الخطاب السلفي وتحطيم العقل.

(قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي)

/القسم الأول- قراءة في الفكر السلفي. 2من 28/

 بقلم ..د.عدنان عويّد…”لنشرة المحرر”

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

في المفهوم:

     السلفية : لقد أجمع مشايخ وأئمة السلفية وعلى رأسهم علماء الحركة الوهابية بأنها : الرجوع إلى الكتاب والسنة لفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . والسلفية عندهم ليست مذهبا ولا حزبا ولا جماعة, إنها الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته. وهي الدعوة إلى نبذ كل شي حدث في الدين ولم يكن منه في جميع أبوبه إن كان في العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق. وأخيرا, السلفية هي الطائفة الناجية أوالفرقة المنصورة إلى قيام الساعة.(1)

    أما مفهوم السلف:  فقد بين علماء الدين من التيار السلفي, أن المراد بمصطلح السلف تاريخاً, هم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون الثلاثة الأولى. وبذلك أصبحت عقيدة السلف دليلاً على ما كان عليه هؤلاء ومن تبعهم من الأئمة الأربعة (المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية) وغيرهم من الفقهاء ومشايخ وأئمة الدين المعروفين للكثير ممن يهتمون بالشأن الديني السلفي أمثال: سفيان الثوري وحماد بن سلمه والاوزاعي وعلي بن ألمديني وأبو داوود والنسائي وابن ماجة وأبو حسن الشعري وأبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن القيم وابن حجر وابن كثير وابن عبد البر والإمام محمد بن عبد الوهاب وفي هذا العصر ابن باز والألباني والشيخ البوطي والعثيمين والشيخ الفوزان وغيرهم كثير. بل وسائر أصحاب السلف الذين اتبعوا طريق الأوائل جيلاً بعد جيل. ولتأكيد رؤيتهم أو موقفهم هذا رجع بعض فقهاء السلفية إلى القرآن والحديث وأقوال الصحابة ليقدموا الأدلة النصية التي تدعم حجتهم, وتشير إلى تكريم الله لهؤلاء السلف وفضلهم على غيرهم من المسلمين. كتفسيرهم لقول الله عز وجل عن المهاجرين: (للفقراء المهاجرين الذين أ ُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر الآية (8.) وكذلك بالنسبة للأنصار: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة, ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). الحشر (9). وكذلك تبيان أهمية دور من بايع الرسول (ص) في بيعة الرضوان, في تفسيرهم لقوله تعالى : (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم…) . سورة الفتح من الآية (18) . وأيضاً في تأكيدهم على أهمية من آمن قبل الفتح وبعده في تفسيرهم لقوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل, أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسني.). سورة الحديد. الآية (10). كما يؤكدون مسألة أهمية السلف ومكانتهم بناءً على أحاديث للرسول الكريم, منها ما رواه مسلم والبخاري يقول فيه : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). وكذلك قول الرسول : (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي – وفي رواية لمسلم, أحدا من أصحابي – فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) . متفق عليه. أما الأكثر وضوحاً في هذا الاتجاه فهو حديث للإمام الشافعي يسنده إلى أنس بن مالك عن رسول الله (ص) : (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري, وإنه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصونهم, ألا فلا تنكحوهم. ألا فلا تنكحوا لهم. ألا فلا تصلوا معهم. ألا فلا تصلوا عليهم. عليهم حلة اللعنة.)(2).

      إذاً انطلاقاً من هذا الموقف الفكري الديني الوثوقي القائم على تفسير النص الديني المقدس بشأن السلف ودورهم ومكانتهم  الثابته عبر الزمان والمكان, انبثق مصطلح السلفية وتبلور فيما بعد, وليأخذ أيضاً سعته وحيويته كي يشمل مختلف العلماء والدعاة والمصلحين من أهل السنة والجماعة على مختلف مراحل وفترات التاريخ الإسلامي, بما فيها المرحلة الحاضرة ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شانه في الدين, وتلقى الناس كلامهم خلفاً عن سلف دون من رُمِيَ ببدعة أو شُهِرَ بلقب غير مرض بالنسبة لهم, مثل الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية, ومن قالوا أنهم على  شاكلتهم من أهل زمننا كالقومين والليبراليين واليساريين.

     هذا وقد قرر دعاة هذا التيار السلفي, بأن السلفية في صيغتها التي جئنا عليها أعلاه, هي منهج الإسلام وملزم، وعلي كل مسلم أن يلتزم نهجه, ومن يخرج عنه فهو مبتدع وضال, لذلك سموه بالمنهج السلفي .

     إن إتباع منهج السلف في الإيمان والعمل والتزكية, هو أمر الله وأمر رسوله ولا يجوز الانحراف عن تلك الجادة قيد أنملة, وان دعاة هذا المنهج أو المؤمنين به هم الفرقة الناجية بعد أن انقسم المسلمون علي ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. وهي التي حددها  الرسول (ص) في قوله عندما سئل من قبل الصحابة عن الفرقة الناجية فقال 🙁 هي ما أنا عليه وأصحابي- وفي رواية أخرى قال ” الجماعة”). صحيح أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما.

