عباس الفاسي إبان توليه مسؤولية الوزارة الأولى في حكومة 2007، أن دشن يوم: 4 نونبر 2008 تجربة نموذجية بمدينة بني ملال، وبتاريخ: 9 أبريل 2012 أعطى جلالة الملك محمد السادس الانطلاقة الرسمية لهذا المشروع الاجتماعي والمجتمعي الضخم، الذي سيرفع معاناة التمريض والعلاج عن حوالي 30% من ساكنة المغرب..

بيد أن ما يعاب على “الرامد”، هو أنه أنزل قبل إنضاج الشروط الضامنة لنجاحه، ولو في حدها الأدنى، حيث مازال القطاع الصحي العمومي عاجزا عن تدبير شؤونه، يشكو من مشاكل بنيوية وهيكلية عميقة، ونقائص عديدة ومتعددة تحول دون تجويد خدمات التطبيب والعلاج، لعل أبرزها انعدام الحكامة الجيدة، الخصاص الصارخ في البنيات التحتية، قلة الموارد المادية والبشرية الكافية، والوسائل والتجهيزات الضرورية، لكن هذا لا يمنع من بذل المزيد من الجهد واستغلال المتاح من الإمكانيات، أليس إشعال شمعة أهم من الاستكانة إلى لعن الظلام؟ وهل بمقدور ضوء شمعة طرد كل العتمة المحيطة بنا؟ ومما يؤسف له، أنه غالبا ما يرافق الشروع في إنجاز مثل هذه العمليات الإنسانية والاجتماعية، تهافت بعض سماسرة الانتخابات لاستثمارها في استقطاب البسطاء، ازدهار مجال الرشوة وانتعاش المحسوبية والزبونية… وعلى الرغم مما يشكله جمع الوثائق من رحلة شاقة، استبشر الضعفاء خيرا بالمبادرة ليبدأ مسلسل الحصول على البطاقة الخاصة، بإثبات الوضع المادي لدى السلطات المختصة (قيادة، ملحقة إدارية، باشوية…) التابع لها محل السكنى، مرورا بالانتظار الممل والمميت الذي يستمر ثلاثة أشهر في دراسة الملفات، من لدن لجن محلية للبت في قرار الاستفادة من عدمها، وعند الموافقة تتم الإحالة على الوكالة الوطنية للتأمين الصحي، لتمكين المستفيد من رقم الانخراط وتسليمه بالمجان بطاقته الشاملة لكافة أفراد أسرته، من لدن السلطات بعد التأكد من هويته إذا كان ضمن الفئة: 1، التي تضم المصنفين في دائرة الفقر التام، أو بحكم القانون من السجناء والمشردين ونزلاء الخيريات ودور الأيتام والملاجئ، في حين أن الفئة: 2، تشمل فقط من يوجد في وضعية هشاشة بدخل شهري غير قادر على الصمود لكافة الضروريات، الذي يلزمه مقابل البطاقة أداء واجب المساهمة السنوية، المحددة في مائة وعشرين درهما للفرد الواحد من أسرته دون أن يتجاوز سقف ستمائة درهم، وجدير بالذكر أن المؤهل في الفئة الأولى يستفيد من بطاقة صالحة لمدة ثلاث سنوات، فيما المستفيد من الفئة الثانية لا تتجاوز صلاحية بطاقته مدة سنة واحدة قابلة للتجديد، شريطة أداء المساهمة الجزئية السنوية، ولتمويل نظام المساعدة الطبية، نجد إلى جانب هذه المساهمات الجزئية، أن هناك مساعدة الدولة والجماعات المحلية، الفوائد المالية، الهبات وجميع الموارد المرصودة طبقا لنصوص تشريعية وتنظيمية خاصة. وهنا لنا أن نتساءل، كيف لمشروع بهذا الحجم انتظر عشرة أعوام للخروج إلى “النور”، وفي ظل نظام معلوماتي متطور، حرص على تنفيذه خبراء ومختصون لمنع أي تدليس محتمل، أن يحصل 220 ألف مواطن من حاملي بطاقة التأمين الصحي الإجباري، على بطاقة الاستفادة من التغطية الصحية المجانية، في الوقت الذي رفضت فيه طلبات الآلاف من المتوفرين على الشروط القانونية، دون أن تتضح لهم الأسباب الثاوية وراء حرمانهم؟ ترى كيف وقعت هذه التجاوزات، في ظل وجود لجنة محلية دائمة، أوكلت لها مسؤوليات السهر على الفصل في شأن أهلية المرشحين للاستفادة، بناء على مجموعة من المعايير والأبحاث الإدارية، ثم دراسة الطعون داخل أجل 60 يوما، لإشعار المعني بالقرار النهائي؟ ومن هي الجهات المتواطئة في ارتكاب هذا الجرم الخطير؟ وهل سيتم الاكتفاء باسترداد مصاريف الفحوص والعمليات المجراة دون متابعة الجناة قضائيا؟ أسئلة مؤرقة وموجعة تظل معلقة إلى حين إنشاء هيئة مدبرة للمساعدة الطبية من قبل وزارة الصحة، ووضع حد لسياسة “عفا الله عما سلف”…

