كسر الخاطر / عبد الإله ذو .. اللسانين!

 عن جريدة .ا.ش  /عبد الحميد جماهري 

 

كانت أمام رئيس الحكومة فرصتان لكي يتعالى عن اللحظة الحزبية، ويعطي صورة رئيس حكومة يتحدث بلسان المغاربة.
كانت هناك لحظة فرح،
ولحظة ألم،
لحظة سجال سياسي،
ولحظة سجال إيديولوجي.
ترتبط الأولى بخطابه في فاتح ماي، حيث ارتدى جبة النقابي وسط النقابيين، ودافع عن وجوده الحكومي.
وهي سنة قطع معها قادة الحكومات ورؤساء الأحزاب منذ عقود من الزمن، لم يسجل لعبد الرحمان اليوسفي أن خلط بين المجمعين.
ولا عباس الفاسي، فيما يذكر هذا العبد الفقير إلى ربه وشعبه.
وفي المقامين لسانان، ولا يستقيم أن يكون الرئيس هو خطيب البروليتاريا، ويدعوها إلى الوحدة و الصلاة على النبي، يوم فاتح ماي، ويشحذ قراراته لكي يدعوها إلى شد السمطة والصوم باقي أيام السنة.
ما نحن في حاجة إليه، ليس هو تكريس الرئيس النقابي، بل الزعيم الدستوري، الرئيس الذي لم ينته بعد من تفصيل قياس دستوريته وجلبابه السياسي والمؤسساتي.
وعندما يحين الحين لكي يخيط بلسانه، على الأقل، لباسه الدستوري، يفضل بنكيران، في واقع الأمر، الجلوس إلى الماضي والحديث بلغة من لا يعترف للمغرب بالقدرة على التطور.
وقد سنحت الفرصة، قبيل فاتح ماي بساعات قليلة أمام الغرفة الثانية للمغاربة أجمعين لكي يقيسوا «الاجتهادات» التي يتقنها كلما كان مطالبا، بالفعل، بالخطاب السياسي والدستوري، وحياكة الشكل النهائي للرئيس الدستوري.
مجمل القول إنه يتحدث حيث عليه ألا يوجد، ويسكت حيث عليه أن يوجد،
وفي تقدير العبد الفقير إلى ربه، هناك تفسير وحيد لإصراره على الحديث إلى «عماله»، في يوم عيدهم, في مجال يكون المطلوب فيه هو الحديث عن سياسة الحكومة، وعن قرارات تهم الطبقة العاملة، وهو ما لا يمكن أن يدعيه.
وهذا التفسير هو أنه يعتبر أن النقابة هي جمعية دعوية، أو أن الإصلاح والتوحيد حين تتخذ هيئة منظمة عمالية تصبح نقابة، وهو ما يسمح للسيد الرئيس أن يواصل الدعوة والتبشير وإعلان الوعيد في وجه من يعارضه.
القضية الثانية وهي مؤلمة وذات صبغة مشحونة بالتباس العواطف ووضوح الفجيعة، هي مقتل الطالب الحسناوي وإصرار بنكيران على أن يقدم كل التوضحيات التي تهم مشاركته في الجنازة.
فقد كان عليه أن يحرص على مواساة العائلة والتعبير عن العنف، بأشكال عديدة، لكنه اختار الحضور في التشييع والحضور البعدي في الصحافة والخطاب الإعلامي.
وهو ما يفسر أن الرجل لم يفعل ذلك عبثا.
فهو يريد أن يكون إلى جانب الضحية لكي يفلت من مسؤولية حمايته (وهناك تشابه بينه وبين الطبقة العاملة: ضحية سياسة يريد الإفلات منها ومن مسؤوليتها).
ويريد أن يكون رئيس حزبه ( أو رئيس حزنه هنا)، عوض أن يكون في صف الترفع عن الانتماء الحصري، وتسييس من يطالبه بالمسؤولية في ما حدث، كرئيس حكومة وليس رئيس حزب.
وعندما يرفض أن يكون رئيسا للحكومة في قضية من هذا القبيل ليسمح للناس بأن ينظروا إليه كرئيس حزب، ويخاطبوه كرئيس حزب ويشحذوا ألسنتهم وسياطهم ضده كرئيس حزب.
عدم الاستقرار في الوظيفة الدستورية، يفضي في نهاية المطاف إلى ضمورها، وتراجعها، سواء كان ذلك باسم الاحتفال أو باسم الجنائز.. فإن النتيجة هي أن بنكيران يضيع فرصة ثالثة لكي يتحدث في الصميم..
واللهم قد وهن العقل مني..