في زواج القاصـرات


 بقلم محمد بوبكري



يطلع علينا بعض الأشخاص اليوم، من حين لآخر، بفتاوى تجيز زواج الفتيات بعد بلوغهن الحيض مباشرة، مدَّعين أن المرجعية الدينية تبيح ذلك. وهذا يشكل تشويها للإسلام، لأن مثل هذه الفتاوى تخلط بين الدين والتقاليد والعادات ولا تقيم أي اعتبار للتطورات التي حصلت في عصرنا على العلاقة بين الجنسين وحقوق الفرد وطول المدة التي صار على المرء أن يصرفها في التعلم والتكوين لولوج الحياة الأسرية والاجتماعية بكل ما تقتضيه من مؤهلات وواجبات… 
وللدلالة على ذلك، فقد روى أحد الأطباء المعروفين للكاتب المصري شريف الشوباشي حكاية مروعة عما حدث لنحو ربع مليون فتاة إثيوبية عشن – وما يزال نصفهن يعيش حتى الآن – حياة مأساوية ناجمة عن الزواج والإنجاب في سن الطفولة. وتجدر الإشارة إلى أن غالبية سكان إثيوبيا من المسيحيين، ولا يمثل المسلمون سوى نسبة 33% منهم، مما يدل على أن زواج القاصرات هو تقليد كان معمولا به في المجتمعات القديمة، حيث ما تزال المصالح والعادات تتكاثف ضد الفتيات الصغيرات تحت قراءات غير مستنيرة للدين تبيح زواج القاصرات، وهو أمر لا علاقة له بالدين من قريب ولا من بعيد، كما أنه صار من المرفوض في كل المجتمعات المتحضرة.
ونظرا لعدم نضوج أجساد هذه الفتيات الإثيوبيات وعدم نمو عظامهن وأعضائهن الداخلية، فقد أدى ذلك إلى إصابتهن بتمزقات داخلية نتيجة الحمل والولادة…، جعلتهن يقضين حاجتهن من الأمام بدلا من مكانها الطبيعي، وهو فتحة الشرج. وعوض أن يقوم أزواج هذه الفتيات وأسرهن ببذل الجهود لعلاج هذه المأساة، فقد لجأوا إلى تجميعهن خارج المدن والقرى وعزلهن في أكواخ بعيدا عنها للتخلص من الرائحة الكريهة التي تنبعث منهن. ونتيجة لذلك، فقد كان مصيرهن أنهن صرنَ يقضين ما تبقى من عمرهن منفصلات عن أطفالهن وأهلهن. وقبل حوالي اثني عشر سنة، شاءت الأقدار أن تكتشف طبيبة أسترالية هذه المأساة الإنسانية، فقررت أن تكرس حياتها لعلاجها، وعادت إلى بلادها لتأتي بالأدوية وبكل ما يلزم ذلك من أدوات الجراحة، فقامت بإجراء ما يتطلبه الأمر من تدخلات طبية لإصلاح الأغشية الداخلية التي تعرضت للتمزق نتيجة الحمل والولادة المبكرين… وقد توفقت لحد الآن في علاج نسبة مهمة من هذه الفتيات الإثيوبيات اللواتي عشن ألم ومأساة تزويجهن وهن قاصرات.
لم يحدد الدين الإسلامي سنّا صريحة للحد الأدنى لزواج الأنثى، لكنه أقرَّ بأن أركان الزواج هي: الإيجاب والقبول وشاهدي العدل والإشهار. ويرتبط الإيجاب والقبول باكتمال الإرادة، التي يرى بعض الفقهاء أنها لا تكتمل في سن مبكرة، لأن البنت في زمننا هذا تحتاج إلى قدر من العلم والثقافة والنضج لتحمل مسئولية الأمومة والحياة الزوجية. أما الرغبة في التخلص من البنات بالزواج المبكر، فتدخل في باب تهرب ولي أمر الفتاة من المسئولية التي كلفه الله بها.
إضافة إلى ذلك، فالقياس على زواج الرسول (ص) من السيدة عائشة في سن صغيرة هو باطل، لأنها لم تكن في هذه السن الصغيرة التي يتداولها البعض، كما أن المستجدات الحالية في المأكل والمشرب والتعليم والثقافة، لا يصلح معها أن تتزوج الفتاة قبل أن تحصل على مستوى تعليمي وثقافي يؤهلها للقيام بدورها في أسرتها، ما يجعل الطفلة الصغيرة غير مؤهلة لهذه المسئولية قبل أن تتعلم… ذلك أن مسئولية الزواج تحتاج إلى بلوغ الرشد في العقل والتفكير لتحمل مسئولية الأسرة والأطفال، أما تزويج الفتاة قبل ذلك فيحمل وزرها الأب، وأولياء الأمر.