وبمنطق الأشياء، لا يمكن مناقشة المبدأ ولا التشكيك في السرائر، كما لا يجوز إطلاقا التغاضي عما آلت إليه الأوضاع من استهتار بالمسؤوليات، وعن قمة التقصير القائم على مدى سنتين من إدخال المشروع حيز التنفيذ، ومع ذلك مازال يخرج علينا من حين لآخر أعضاء الحزب الأغلبي، للتبجح بكون الحكومة الحالية تحت رئاسة أمينهم العام السيد: ابن كيران، هي من سعت إلى تنزيل هذا النظام الذي ظل في عهد الحكومات السابقة يراوح مكانه سجين الرفوف، لم نجد للرد عليهم من تعبير يجسد واقع المأساة الإنسانية المسماة ظلما المساعدة الطبية، أصدق مما جاء على لسان أحد الأعضاء البارزين في الحكومة ، وهو السيد: الحسين الوردي وزير الصحة، عندما سئل عن ال”رامد”، ليجيب ساخرا: ” راه من الخيمة خرج مايل”، وفعلا وقع هذا النظام الصحي أرضا مباشرة بعد خروجه من المجلس الحكومي، فبعدما ساد الاعتقاد بأن يكون بداية إنهاء معاناة المعوزين، تحول إلى كابوس يقض مضاجعهم، آلاف من الأسر في وضعية الهشاشة أدت مبلغ 600 درهم واجب المساهمة الجزئية السنوية، دون أن يستفيد إلى اليوم أحد من أفرادها، ذلك أن الحاصل على بطاقة الاستفادة يقضي الساعات الطوال في الانتظار بغية الظفر بموعد لفحص عادي أو إجراء تحاليل، وإذا ما تيسر انتزاع موعد فقد يمتد إلى ثلاثة أشهر لفحص بسيط بالأشعة، وستة أشهر في بعض التخصصات منها علاج الأسنان، ناهيكم عن الخضوع للابتزاز، والأعطاب المرافقة لبعض الأجهزة (السكانير مثلا)، مما يضطر معه المريض ذو الحظ العاثر إلى إعادة الكرة لتجديد الموعد، وقد يرغم مئات البؤساء من الأطفال وكبار السن على العودة خائبين بدون موعد، حتى وإن قضوا أوقات عسيرة تحت حرارة الشمس صيفا والاضطرابات الجوية شتاء، أما الهاتف الموضوع رهن إشارتهم للتخفيف من عذابات التنقل “السيزيفي”، فيبدو أنه ولهول ما يجري حوله من مآسي أصيب بالصمم والخرس في آن واحد، هذا من غير الحديث عما يلاقيه الحاصل على الموعد من مشاكل لولوج الرعاية الصحية داخل المرافق العمومية، فقد يمر عبر المركز الصحي التابع له مقر سكناه، كما هو مبين في بطاقته فلا يجد ضالته ثم يرسل إلى أقرب مستشفى محلي أو إقليمي ثم إلى المستشفى الجهوي… لتتواصل المحنة، في الوقت الذي كان فيه الفقير مطالبا فقط بإحضار شهادة الاحتياج، لتقضى أغراضه دونما الحاجة إلى كل هذه التعقيدات…

إننا نعلم ما لصحة المواطن من تأثير مباشر على تنمية المجتمع وتطوره وأمنه، لذلك يتعين أن يكون لدى القائمين على الشأن العام، ما يكفي من الإرادة السياسية والشجاعة الأدبية، لاتخاذ القرارات الحاسمة وتغيير هذا الواقع المؤلم، فالعبرة ليست بالحصول على البطاقة وكفى أنينا. إن ارتفاع نسبة نجاح نظام المساعدة الطبية، يتوقف على إصلاح المنظومة الصحية ككل، في إطار مشروع مجتمعي منصف، تحترم فيه الحقوق الدستورية والإنسانية، بما يضمن للمواطن الاستشفاء والحصول على الدواء، وحتى لا تبقى صحتنا العمومية تصارع من أجل البقاء، نقص صارخ في البنيات التحتية، في الموارد المادية والبشرية، من أطباء وممرضين وأطر تقنية، ومؤسسات العلاج مهترئة بتجهيزات متقادمة أو معطلة وقلة الأدوية…

اسماعيل الحلوتي

عن الصحيفة الالكترونية ” بلادنا” bledna.com