كسر الخاطر : فقهاء السلاطين هم الحل؟

بقلم ..عبد الحميد جماهري

عن جريدة .ا.ش

أكد أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية ما سبق أن سجله المتابعون للقضايا الدينية في بلادنا وفي جوار الربيع العربي. وأعلن في لندن أن العديد من البلدان الأفريقية والعربية ترغب في استيراد التجربة المغربية في مجال تدبير الحقل الديني.
وهو في ذلك يلمح إلى طلبات دول من الجوار المغربي، تونس بالأساس والجوار الإقليمي الإفريقي، كمالي ودول التعاون الأوروبي مثل بلجيكا.. من أن تستقطب أئمة مغاربة، سيعملون في حقولها الدينية.. لنشر التجربة المغربية وتعميم الفهم المغربي في تدبير الفتوى، والعلاقات بين الأفراد والمؤسسات ونشر تصور معين للدين في العصر الحديث.
ويمكن أن نستخلص من هذا ما لا يقل عن 3 ملاحظات:
أولا، أن الدول المعنية تتنوع حاجتها إلى «اليد العاملة الدينية»، كتعبير مجازي في الفعل الديني، بحسب تجربتها مع التطرف الديني.
والملاحظة الرئيسية أن تونس، كبلد خارج للتو من الربيع العربي، ليس هو بلجيكا أو مالي مثلا.
فالتجربة المغربية في التدين ونشر الوعي الديني لا تهم تونس بنفس الدرجة أو الطبيعة التي تهم بها مالي: فالبلد المغاربي تونس الثورة ، وجدت الحد الأدنى المشترك بين مكوناتها، ذات الامتداد الديني أو المقابل لها ذات الامتداد العلماني أو اليساري. وهي بذلك تحتاج إلى تقوية نمط تدبير يحفظ للبلاد توازنها ويضبط بنيانها الوطني، ويثبت أركانها لما بعد الثورة. وهي في ذلك، (مفارقة طيبة على كل حال) في حاجة إلى «عدالة انتقالية في التدين» كما كانت في حاجة إلى النموذج المغربي في العدالة الانتقالية للمصالحة مع الماضي.
بلجيكا، من جهتها تعاني من تغلغل التطرف الديني لمواطنيها من مختلف الحساسيات والأعراق، وهي بلد أوربي تجاوز مرحلة البناء الديموقراطي، لكنه في حاجة إلى تأمين ديني لمسلسله السياسي الطويل الأمد، ومساندة عقدية للمقاربات الأمنية الناجعة، وهو توجه يريد أن يعالج القضايا التي تطرحها العقدية مع الحفاظ على المقاربة الديموقراطية وحقوق الإنسان.
أما مالي فهي في مواجهة مفتوحة مع القاعدة والتطرف الديني الإرهابي، مع ما يحتمله ذلك من تعميم اللاستقرار في المنطقة وتفكيك الدولة وتوسيع دائرة الانفلات العقدي المنحرف.
2 – بالرغم من أن الربيع العربي، جاء محمولا على موجات تدين حزبي، فإن الملاحظة الرئيسية هي أن هذا التدين المحزب لم يكن عامل استقرار، ولا يتجاوز وضعه كطرف في معادلة تستلزم اللجوء إلى خيار آخر، خيار الاحتكام إلى تجربة تتجاوز الوضع السياسي المباشر. في تونس كما في غيرها، لم ينجح الإسلام الحزبي في أن يقدم تجربة للتدبير الديني يمكنها أن تكون محط ثقة أو تقبل على أقل تقدير.
أكثر من ذلك، أصبح على المغرب ذاته – مصدر ومصدر التجربة – أن يحصن نفسه من الاختراقات المؤسساتية التي تتم باسم التدين الحزبي، ومحاولة تطويع المؤسسة للأهداف المحدودة، إن لم نقل بأنه يواجه هجوما كبيرا من لدن سدنة التحزب الديني أو التدين الحزبي، ولنا في العديد من التصريحات والأفعال الصادرة عن عرابي هذ التوجه، دليل على مهاجمة التجربة المغربية، واستعادة التهجم باسم «فقهاء السلطان»، أي العلماء الذين تعتبر دول كثيرة أنها في حاجة إليهم …
وقد تابعنا في الأونة الأخيرة كيف أن بعض المنتسبين إلى مؤسسات الإمارة، يخوضون في الشؤون الخلافية، ويميلون إلى تزكية أطروحة على أخرى أو مهاجمة..
ويمكن أن نتساءل، بدون خوف كبير من المجازفة: ماذا لو كان «فقهاء السلطان» هم الحل في التجربة الإسلامية لفترات التوتر الحالي أو فترات ما بعد الربيع العربي؟
وأخيرا،
3 – لم تثبت السلطات الدينية، التي تولت الدولة، سواء في شطرها السني أو شطرها الشيعي، أنها قادرة على التعامل مع فترات الانتقال وتقديم الدين على السياسة، ولم تثبت حاجة العالم إلى تجربتها بعد أن تبينت حدود الاجتهاد والابتكار في التعامل مع عالم معقد، بل كانت في جزء كبير من الحالات جزءا من مشاكل الانتقالات السياسية والمجتمعية التي عرفتها دول الدائرة الإسلامية ( من باكستان إلى العراق، وفي دول الخليج وفي لبنان وغيره ).. ولم تخضع هذه التجربة لمعالجة أخرى غير المعالجة المانوية أو الثنائية ( فصيل خير وفصيل شر ) بدون البحث في سبل الإرتقاء بالتأطير الديني إلى مرتبة الموضوع المفكر فيه والخاضع بدوره لرهانات الانتقال الديموقراطي ( ألمح هنا إلى إمارة المؤمنين بين دستور 1996 ودستور 2011، وما عرفته من تطور لم يمنعها من أن تظل منتجة لتجربة مطلوبة في الجوار الصعب للمغرب).