     وأهل السنة أيضا, هم أهل الحق٬ فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة, في أي مكان وُجد٬ وفي أي زمان كان … قال النووي:” ولا يلزم أن يكونوا – أي الطائفة المنصورة – مجتمعين – يعني في مكان واحد –  ٬بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض.).(3)

     يُذكر أن ابن تيمية وشيوخ السلف الذين اخذوا بالقرآن والحديث والإجماع والقياس, كانوا يشيرون لأنفسهم بأهل السنة والجماعة لاعتقادهم أنهم الفرقة  الناجية المتبعة للنهج الصحيح لأهل السنة والجماعة. ومآل أهل السنة, أي السلفية, أو الفرقة الناجية) الجنة ابتداءً  كما يقررون٬ إلا إذا زادت سيئات أحدهم علي حسناته فحينها يستحق دخول النار علي قدر زيادة السيئات٬ وإذا ما تساوت حسناته وسيئاته فهو في المشيئة, (أي الله وحده هو من ينظر في أمره)٬ ولو دخل النار فمآله في النهاية إلي الجنة ولابد.) (4)

 

 

مآل من يخرج عن أهل السنة والجماعة:

    إن مآل من حاد عن منهج أهل السنة والجماعة واتبع فرقة من تلك الفرق الضالة الـ (72) التي أخبر عنها الرسول في حديثه المشهور, فهو الكفر وبالتالي النار. هذا وقبل أن ندخل إلى تحديد تلك الفرق الضالة التي أشار إليها السلفيون وقالوا عنها بأنها “فرق نارية” دعونا نقف قليلاً عند مسألة تحديد معنى الكفر عندهم واتجاهاته .

     أولاً تكفير النوع : ويعني أن العمل الفلاني فِعـْلـُهُ كفر أكبر,  مثل من سجد لغير الله فقد كفر ٬ ومن حكم بغير ما أنزل الله فقد كفر, ومن دعا غير الله فقد كفر. (5)

     ثانياً تكفير العين: ويعني أن فلانا بعينه كافر لارتكابه العمل ألكفري. وما يهمنا في جانب التكفير بعمومه هنا, هو تحديد الفرق الدينية غير الناجية التي كفرتها الفرقة الناجية, أي ( أهل السنة والجماعة).(6)

      جاء في الحديث الشريف المشهور:) افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتي وسبعين فرقة, وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة  كلهم في النار إلا واحدة ، قالوا من هم يا رسول الله؟,  قال: هم الجماعة.) (وقال: هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.)…..

     لقد حُددت الفرقة الناجية, والفرق التي لا تُعد من فرق الأمة الإسلامية الـ/73/ أصالة, وهي فرق كافرة نوعا وعينا مثل (الدروز والعلوية والإسماعيلية. وهذه فرق بنظرهم “تؤله غير الله عز وجل”. وهناك أيضاً فلاسفة الصوفية “القائلون بالوجود المُطلق أو وحدة الوجود”, وغلاة الصوفية “الحلولية والاتحادية”, وهناك غلاة الرافضة الذين يقولون بتحريف القرآن ونقصانه ويؤلهون الأئمة وآل البيت .) وغيرهم. وهناك من الفرق النارية الـ72 التي أقوالها أقوالا كفرية وأعمالها أعمالا كفرية,  فالتكفير هنا تكفير نوع ٍ لا تكفير عين ٍ٬ وفي تكفير تلك الفرق بعين أفرادها خلاف سائغ بين العلماء, ( مثل الرافضة غير الغلاة (الذين يسبون الصحابة ويكفرون بعضهم و الذين يقولون بالرجعة والإمامة والتقية وغيرها).(7). وهناك المعتزلة (القائلون بنفي الصفات مع إثبات الذات والأسماء ويقولون سميع بلا سمع وبصير بلا بصر), وبعض فرق الصوفية وهي الطرقية (الذين يتبركون بالقبور و يتمسحون بها والذين يطوفون بالقبور وينذرون لها وغير ذلك) وغيرهم ٬ فمن كان من عوام تلك الفرق متأولاً أو جاهلاً أو مُلـَبَّساً عليه فهو في مشيئة الله تعالي ٬ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ٬ وهو مستحق للعذاب ابتداءً, وحتي لو دخل النار علي قدر مخالفته فمآله في النهاية إلي الجنة والله أعلم ٬ أما العالم من أهل تلك الفرق٬ الذي علم الحق ولم يظهره ٬ ودعا لذلك الكفر أو الشرك  لأي مرض قلبي٬ أو لأي شهوة, فهو كافر هالك في النار .وهناك من الفرق النارية التي لا خلاف في عدم تكفير أهلها ٬ ولكنهم مبتدعة ضالون, ( مثل عامة الزيدية الذين يقولون بأن أفضل الخلق بعد النبي هو علي بن أبي طالب ولكنهم يثبتون إمامة أبي بكر وعمر دون لعنهم أو سبهم. والمرجئة الذين يخرجون عمل القلب والجوارح من الإيمان) وغيرهم. (8).

ملاحظة: إن تقويم السلفيين للكثير من الطوائف والفرق الدينية التي جئنا عليها أعلاه والتي لم يزل قسم كبير منها قائماً حتى هذا التاريخ, هو التقويم ذاته بنظرهم الذي حدده الشهرستاني في كتابه الملل والنحل, أو البغداي في كتابه الفرق بين الفرق. علماً أن الزمن تغير وتطورت تلك الأقليات الدينية في فهمها للدين بسبب تطور العلم والمعرفة وتلقيهم الفكر الديني في زمننا المعاصر من المصادر ذاتها التي يتلقاها بقية المسلمين في المدارس والجامعات.

كاتب وباحث من سورية