على هامش اغتيال الطالب الحسناوي

عبد السلام رجواني

منذ مقتل الطالب الجامعي عبد الرحيم الحسناوي, طفا على الساحة الاعلامية الوطنية تلفزة واذاعات وصحف ,موضوع العنف بالجامعة المغربية، واحتدم الجدال بين المهتمين من اهل السياسة والاجتماع في محاولات لفهم اسباب العنف ودلالاته الاجتماعية والنفسية وتداعياته على الحياة الجامعية والحركة الطلابية. واذا كنا نعتبر ان الموضوع جدير بالاهتمام وبحاجة الى تكريس كل الجهود لانقاذ الجامعة المغربية من براثين ثقافة الدم والاغتيال في أفق ان تستعيد دورها العلمي والثقافي وتوهجها النضالي الملتزم بقيم الحوار الديموقراطي الذي يعترف بحق الاختلاف في الرأي والانتماء الفكري والسياسي ويتيح إمكانيات العمل المشترك في إطار وحدة نقابية تضع نصب عينيها المصالح المشتركة لجماهير الطلاب وحقوقهم المشروعة في التكوين الاكاديمي المؤهل للاندماح في الحياة العامة،اذا كنا نقر بأهمية الموضوع,فإننا نعتبر أن معضلة العنف في الجامعة ليست وليدة اليوم ,بل هي نتيجة سيرورة تفجرت بوادرها الاولى بداية الثمانينات, اي مباشرة بعدما عجزت الفصائل الطلابية انذاك عن تدبير خلافاتها بعد المؤتمر 17 الذي افرز اغلبية يسراوية حولت اوطم الى تابع لتنظيم يسراوي لا أفق له سوى تمرير مواقف منافية تماما للتراث النضالي الوطني الديموقراطي للحركة الطلابية المغربية.وقد تفاقمت ازمة الحركة الطلابية وتناقضاتها الداخلية في ارتباط جدلي مع تدهور الجامعة المغربية من حيث التأطير والشروط الاقتصادية الاجتماعية لعموم الطلبة وتراجع التحصيل العلمي وتكريس بطالة الخريجين الى جانب ظهور فصائل اسلاموية اعتبرت الجهاد ضد الفصائل اليسارية على اختلاف تلاوينها امرا ألاهيا, لم يرددوا في شحذ السيوف والسواطير لاجتثاث كل من يخالفهم الرأي من رحاب الجامعة ومدرجاتها حتى.
هكذا تحولت الجامعة المغربية على امتداد العقود الثلاثة الماضية من منارة للعلم والمعرفة وتكوين النخب السياسية وتغذية الساحة الثقافية بالمبدعين في الشعر والقصة والمسرح،وفي الفلسفة والتاريخ والاقتصاد وغيرها من المجالات،الى فضاء يعاني من بؤس فكري وضحالة في الممارسة السياسية، وهي الشروط التي ادت الى انعدام مقومات الحوار وافسحت المجال لثقافة الاقصاء ونبذ الآخر باعتباره كافرا او خائنا او ظلاميا ارهابيا وما الى ذلك من التمثلات السلبية المتبادلة، التي ادت في نهاية المطاف الى انتصار لغة التهديد والوعيد ثم الى لغة القتل.
فتوالت حالات القتل وتكررت «الغزوات» و»الثورات» وتوزعت الفصائل في الكليات واقتسموا ساحاتها ,فأنشأ كل فصيل اتحاده وادعى لنفسه شرعية تمثيل طلبة هجر اغلبهم الفصائل جميعها، ولأن عملية الانشطار ان بدأت لا تكف عن التوقف، تناسلت المجموعات على اسس اثنية وقبلية الى حد لم يعد هناك أي معيار للتمييز بين اطروحات هذه الفصائل وممارساتها.ازمة الحركة الطلابية اذن هي الوجه الابرز لأزمة الجامعة بل لأزمة المنظومة التربوية والتكوينية في مجملها, انها ازمة ذات ابعاد ثقافية وتربوية واجتماعية وسياسية،هي أزمة تعكس المأزق الوجودي للشباب المغريي المتعلم الذي تسكنه مشاعر الاحباط واليأس،ويحمل عن نفسه صورة سلبية ..
ما يثير في خريطة العنف الجامعي جغرافيا واجتماعيا ان ابناء المغرب «غير النافع» هم الوقود الاساسي لآلة العنف ,فهم الضحية وهم الجلاد،هم ضحية واقعهم الاقتصادي البئيس نتيجة سياسة التهميش التي طالت مناطقهم لعقود،وضحية تداعيات العنف الذين هم ابطاله حينا وضحاياه حينا آخر مآلهم القبر او السجن, فما العمل للحد من هذا الوباء ؟ يبدو ان الحكومة اخذها الحنين لمقاربة امنية ابانت التجربة عن فشلها يوم حل برحاب الجامعة زمن الثمانينات ما سمي وقتها بالاواكس،ومن اليقين ان الانتماء السياسي للطالب الحسوني عامل حفز رئيس الحكومة على الاختيار الذي اتخذ ونفذ بسرعة متناهية. ويحق للمغاربة ان يتساءلوا هل كان هكذا قرار سيأخذ بنفس السرعة لو ان الضحية ينتمي لفصيل غير التجديد الطلابي.
من المحتمل ان تؤدي هذه المقاربة الى «هدنة»مشوبة بالخوف والتوجس وانتظار فرصة للانتقام،لكنها غير ناجعة في اقتلاع جذور العنف داخل الجامعة.
لن يتأتى ذلك الا ضمن استراتيجية وطنية شاملة يسهم في بنائها وتنفيذها كل القوى الحية بالبلاد ومن ضمنها الطلاب انفسهم والاساتذة الجامعيون والباحثون في العلوم الانسانية.
نرى ايضا ان هذه الاستراتيجية يجب ان تقوم على اصلاح عميق وحقيقي للجامعة المغربية حتى تكون اكثر انفتاحا وتفاعلا مع محيطها,الاقتصادي والاجتماعي ومصدرا للامل في حياة كريمة بالنسبة لعموم روادها،كما يجب ان تقوم هذه الاستراتيجية على حوار هادئ بين الاحزاب السياسية من اجل ميثاق وطني ينظم العلاقات بين مكونات الحركة الطلابية المغربية.
12 ماي 2014