لقد صار معروفا اليوم أن بلوغ الإنسان لا يتحدد بجانبه الفيزيولوجي، بل ببُعده النفسي والعقلي أيضا، وإذا كان الأول يتحدد في سن الثامنة عشر، حيث لا يطرأ عمليا أي تغيير على البنية الجسمية للإنسان بعد هذه السن، فالبلوغ الثاني أبطأ بكثير من الأول، إذ يستغرق زمنا أطول، بل ولا يكتمل أبدا، إذ يتطلب مراكمة المزيد من الخبرات والتجارب والدروس المتعلَّمة من الحياة والاحتكاك بالآخرين، وهذا النوع من النضج لا يمكن لأي شخص أن يدعي بلوغه حتى ولو فاق سنه المائة عام، فمن أين لطلفة لم تصل بعدُ سن الثامنة عشر أن تبلغه؟ !!
يعتبر مفتي مصر الدكتور علي جمعة زواج القاصرات نوعا من الزنا، ولذلك أفتى بأن زواج القاصرات يعتبر استغلالا جنسيا للأطفال يقتضي معاقبة من يقترفه أو يُساهم فيه أو يساعد عليه سواء كان من الأبوين أو المحامين أو الوسطاء، مؤكداً أن الأب الذي يزوج ابنته القاصرة لرجل في عمر جدها يعتبر «فاسقا»، وتسقط ولايته على أبنائه، ولابد من عقابه هو وشركاؤه في هذا الزواج، من وسيط وزوج ومحام…، وأن يكون العقاب رادعاً لمواجهة هذه الظاهرة.
تبعا لذلك، يوصف ولي الأمر الذي يرضى بتزويج ابنته في الخامسة أو السادسة عشر لثري مغربي أو شرقي بأنه بائع (لضناه) ومفرِّط في مسئوليته التي أوكلها الله له (“يوصيكم الله في أولادكم”)، ومثل هذا الزواج هو جريمة بيع طفلة ومهاترات ونكاح فاسد ودعارة مقنعة، وكذلك بالنسبة للشهود، لقوله تعالى (“وأشهدوا ذوي عدل منكم”)، فالجريمة يتورط فيها الأب والشهود…
لذلك يعد تزويج الأطفال بالمسنين كارثة أخلاقية ووطنية بكل المقاييس، وتذرع الأسر بالفقر لا يبيح لها بيع بناتها والعودة إلى عصر النخاسة والاتجار في البشر، لأنه من باب فقر الأخلاق وعدم الكرامة والحط من قيمة بناتها، والتستر بالدين لمآرب غير جديرة بالاحترام لبناتهم.
فضلا عن ذلك، تؤكد الدراسات اليوم أن الزواج المبكر الآن يؤدي إلى الطلاق المبكر حسبما تشير الإحصاءات والأحوال، إذ ارتفعت نسبته خلال الــ 50 عاماً الماضية من 7 % إلى 40 % طبقاً لإحصائيات عربية. ويُجمع الأخصائيون من علماء النفس والاجتماع على الدور الحاسم الذي يلعبه الزواج المبكر في هذا النوع من الطلاق:
من ذلك أنَّ د . محمد محمود استشاري الطب النفسي بجامعة الأزهر يرى أن الطلاق المبكر ينتجُ “عن زواج مبكر، وهو ما يعني انعدام الخبرة الحياتية وخاصة إن كان سن الزواج صغيراً. (…) والضغط النفسي على الفتاة لقبول الزواج يسبب لها القلق والتوتر، فيغلق عليها دائرة الاختيار بين البدائل فتندفع في الزواج وتفشل”.
ويرى د. كمال السيد أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة أن نسبة الطلاق في ارتفاع بسبب عوامل اجتماعية منها: “عدم التوفيق في الاختيار لأن الاندفاع والسرعة في اختيار شريك الحياة يؤدي إلى مفاجأة وصدمة بعد الزواج بسبب اختلاف الطباع والمزاج والميول، فتحدث قطيعة نفسية لا يستطيعان التعايش معها ومن ثم الطلاق، وأيضاً هناك عوامل بيولوجية، أي عدم التوافق الجنسي بين الزوجين. ومما لا شك فيه أن الزواج نظام اجتماعي جنسي، فالجنس حاجة طبيعية مثل الطعام والشراب، وعدم التوافق الجنسي بين الزوجين قد يؤدي إلى فتور في العلاقة الزوجية التي هي في الأساس علاقة واقعية متكاملة الأركان وحدوث خلل في أي ركن من أركانها قد يؤدي إلى الفشل.
والخلاصة أنَّه لا يجبُ فقط وضع حد لمثل هذه الفتاوى، بل يلزم تجريمها لما ينتج عن تطبيقها من كوارث اجتماعية ونفسية، ناهيك عن أنها تغرد خارج سرب عصرنا كما لو كنا نعيشُ في جزيرة معزولة، لا التزامات لنا بمواثيق دولية ولا رقيب علينا ولا حسيب من الخارج.